الكفاية والكفاءة: التفريق اللغوي بين القدرة والمماثلة

اللغة العربية غنية بالدقة والاختلافات الدقيقة في المعنى بين الكلمات، وأحيانًا تُستخدم كلمات متقاربة في المعنى مع اختلاف دقيق في الأصل. من أبرز هذه الحالات الخلط بين كلمتي الكفاية والكفاءة. فبينما تعني الأولى القدرة على إنجاز أمر ما، تشير الثانية في المعاجم التقليدية إلى المماثلة أو المساواة، مثلما يكون الرجل “كفؤًا” للمرأة في الزواج. ومع ذلك، انتشر استخدام “الكفاءة” في بعض السياقات الحديثة ليعني القدرة، مما يستدعي توضيح القاعدة اللغوية الصحيحة.

1. المعنى الأصلي للكلمة في المعاجم

ترد كلمة الكفاءة في المعاجم بمعنى المماثلة، وليس بمعنى القدرة على القيام بأعباء أمر ما. وبذلك فإن استعمالها بمعنى “القدرة” هو استخدام حديث، قد أقره مجمع اللغة العربية في القاهرة على سبيل المجاز، لكنه يظل بعيدًا عن المعنى الأصلي للكلمة في اللغة العربية الكلاسيكية.

2. قرار مجمع اللغة العربية بالقاهرة

ورد في “قرارات مجمع اللغة العربية بالقاهرة” إجازة استعمال:

الكفاءة والكفء بمعنى الكفاية والكافي.

يشيع بين الناس قولهم: “فلان كفء” أو “من أهل الكفاءة”، بينما تشير اللغة والمعاجم إلى أنه يجب أن يُقال: “هو كاف” أو “من أهل الكفاية”. المجمع رأى أن استخدام الكفء أو الكفاءة بهذا المعنى يُعد مجازًا، أي استعارته من المعنى الأصلي للمماثلة، ليصلح للتعبير عن القدرة.

3. موقف الدكتور أحمد مختار عمر

في كتابه “معجم الصواب اللغوي”، يوضح الدكتور أحمد مختار عمر أن استعمال الكفاءة بمعنى القدرة على القيام بالأمر غير صائب لغويًا، لأنه لم يرد بهذا المعنى في المعاجم الأصلية.

مثال مرفوض:

خبير ذو كفاءة فنية عالية

الصواب:

خبير ذو كفاية فنية عالية” [فصيحة]

خبير ذو كفاءة فنية عالية” [صحيحة وفق الاستخدام الحديث]

وهذا يؤكد أن المعاجم القديمة تفرق بين “الكفاية” بمعنى القدرة، و”الكفاءة” بمعنى المماثلة، بينما بعض المعاجم الحديثة مثل “المعجم الوسيط” أجازت المعنى الجديد على سبيل الاستخدام المعاصر.

4. موقف المعجم الوسيط

أقر المعجم الوسيط الصادر عن مجمع اللغة المصري بأن الكلمة قد تُستعمل بمعنى جديد:

الكفاءة: القدرة على القيام بالأمر وحسن تصريفه (مولد حديثًا)

الكفاءة في الزواج: أن يكون الرجل مساوياً للمرأة في حسبها ودينها وغيرها

وبذلك، يُعتبر المعنى الجديد للكفاءة مولدًا، أي أنه استخدام حديث مستحدث.

5. رأي الأستاذ محمد العدناني

في كتابه “معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة”، أشار الأستاذ العدناني إلى أن استعمال الكفء بهذا المعنى غير صحيح أصلاً، لكنه استثنى اسم الفاعل نظرًا لكثرة استخدامه في العصر الحديث، وهو خارج عن موضوع المصدر الذي نركز عليه هنا.

6. الحكم النهائي

رغم إجازة مجمع اللغة على استعمال الكفاءة بمعنى القدرة على سبيل المجاز، فإن الأصل اللغوي والكلاسيكي يفرض استخدام الكفاية عند الحديث عن القدرة، وعدم الخلط بينها وبين الكفاءة التي تعني المماثلة أو المساواة. فالأصل هو الحفاظ على المعنى العربي الأصيل، مع معرفة أن الاستخدام المعاصر أصبح شائعًا.

خاتمة

يمكن القول: قل “الكفاية”، ولا تقل “الكفاءة” إذا أردت التعبير عن القدرة على فعل أمر ما.
الحفاظ على الدقة اللغوية يضمن نقل المعنى الصحيح ويجنب الالتباس بين الكلمات المتقاربة، ويُظهر ثراء العربية ودقتها، ويجعل اللغة أداة واضحة للتواصل والفهم.

ترك تعليق