الثُّبُوتُ والحُدُوثُ في اسْمِ الفَاعِلِ

أ. د. محمد عبدالله سعادة

ذَكَرَ النُّحَاةُ أنَّ اسْمَ الفَاعِلِ هو ما دَلَّ على الحُدُوثِ، وأنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ ما اشْتُقَّتْ من فِعْلٍ لازِمٍ على مَعْنَى الثُّبُوتِ[57]، ومُقْتَضَى ذلك أن التفريقَ بين اسْمِ الفَاعِلِ والصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ قائمٌ على الحُدُوثِ وَضْعًا في اسْمِ الفَاعِلِ، وعلى الثُّبُوتِ وَضْعًا في الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، ولكنَّ الواقعَ غَيْرُ ذلك، فقد رَأَيْنا كثيرًا ممّا جاء على فاعلٍ يَدُلُّ على الثُّبُوتِ، وبعضًا مِنَ الصِّفَةِ المُشَبَّهَة يَدُلُّ على الحُدُوثِ، وقد ذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ هذا:

قال الشَّيْخُ يَس[58]: “وكثيرًا ما يُسْتَعْمَلُ اسْمُ الفَاعِلِ مِنْ غَيْرِ إِفادَةِ التَّجَدُّدِ والحُدُوثِ؛ كما في “اللهُ عالِمٌ”، وغَيْرِ ذلك”.

وقال الجُرْجَانِيُّ[59]: “فإذا قلتَ: “زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ”، فقد أَثْبَتَّ الانْطِلاقَ فِعْلًا له مِن غَيْرِ أن تَجْعَلَهُ يَتَجَدَّدُ، ويَحْدُثُ منه شيئًا فشيئًا، بل يَكونُ المَعْنَى فيه كالمَعْنَى في قولك: زيدٌ طويلٌ، وعَمْرٌو قَصِيرٌ”.

وقال أَبُو حَيَّانَ[60]: “المضارِعُ – فيما ذَكَرَ البَِيَانِيُّونَ – مُشْعِرٌ بالتَّجَدُّدِ والحُدُوثِ بخلاف اسْمِ الفَاعِلِ؛ لأنه عندَهم مُشْعِرٌ بالثُّبُوتِ”.

ولذا جاء قولُه تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ.

فجاءَ باسْمِ الفَاعِلِ (صَافَّاتٍ)؛ لأنَّ الأصلَ في الطَيَرانِ هو صَفُّ الأَجْنِحَةِ، وجاء بالمضارِع (يَقْبِضْنَ)؛ لأن القَبْضَ طارئٌ على البَسْطِ، بمعني أنهنَّ صافاتٌ، ويَكونُ القَبْضُ منهنَّ تارةً بعدَ تارةٍ؛ ذلك لأن المضارعَ هنا للتَّجَدُدِ والحُدُوثِ، بخلاف اسْمِ الفَاعِلِ – صَافَّاتٍ – الدَّالِّ على الثُّبُوتِ[61].

وقال أَبُو حَيَّانَ – في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: 30]- “وجَعَلَ الخَبَرَ اسْمَ فاعلٍ؛ لأنه يَدُلُّ على الثُّبُوتِ دونَ التَّجَدُدِ شيئًا فشيئًا”[62].

وقال – في قوله تعالى: ﴿واللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة: 72] “أَتَى باسْمِ الفَاعِلِ لأنه يَدُلُّ على الثُّبُوتِ، ولم يأتِ بالفِعْلِ الذي هو دَالٌّ على التَّجَدُّدِ والتِّكْرَارِ إِذْ لا تَجَدُّدَ فيه”[63].

وقال – في قوله تعالى: ﴿إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة: 14] “أَتَى باسْمِ الفَاعِلِ الذي يَدُلُّ على الثُّبُوتِ، وأنَّ الِاسْتِهْزَاءَ وَصْفٌ ثابِتٌ لَهُم”[64].

والصِّفَةُ المُشَبَّهَةُ – كذلك – لم تُوضَعْ للثُّبُوتِ دائمًا؛ قال الرَّضِيُّ[65]: “والذي أَرَى أن الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ كما أنها ليست موضوعةً للحُدُوثِ، ليست أيضًا موضوعةً للثُّبُوتِ في جميعِ الأَزْمِنةِ، لأنَّ الحُدُوثَ والاسْتِمْرارَ قَيْدانِ في الصِّفَةِ، ولا دَلَالَةَ فيها عليهما، لكن لمّا أُطْلِقَ ولم يكن بعضُ الأزمنةِ أَوْلَى من بعض، كان الظاهرُ ثُبُوتَه في جميع الأزمنة إلى أن تقومَ قرينةُ التَّخْصِيصِ؛ نَحْوُ: كان هذا حسنًا فقَبُحَ”.

مَعْنَى ذلك: أن الحدَّ الذي وَضَعَه النحاةُ للتفريقِ بينهما يَتَطَّرَقُ إليه اللَّبْسُ؛ لأن كثيرًا مما جاء على (فاعِل) يُفيدُ الثُّبُوتَ، لا الحُدُوثَ؛ كطاهرٍ وفاسِقٍ، وهذه الصِّفاتُ يُلْحِقُها بعضُ النُّحاةِ باسْمِ الفَاعِلِ اعْتِبارًا للصِّيغَةِ، ومنهم من يُلْحِقُها بالصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ اعتبارًا للدَّلَالةِ، وقد يُقالُ إن العِبْرةَ بالأصلِ، لا بالفَرْعِ الطارئِ، أَعْنِي أن الأصلَ في اسْمِ الفَاعِلِ الدَّلَالَةُ على الحُدُوثِ، والثُّبُوتُ طارئٌ عليه، والأصلُ في الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ الثُّبُوتُ، والحُدُوثُ طارئٌ، وهذا ما جَعَلَ الرَّضِيَّ يَقولُ[66]: “ذلك لأن صِيغَةَ الفَاعِلِ مَوْضُوعَةٌ للحُدُوثِ، والحُدُوثُ فيه أَغْلَبُ”.

وقد مَثَّلَ ابْنُ هِشَامٍ[67] للصفةِ المُشَبَّهَةِ بمستقيمِ الرَأْيِ، ومُعْتَدِلِ القَامَةِ، وهذا يَدُلُّ على أن اسمَ الفَاعِلِ مِن غَيْرِ الثُّلاثِيِّ يَكونُ أحيانًا صفةً مُشَبَّهَةً.

نَرَى فيما تَقَدَّمَ أن الأصلَ في الحُدُوثِ والثُّبُوتِ هو الاسْتِعْمالُ، وأن كثيرًا مِنِ اسْمِ الفَاعِلِ دالٌّ على الثُّبُوتِ، وأنه يَدُلُّ على الحُدُوثِ تارةً أخرى، وهذا يُفَسِّرُ قَولَ النُّحاةِ: “إذا قُصِدَ بالصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ مَعْنَى الحُدُوثِ حُوِّلَتْ إلى فَاعِلٍ، وإن قُصِدَ ثُبُوتُ اسْمِ الفَاعِلِ عُومِلَ مُعامَلَةَ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ”[68].

وقد ذَكَرَ النحاةُ أن الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ فَرْعٌ عنِ اسْمِ الفَاعِلِ في العَمَلِ، وهي بَعْضُه، وقد عَبَّرَ بعضُهم باسْمِ الفَاعِلِ على ما عُرِفَ أنه صفةٌ مُشَبَّهَةٌ، كعَظِيمٍ وطَيِّبٍ؛ قال أَبُو حَيَّانَ – في قوله تعالى: ﴿حَلَالًا طَيِّبًا [البقرة: 168] : “طَيِّبًا: اسْمُ فاعل”[69].

وقال تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: 105]. “اسْمُ فاعلٍ مِن عَظُمَ، غَيْرَ مَذْهُوبٍ به مَذْهَبُ الزَّمانِ”[70].

المصدر: مجلة جامعة الإمام – عدد15 – السنة: 1416هـ – ص125-154

 

[57]   شرح الرضي 2/205.

[58]   حاشية على شرح الفاكهي 2/146.

[59]   دلائل الإعجاز 193.

[60]   البحر 1/41.

[61]   الكشاف 4/138.

[62]   البحر 1/140.

[63]   البحر 1/260.

[64]   البحر 1/69.

[65]   شرح الرضي2/205.

[66]   شرح الرضي 2/205.

[67]   ضياء السالك 3/57.

[68]   التسهيل 141 وشرح ابن الناظم 444 وشرح ابن يعيش 6/28.

[69]   البحر 1/478.

[70]   البحر 1/46.

 

ترك تعليق