عَمَلُ اسْمِ الفَاعِلِ في الضمير

أ. د. محمد عبدالله سعادة

في نَحْوِ: ضاربُكَ، والضَّارِبُكَ، مما الوصفُ فيه مقرونٌ بأل، أو مجرَّدٌ منها، اخْتَلَفَ النُّحاةُ في ذلك:

قال سِيبَوَيْهِ[158]: “وإذا قُلْتَ: هم الضارِبوكَ، فالوجهُ فيه الجَرُّ؛ لأنك إذا كَفَفْتَ النونَ مِن هذه الأسماءِ في المُظْهَرِ، كان الوجهُ الجَرَّ، إلا في قولِ[159] مَن قال “الحافِظُو عَوْرَةً”.

فالضَّمِيرُ عندَ سِيبَوَيْهِ محمولٌ على الظاهرِ، والظاهرُ يَكونُ مَجْرورًا، وذَهَبَ إلى ذلك المُبَرِّدُ والمَازِنِيُّ والرُّمَّانِيُّ؛ لأن الضَّمِيرَ نائبٌ عنِ الظاهرِ، وإذا حُذِفَ التَّنْوِينُ مِنَ الوَصْفِ كان الظاهرُ مخفوضًا بالوصفِ، فكذلك نائبُه.

وقال الْأَخْفَشُ[160] وهِشَامٌ: “مَوْضِعُ الضميرِ نَصْبٌ، وزَعَمَا أنَّ التَّنْوِينَ في نَحْوِ “زيدٌ مُكْرِمُكَ” والنونَ في: “الزيدانِ مُكْرِمَاكَ” حُذِفَا؛ لِصَوْنِ الضميرِ عنْ الِانْفِصالِ، والضميرُ منصوبٌ؛ إذ لا دَلالةَ على الجَرِّ، وضَعَّفَ ذلك ابْنُ مَالِكٍ.

واستدَلَّ الْأَخْفَشُ بقوله تعالى: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ [العنكبوت: 33].

ألَا تَرَى أنَّ الكافَ في مَحَلِّ نَصْبٍ؛ لأنه نَصَبَ (وَأَهْلَكَ) بالعَطْفِ، وأُجِيبَ بأنه منصوبٌ بتقديرِ:ونُنَجِّي أَهْلَكَ[161].

قال ابْنُ السَّرَّاجِ[162]: “وتَقُولُ: هذا ضاربُكَ وزيدًا غدًا، لمّا لم يَجُزْ أن تَعْطِفَ الظاهرَ على المُضْمَرِ والمجرورِ حملْتَه على الفَاعِلِ؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ كأنه قال: مُنَجُّونَ أَهْلَكَ، ولم تُعْطَفْ على الكافِ المجرورةِ”.

اسْمُ الفَاعِلِ المرادُ به الاستمرارُ في جميعِ الأَزْمِنَةِ:

قد يأتي اسْمُ الفَاعِلِ للزمانِ المُسْتَمِرِّ، مثلَ قولِه تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: 4]. فهل إذا أُضِيفَ تَكونُ إضافتُه مَحْضَةً أو غَيْرَ مَحْضَةٍ؛ لأنه إن كان بمَعْنَى الماضي، فإضافتُه مَحْضَةٌ تُفيدُ التعريفَ، وإن كان للحالِ أوْ الِاسْتقبالِ، فإضافتُه غَيْرُ مَحْضَةٍ، لا تُفيدُ تعريفًا، فإذا جاء للزمانِ المُسْتَمِرِّ، اختلفَ فيه النحاةُ[163]، ذَهَبَتْ طائفةٌ إلى أن إضافتَه غَيْرُ مَحْضَةٍ (لَفْظِيَّةٌ)، وذَهَبَتْ طائفةٌ – وهمُ الأَكْثَرُونَ – إلى أن إضافتَه مَحْضَةٌ (مَعْنَوِيَّةٌ)، فابْنُ هِشَامٍ[164] في “المُغْنِي” كلامُه صريحٌ في أنها مَحْضَةٌ.

وقال الشَّيخُ خالدٌ[165]: “اسْمُ الفَاعِلِ يَتَعَرَّفُ بالإضافةِ إذا كان للماضي، أو أُرِيدَ به الاسْتِمْرارُ”.

وذَهَبَ بعضُ النُّحَاةِ إلى أن إضافةَ اسْمِ الفَاعِلِ المُسْتَمِرِّ تَكونُ مَحْضَةً تارةً، وغَيْرَ مَحْضَةٍ تارةً أُخْرَى، بالنَّظَرِ إلى جانب المُضِيِّ فيه، أو جانِبِ الحالِ أوْ الاستقبالِ، قال الشَّيْخُ يس[166]: “وأَجابَ الدَّمَامِينِيُّ تَبَعًا لحَوَاشِي الكَشَّافِ بأن اسمَ الفَاعِلِ إذا كان بمَعْنَى الاستمرارِ، ففي إضافتِه اعتبارانِ:

أَحَدُهما: أنها مَحْضَةٌ باعتبارِ المُضِيِّ فيه، وبهذا الاعتبارِ يقعُ صفةً للمَعْرِفَةِ، ولا يَعْمَلُ.

وثانيهما: أنها غَيْرُ مَحْضَةٍ، باعتبارِ مَعْنَى الحالِ والاستقبالِ، وبهذا الاعتبارِ يَقَعُ صفةً للنكِرَةِ، ويَعْمَلُ فيما أُضِيفَ إليه”، ونَقَلَ صاحبُ التصريحِ عنِ اليَمَنِىِّ شارحِ الكَشَّافِ مثلَ هذا[167].

وذَكَرَ الرَّضِيُّ أيضًا الاعتبارَيْنِ؛ فقال[168]: “فاسْمُ الفَاعِلِ المُسْتَمِرُّ يَصِحُّ أن تكونَ إضافتُه مَحْضَةً، كما يَصِحُّ ألّا يكونَ كذلك”.

ولذا أجاز الزَّمَخْشَرِيُّ الاعتبارَيْنِ في اسْمِ الفَاعِلِ المُسْتَمِرِّ، ففي قولِه تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، ذَكَرَ[169] أن اسمَ الفَاعِلِ إذا أُريدَ به زمانٌ مُسْتَمِرٌّ، فإضافتُه حَقِيقِيَّةٌ (مَحْضَةٌ)، ويَتَعَرَّفُ اسْمُ الفَاعِلِ بالإضافةِ؛ بدليل وصفِ المَعْرِفَةِ به في الآية؛ وذلك لِئلّا يَلْزَمَ مُخالَفةَ الظاهِرِ بقَطْعِ مَالِكٍ عنِ الوَصْفِيّةِ”.

وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قوله تعالى[170]: ﴿وَجَاعِلُ الليلِ سَكَنًا والشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [الأنعام: 96]. “إن اسمَ الفَاعِلِ إذا أُريدَ به زمانٌ مُسْتَمِرٌّ، كانت إضافَتُه غَيْرَ مَحْضَةٍ، فاعْتُبِرَ جانبُ الحالِ والاستقبالِ فيه”.

وقال العُكْبَرِيُّ في قوله تعالى[171]: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ [الأنعام: 95]. “يَجُوزُ أن يكونَ مَعْرِفَةً، لأنه ماضٍ، وأن يكونَ نَكِرَةً على أنه حكايةُ حالٍ، وقوله: ﴿وجَاعِلُ اللَّيْلِ مثلُ ﴿فَالِقُ الحَبِّ في الوَجْهَيْنِ”.

وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قوله تعالى[172]: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ [غافر: 3]: أنَّهما مَعْرِفَتانِ لأنه لم يُرَدْ بهما حُدُوثُ الْفِعْلِيَّةِ، وإنما أُرِيدَ ثُبُوتُ ذلك ودوامُه، وإضافتُهما مَحْضَةٌ، وصَحَّ أن يُوصَفَ بهما المَعْرِفَةُ.

المصدر: مجلة جامعة الإمام – عدد15 – السنة: 1416هـ – ص125-154

_________________

[158]   الكتاب 1/187.

[159]   يعني بذلك حذف النون من (الحافظو) ونصب عورة، وسِيبَوَيْهِ يجيز ذلك في الشعر، ولم تحذف النون للإضافة ولكن كما حذفوها في (الذين) حيث طال الكلام.

انظر الكتاب 1/183 والمحتسب 2/80 والخزانة 2/188.

[160]   المساعد 2/201 والبحر 2/318 والتصريح 2/30.

[161]   البحر 4/186 وحاشية الشيخ يس على التصريح 2/30.

[162]   الأصول في النحو 1/128.

[163]   انظر شرح الرضي 1/278 والكشاف 1/6، 2/26، البحر 4/187، والمغني 2/5.

[164]   المغني 2/5.

[165]   التصريح 2/84.

[166]   حاشية الشيخ يس على شرح الفاكهي 2/134، وحاشية الخضري 2/4.

[167]   التصريح 2/70.

[168]   التصريح 2/70.

[169]   الكشاف 1/9، والبحر 7/447.

[170]   الكشاف 2/29.

[171]   العكبري 2/254.

[172]   الكشاف 4/148، والبحر 7/447.

 

ترك تعليق