اسْمُ الفَاعِلِ المُقْتَرِنِ بأَلْ
أ. د. محمد عبدالله سعادة
يَعْمَلُ عَمَلَ الفِعْلِ مطلقًا، أي مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بزمنٍ، أوِ اعتمادٍ على شيءٍ، قال سِيبَوَيْهِ[113]: “وذلكَ قولُكَ: “هذا الضاربُ زيدًا أَمْسِ أوِ الآنَ أو غَدًا”، فصار في مَعْنَى هذا الذي ضَرَبَ زيدًا، وعَمِل عَمَلَهُ، لأنَّ الأَلِفَ واللامَ مَنَعَتا الإضافةَ وصارتا بمَنْزِلَةِ التَّنْوِينِ، وكذلك هو الضاربُ الرجلَ، وهو وَجْهُ الكلامِ”.
وقال الرَّضِيُّ[114]: فإن دَخَلَ اللامُ اسْتَوَى الجميعُ، أي: عَمِلَ بمَعْنَى الماضي والحالِ والاستقبالِ”.
وقال ابنُ النَّاظِمِ[115]: “واعْلَمْ أنَّ إعمالَ اسْمِ الفَاعِلِ مع الألفِ واللامِ ماضيًا كان أو حاضِرًا أو مستقبَلًا جائِزٌ مَرْضِيٌّ عندَ جميعِ النَّحْوِيِّينَ، و(أل) في اسْمِ الفَاعِلِ المقرونِ بأل قيلَ إنها موصولةٌ، وقيل أنها حرفُ تعريفٍ”[116]، وقال المُرَادِيُّ[117]: “والصحيحُ أنها اسمٌ”.
قال الشَّيْخُ خالدٌ[118]: “إنْ كان اسْمُ الفَاعِلِ صِلَةً لألْ عَمِلَ مطلقًا، ماضيًا كان أو غَيْرَه”، مُعتمِدًا (أل) هذه موصولةً، و(ضارب) حالًّا مَحَلَّ ضَرَبَ، أو يَضْرِبُ؛ بدليلِ عَطْفِ الفِعْلِ عليه في قولِه تعالى[119]: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾
قال الزَّمَخْشَرِيُّ[120]: “فإن قُلْتَ: عَلَامَ عَطَفَ قولَه: ﴿وَأَقْرَضُوا﴾؟ قلتُ على مَعْنَى الفِعْلِ في ﴿المُصَّدِّقِينَ﴾؛ لأن اللامَ بمَعْنَى الذينَ، واسْمَ الفَاعِلِ بمَعْنَى اصَّدَّقُوا، كأنه قيلَ: اصَّدَّقُوا وأَقْرَضُوا”.
وذَهَبَ الأَخْفَشُ[121] إلى أن اسمَ الفَاعِلِ المقرونَ بأل يَعْمَلُ النَّصْبَ علي التَّشْبِيهِ بالمَفْعُولِ به في زَعْمِ أن (أل) ليستْ موصولةً، وإنما هي حرفُ تعريفٍ، فيَبْعُدُ الوَصْفُ بها عنِ الفِعْلِ، فالمنصوبُ بعدَه مثلَ: الحَسَنُ الوَجْهَ”.
وذَهَبَ الفارِسِيُّ[122] والمَازِنِيُّ والرُّمَّانِيُّ إلى أنَّ اسمَ الفَاعِلِ المقرونَ بأل لا يَعْمَلُ إلا إذا كان ماضيًا نَحْوُ: الضاربُ زيدًا أَمْسِ عمرٌو، قال الرَّضِيُّ[123]: “ولعلَّ ذلك لأن المُجَرَّدَ مِنَ اللام لم يَكُنْ يَعْمَلُ بمَعْنَى الماضي، فتُوُسِّلَ إلى إِعْمالِه بمعناه باللامِ”.
والفَارِسِيُّ ومَنْ وافَقَه خَصُّوا النَّصْبَ بالماضي؛ أَخْذًا مِن ظاهِرِ تَقْدِيرِ سِيبَوَيْهِ اسمَ الفَاعِلِ المقرونَ بأل بالذي فَعَلَ كذا؛ حيثُ قال: “هذا الضاربُ زيدًا” فصار في مَعْنَى: هذا الذي ضَرَبَ زيدًا”، ويَحْتَمِلُ تَفْسِيرُ سِيبَوَيْهِ أنه إذا عَمِلَ بمَعْنَى الماضي، فالأَوْلَى جوازُ عَمَلِه بمَعْنَى المضارِعِ؛ لثُبُوتِ العَمَلِ مِن غَيْرِ (أل)، فيَعْمَلُ مع (أل) بالأَوْلى[124].
وقد يُضَافُ اسْمُ الفَاعِلِ المُحَلَّى بأل؛ قال سِيبَوَيْهِ[125]: “وقد قال قومٌ مِنَ العَرَبِ تُرْضَى عَرَبِيَّتُهم: “هذا الضارِبُ الرجلِ”، شَبَّهُوهُ بالحَسَنِ الوَجْهِ، وإن كان ليس مثلَه في المَعْنَى ولا في أحوالِه، إلا أنه اسمٌ”.
والشَّبَهُ الحاصلُ بينَ الضاربِ الرجلِ والحسنِ الوجهِ في المضافِ والمضافِ إليه؛ لأن المضافَ فيهما وصفٌ مُحَلًّى بأل، والمضافَ إليه فيهما معمولٌ مُعَرَّفٌ بأل”[126].
ولا يُضَافُ اسْمُ الفَاعِلِ المقرونُ بأل إلّا[127] إذا كان المَفْعُولُ به مُعَرَّفًا بأل، نَحْوُ: “الضاربُ الرجلِ”، أو كان اسْمُ الفَاعِلِ مُثَنًّى أو مَجْموعًا، نَحْوُ[128]: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ [الحج 35]، وأبو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ يَمْنَعُ مِن إضافةِ اسْمِ الفَاعِلِ المقرونِ بأل إذا كانت بمَعْنَى الذي، قال[129]: “وإن كان دخولُ اللامِ بمَعْنَى الذي في اسْمِ الفَاعِلِ لم تَجُزْ إضافتُه أيضًا؛ ألا تَرَى أنه إذا كان كذلك، كان اسْمُ الفَاعِلِ في تقدير جُمْلَةٍ، فلا يَجُوزُ إضافتُه، كما لا يَجُوزُ إضافةُ الجُمَلِ”.
ومِن أحكامِ اسْمِ الفَاعِلِ المقرونِ بأل أنه[130] لا يَتَقَدَّمُ معمولُه عليه، لو قلتَ: “عَمْرًا زيدٌ الضاربُ” لم يَجُزْ؛ لأنه معناه: زيدٌ الضاربُ عَمْرًا؛ أي: الذي ضَرَبَ عَمْرًا، فلمَّا قَدَّمْتَ (عَمْرًا) على هذه الصلةِ لم يَجُزْ؛ لأنه بعضُ الاسْمِ؛ إذ كان مِن صِلَتِه، وإن كان اسْمُ الفَاعِلِ خاليًا مِن (أل) فإنه يَتَقَدَّمُ مَعْمولُه عليه، تَقُولُ: هذا زيدًا ضاربٌ، إلا إذا وَقَعَ صفةً لموصوفٍ، نَحْوُ: هذا رجلٌ ضاربٌ زَيْدًا، فلا يَجُوزُ أن تَقُولَ: هذا زيدًا رجلٌ ضاربٌ[131].
واسْمُ الفَاعِلِ المُحَلَّى بأل مِنَ المُثَنَّى والمجموعِ يَعْمَلُ النَّصْبَ عندَ ثُبُوتِ النُّونِ، ويُجَرَّدُ عِنْدَ حَذْفِها؛ قال سِيبَوَيْهِ[132]: “وإذا ثَنَّيْتَ أو جَمَعْتَ فأَثْبَتَّ النونَ قلتَ: هذانِ الضاربانِ زيدًا، وهؤلاء الضاربون الرجلَ، لا يكون فيه غَيْرُ هذا؛ لأن النونَ ثابتةٌ، ومثلُ ذلك قولُه عَزَّ وجَلَّ[133]: ﴿والْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ والْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾، فإن كَفَفْتَ النونَ حَرَّرْتَ، وصار الاسْمُ داخلًا في الجارِّ بَدَلًا مِنَ النونِ، لأنَّ النونَ لا تُعاقِبُ الألفَ واللامَ، وذلك قولُكَ: هما الضارِبا زيدٍ، وهمُ الضاربو عمرٍو”.
المصدر: مجلة جامعة الإمام – عدد15 – السنة: 1416هـ – ص125-154.
_________________________
[113] الكتاب 1/181.
[114] شرح الرضي 2/201.
[115] شرح ابن الناظم 426.
[116] شرح الرضي 2/37. ونظر المغني 1/47.
[117] شرح الألفية 1/225.
[118] التصريح 2/65.
[119] الحديد 18.
[120] الكشاف 4/130.
[121] المساعد 2/199 وحاشية الصبان 2/296. وانظر الهمع 2/96.
[122] شرح الرضي 2/201، شرح الأشموني 2/1: 2، وحاشية الخضري 2/26.
[123] شرح الرضي 2/201.
[124] انظر حاشية الصبان 2/296.
[125] الكتاب 1/182.
[126] انظر حاشية الشيخ يس 2/28.
[127] انظر المساعد 2/202.
[128] الحج 35.
[129] البصريات 2/865.
[130] المقتضب 4/165، 197، المغني (2/87).
[131] شرح ابن عصفور للجمل 1/554.
[132] الكتاب 1/183 وانظر المقيمين 4/149 والأصول 1/129.
[133] في البحر 6/369: قرأ الجمهور: والمقيمي الصلاة بالخفض على الإضافة، وحذفت النون لأجلها، وقرأ ابن أبي اسحاق والحسن وأبو عمرو: الصلاة بالنَّصْبِ “قال ابن جني” “أراد المقيمين فحذف النون تخفيفًا لا لتعاقبها الإضافة” المحتسب 2/80.
