إضافةُ اسْمِ الفَاعِلِ
أ. د. محمد عبدالله سعادة
اسْمُ الفَاعِلِ:
اسْمُ الفَاعِلِ بمَعْنَى الماضي إضافتُه مَحْضَةٌ (حَقِيقِيَّةٌ)[134] على الصحيحِ، نَحْوُ: ضاربُ زيدٍ أَمْسِ؛ قال أَبُو حَيَّانَ[135]: “الإضافةُ مَحْضَةٌ، لأنه للماضي، والدليلُ على أنَّ كَوْنَها بمَعْنَى الماضي مَحْضَةٌ قولُه تعالى: ﴿الْحَمْدُ للهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَََََرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر آية: 1]، فجَعَلَ (فَاطِرِ) و(جَاعِلِ) صِفَتَينِ للمُعَرَّفِ”.
قال الزَّمَخْشَرِيُّ[136]: “اسْمُ الفَاعِلِ لا يَعْمَلُ إذا كان بمَعْنَى الماضي، وإضافتُه إذا أُضِيفَ حَقِيقِيَّةٌ مُعَرِّفَةٌ كـ (غلامِ زيدٍ)”.
والإضافةُ المَحْضَةُ تُفِيدُ التَّعْرِيفَ أوِ التخصيصَ، أما إن كان اسْمُ[137] الفَاعِلِ للحالِ أوْ الِاستقبالِ فإضافتُه غَيْرُ مَحْضَةٍ، كـ(ضاربِ زيدٍ الآنَ أو غدًا)، ولا تُفيدُ تعريفًا أو تخصيصًا، فاسْمُ الفَاعِلِ حينَئذٍ مُضافٌ إلى مَنْصُوبِهِ مَعْنًى؛ والدليلُ على أن هذه الإضافةَ لا تُفيد المضافَ تعريفًا وَصْفُ النَّكِرَةِ به، أي: بالوصفِ المضافِ، نَحْوُ قولِه تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] فـ (هَدْيًا): نَكِرَةٌ منصوبةٌ على الحال، و(بَالِغَ الكَعْبَةِ): صفتُها، ولا تُوصَفُ النَّكِرةُ بالمَعْرِفَةِ؛ والدليل على أن هذه الإضافةَ لا تُفيد تخصيصًا أن أصلَ (ضاربُ زيدٍ) بالخَفْضِ، (ضاربٌ زيدًا) بالنَّصْبِ، فالاختصاصُ بالمعمولِ موجودٌ قبلَ الإضافةِ، فلم تُحْدِثِ الإضافةُ تَخْصِيصًا.
أيُّهما الأصلُ: التَّنْوِينُ أمِ الإضافةُ:
إذا اسْتَوْفَى اسْمُ الفَاعِلِ شروطَ عَمَلِه فأيُّهما الأصلُ: التَّنْوِينُ والنَّصْبُ، أمِ الإضافةُ؟ في نَحْوِ: (هذا ضَارِبُ زَيْدٍ)، يَرَى سِيبَوَيْهِ[138] أن الأصلَ هو التَّنْوِينُ قال[139]: “وقال الرَّضِيُّ[140]: “أما إضافةُ اسْمِ الفَاعِلِ إضافًة لَفْظِيَّةً، فهو مَبْنِيٌّ على كَوْنِها عاملةً في مَحَلِّ المضافِ إليه، إما رَفْعًا أو نَصْبًا، فالذي هو مجرورٌ في اللَّفْظِ ليس مجرورًا في الحقيقةِ، والتَّنْوِينُ المحذوفُ في اللَّفْظِ مُقدَّرٌ مَنْوِيٌّ، فتَكُونُ الإضافةُ كَلَا إِضَافَةٍ، وهو المُرادُ بالإضافةِ اللَّفْظِيَّةِ”.
ويُفْهَمُ مِن كلام الرَّضِيِّ أن التَّنْوِينَ هو الأصلُ؛ لأنه في النِّيَّةِ، وظاهرُ كلام الزَّمَخْشَرِيِّ في “الكَشَّافِ” أيضًا أنَّ التَّنْوِينَ والنَّصْبَ هو الأصلُ؛ قال الزَّمَخْشَرِيُّ[141]: “يعني: اسمُ الفَاعِلِ إذا اسْتَوْفى شروطَ العَمَلِ، فالأصلُ أن يَعْمَلُ، ولا يُضَافُ، وقد أشار إلى ذلك سِيبَوَيْهِ في كتابِه، وقال الْكِسَائِيُّ: العَمَلُ والإضافةُ سَواءٌ”، وفيهم مِن قولِ ابْنِ مَالِكٍ[142]:
“وَانْصِبْ بِذِي الإِعْمالِ تِلْوًا وَاخْفِضِ”
أن النَّصْبَ أَوْلى؛ لتقديمِه على الخَفْضِ.
ويَرَى أَبُو حَيَّانَ أن الإضافةَ أَحْسَنُ مِنَ العَمَلِ؛ قال[143] “وقد ذهبْنا إلى أن الإضافةَ أحسنُ مِنَ العَمَلِ”، ويُعَلِّلُ ذلك بأن اسمَ الفَاعِلِ يُشْبِهُ الأسماءَ، إذا كانت فيها الإضافةُ، فإلحاقُه بجِنْسِه أَوْلى مِن إلحاقِه بغَيْرِ جِنْسِه” وقال أَبُو حَيَّانَ في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾. [البقرة: 145].
“وما أنت بتابعٍ قِبْلَتَهم” وقَرَأَ بعضُ القُرَّاءِ (بتابِعِ قِبْلَتِهِمْ) على الإضافةِ، وكِلاهما فَصِيحٌ؛ أعني إعمالَ اسْمِ الفَاعِلِ هنا، وإضافتَه”.
قال صاحبُ التَّصْرِيحِ[144]: “والإضافةُ في (ضاربِ زيدٍ) تُفيدُ التخفيفَ؛ لأن الأصلَ في الصِّفَةِ أن تَعْمَلَ النَّصْبَ، ولكنَّ الخفضَ أَخَفُّ منه؛ إذ لا تَنْوِينَ معه، ولا نونَ”. ومَعْنَى ذلك أن التَّنْوِينَ هو الأصلُ، كما قال ابْنُ يَعِيشَ[145]: “والتَّنْوِينُ هو الأصلُ، والإضافةُ دَخَلَتْ تخفيفًا”، فالإضافةُ اللَّفْظِيَّةُ لا تُفِيدُ إلا تخفيفًا في اللَّفْظِ، لأن مشابهتَها للفِعْلِ قَوِيَّةٌ، فكان إعمالُها عَمَلَ الفِعْلِ أَوْلى”[146].
قال الفَرَّاءُ في “هذا ضاربٌ زيدًا”[147] وأكثرُ ما تَختارُ العربُ التَّنْوِينُ والنَّصْبُ ولذا قُرِئَ بالوَجْهَينِ[148] في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: 1].
قَرَأَ حَفْصٌ (بَالِغُ) بغَيْر تَنْوِينٍ، و(أمْرِهِ) بالخَفْضِ، وقَرَأَ الباقونَ بالتَّنْوِينِ والنَّصْبِ. وقُرِئَ[149] ﴿وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف: 8].
قَرَأَ ابنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والْكِسَائِيُّ، وخَلَفٌ، وحَفْصٌ (مُتِمُّ) بالإضافةِ والخَفْضِ، وقَرَأَ الباقون بالتَّنْوِينِ والنَّصْبِ، وقُرِئَ[150] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185] قَرَأَ الْيَزِيدِيُّ بالتَّنْوِينِ والنَّصْبِ، وقَرَأَ الأَعْمَشُ[151] بطَرْحِ التَّنْوِينِ مَعَ النَّصْبِ، أي: ذائقةُ الموتَ، وقال أَبُو حَيَّانَ في قوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾: “قَرَأَتْ فِرْقَةٌ بنَصْبِ (الإِصْبَاح) وحَذْفِ التَّنْوِينِ مِن (فَالِقُ)، وسِيبَوَيْهِ إنما يُجِيزُ ذلك في الشِّعْرِ، نَحْوُ قوله[152]:
فَأَلْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتَبٍ***وَلَا ذَاكِرَ اللهَ إلّا قَلِيلا
ونَحْوُ:
“هذا ضاربُ زيدٍ أَمْسِ وعَمْرو” يَجوزُ فيه الجرُّ والنَّصْبُ، فالجرُّ مراعاةً للَفْظِ (زيدٍ)، والنَّصْبُ على إضمار فِعْلٍ، قال ابْنُ السَّرَّاجِ[153]: “واعْلَمْ أنَّ اسمَ الفَاعِلِ إذا كان لِما مَضَى فقلتَ: “هذا ضاربُ زيدٍ أَمْسِ وعمرو” جاز لك أن تَنْصِبَ (عَمْرًا) على المَعْنَى، فمن ذلك قوله تعالى[154]: ﴿وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبَانًا﴾[155]. على مَعْنَى “وجَعَلَ”.
قال سِيبَوَيْهِ[156]: وتَقُولُ: “هذا ضاربُ زيدٍ وعمرٍو، إذا أشركتَ بين الآخِرِ والأَوَّلِ، وإن شئتَ نَصَبْتَ على المَعْنَى، وتُضْمِرْ له ناصبًا، فتَقُولُ: “هذا ضاربُ زيدٍ وعَمْرًا”، كأنه قال: “ويَضْرِبُ عمرًا”.
ويَرَى ابنُ النَّاظِمِ[157] أن الوجهَ الراجِحَ هو الجَرُّ على اللَّفْظِ، ويَجُوزُ النَّصْبُ.
المصدر: مجلة جامعة الإمام – عدد15 – السنة: 1416هـ – ص125-154
_______________________
[134] التصريح 2/28.
[135] البحر 7/298 وانظر شرح الرضي 1/256.
[136] الكشاف 2/709.
[137] انظر الكتاب 1/84، المقتضب 4/149، الأصول 1/126، التصريح 2/28.
[138] الكتاب 1/103.
[139] الكتاب 1/105.
[140] شرح الرضي 1/278.
[141] الكشاف 1/448 وانظر البحر.
[142] شرح الإيضاح 3/26 المحيط: 68، 5/218. وشرح المرادي 3/26.
[143] البحر 6/98، 6/218.
[144] البحر 1/432.
[145] شرح المفصل 6/68.
[146] شرح الرضي 1/259.
[147] معاني القرآن 2/202.
[148] النشر 2/388 والبحر 283.
[149] البحر 8/263.
[150] الكشاف 1/448 والبحر 3/133.
[151] الكشاف 1/448، البحر 3/133، الإتحاف 183.
[152] المقتضب 2/312، البحر 4/185.
[153] الأصول 1/128.
[154] الأنعام 96.
[155] انظر النشر 2/36. والبحر 4/186. قرأ الكوفيون “وجعل” من غير ألف ونصب (الليل).
[156] الكتاب 1/86.
[157] شرح ابن الناظم 432.
