اللغة العربية ومكانتها الخالدة

المقدمة

تُعدّ اللغة العربية من أعرق اللغات السامية وأقواها حضورًا في التاريخ، فهي الأقرب إلى اللغة السامية الأم التي انبثقت منها بقية اللغات. وقد اختصها الله تعالى بميزة فريدة، إذ جعلها لغة القرآن الكريم، آخر الكتب السماوية، ولسان خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ.

ولم تقتصر مكانة العربية على الجانب الروحي والديني فحسب، بل تفردت بخصائص لغوية وأدبية قلّ أن تجتمع في غيرها، حتى وصفها العلماء بأنها لغة الفصاحة والبيان. وفي هذا المقال نسلّط الضوء على مكانة العربية، وفضلها، وشهادات العلماء في حقها، لتتضح لنا عظمة هذا اللسان الذي اصطفاه الله ليكون وعاءً لوحيه وكلامه.

اللغة العربية لغة الوحي والخلود

العربية لغة متميزة بخصائصها المتفردة، وقدرةٍ فائقة على حمل المعاني العميقة. يقول ابن جني: إن اللغة العربية لغة نبيك التي فضلها الله عز وجل على سائر اللغات، وفرع بها فيه سامي الدرجات [1].

ويضيف أنور الجندي: ما من لغة تستطيع أن تطاول العربية في شرفها؛ فهي الوسيلة التي اختيرت لحمل رسالة الله النهائية [2].

لقد شاء الله أن تكون العربية لغة القرآن الكريم، المهيمن على سائر الكتب السابقة، قال تعالى: ﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ [الشعراء: 195]، وقال سبحانه: ﴿ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ﴾ [النحل: 103].

وهذا الاختيار الإلهي يثبت أن العربية صالحة لتكون لسان البشرية، ولغة الدين الخالد الذي ارتضاه الله لعباده.

العربية وعاء القرآن ومعجزة البيان

يشير الشاعر حافظ إبراهيم إلى سعة العربية بقوله:

وسِعتُ كتابَ اللهِ لفظًا وغايةً = وما ضقتُ عن آيٍ به وعِظاتِ

فالعربية بثرائها الهائل استطاعت أن تحتضن معاني القرآن الكريم بجميع أبعاده. ومن ثمّ فإن خلودها مرتبط بخلود القرآن الذي تكفل الله بحفظه في قوله:
﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9].


شهادات العلماء في فضل العربية

قال الفارابي في ديوان الأدب: هذا اللسان كلام أهل الجنة، وهو المنزه من بين الألسنة من كل نقيصة، والمُعلَّى من كل خسيسة، والمهذب من كل ما يستهجن أو يستشنع [3].

وقال الثعالبي في مقدمة فقه اللغة وسر العربية: من أحب الله تعالى، أحب رسوله محمدًا ﷺ، ومن أحب الرسول أحب العرب، ومن أحب العرب أحب العربية، ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها…” [4].

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تعلّموا العربية؛ فإنها تثبت العقل وتزيد في المروءة [5].

أما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال: إن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب [6].

الخاتمة

اللغة العربية ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي هوية الأمة الإسلامية، ولسان الوحي، ووعاء العقيدة. هي لغة البيان والإعجاز، التي اختارها الله لتحمل آخر رسالاته، ولتكون شاهدة على عظمة القرآن الكريم. ومن هنا فإن العناية بها، وتعلمها، ونشرها بين الأجيال، ليس خيارًا ثقافيًا فحسب، بل واجب ديني وحضاري يضمن للأمة عزتها وخلودها.


المصادر والحواشي

[1] ابن جني، أبو الفتح، المحتسب (1/32).

[2] الجندي، أنور، الفصحى لغة القرآن (ص 306).

[3] السيوطي، جلال الدين، المزهر (1/272).

[4] الثعالبي، فقه اللغة وسر العربية، المقدمة.

[5] البيهقي، شعب الإيمان (2/257)، رقم (1676).

[6] ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم (ص 207).

 

 

 

ترك تعليق