عمل الحروف المختصة بالفعل

كما هو معلومٌ؛ فالحروف تأتي في القسمة الثلاثيةِ من أقسام الكلمة، وللحديث عن عمل الحروف المختصةِ بالفعلِ نستهلُّ قولَنا بما ورد عند المراديِّ في كتابِه “الجَنى الدَّاني في حروفِ المعاني”: “وأما المختصُّ بالفعلِ، فلا يخلو أيضًا من أن يَتَنَزَّلَ منه منزلةَ الجُزءِ، فإن تنَزَّل منزلةَ الجزء، لم يعملْ، كحرف التنفيسِ، وإن لم يتنزلْ منزلةَ الجزءِ، فحقُّه أنْ يعملَ، وإذا عمِل فأصلُه أن يعملَ الجزمَ؛ لأن الجزمَ في الفعلِ نظيرُ الجرِّ في الاسمِ، ولا يعمل النصبَ إلا لشبههِ بما يعملُه؛ ك – (أن) المصدرية وأخواتِها، فإنها لما شابهتِ الاسمَ نصَبتْ، ولولا ذلك لكان حقُّها أن تَجزِمَ، وقد حُكِي عن العرب الجزمُ ب – (لنْ)”[1].

إذًا؛ فهذا النصُّ هو قاعدةٌ تُؤَصِّلُ لنا عملَ الحروفِ، وبِناءً عليه أمكنَنا أن نقسِّمَ الحروفَ المختصةَ بالفعل إلى نوعين: الحروفُ التي تختصُّ بالدخولِ على الفعل وتكون جزءًا منه، وفي هذه الحالة لا تعمل؛ لأن الجزءَ لا يعملُ في الكلِّ، مثلَ حرفِ السين، والنوع الثاني من الحروفِ هي التي لا تكونُ جزءًا من الفعلِ، وفي هذه الحالة الأصلُ فيها أن تعملَ، وإذا عملتْ فإما أن تعملَ الجزمَ، ويكونُ عملُها أصالةً، كما تعملُ حروفُ الجرِّ أصالةً في الأسماءِ، وإما أن تعملَ النصبَ.

وأول هذه الحروفِ العاملةِ هي حروفُ الجزمِ، ومعلومٌ أن هذه الحروفَ نوعانِ: ما يجزمُ فعلًا واحدًا، وما يجزمُ فعلينِ، ونقصدُ هنا:

أ – أدوات الشرط: وما يهمُّنا من أدواتِ الشرطِ حرفا إن، وإذما، أما باقي الأدواتِ، فهي أسماءُ.

1 – إن: هي أصلُ أدواتِ الشرطِ، وأمُّ البابِ، والسببُ في قولِنا: “أمُّ البابِ” – كما قال ابنُ يعيشَ – هو أنَّ: “(إنْ) تدخلُ في مواضعِ الجزاءِ كلِّها، وسائرُ حروفِ الجزاءِ لها مواضعُ مخصوصةٌ، ف – (مَن) شرطٌ فيمن يعقِلُ، و(متى) شرطٌ في الزمانِ، وليست (إنْ) كذلك؛ بل تأتي شرطًا في الأشياءِ كلِّها”[2].

أما فيما يخص عملها، فلها حالات:

1 – إذا دخلتْ (إنْ) على فِعلَي الشرطِ، وكانا مضارعينِ، جزمتْهما أصالةً؛ كقولِنا: “إنْ تذهبْ أذهبْ”، ويكونُ الإعرابُ أصليًّا.

2 – إذا كان الفعلانِ ماضيينِ، لم تؤثِّرْ فيهما؛ كقولِنا: “إن صدقَ هذا، كافأْتُهُ”، والسببُ هو أن الماضيَ مبنيٌّ فلا تظهرُ عليه علامةُ الجزمِ، أما الجزمُ، فهو إعرابٌ خاصٌّ بالمضارعِ.

3 – إذا كان فعلُ الشرطِ ماضيًا، والجوابُ مضارعًا، بقيَ الماضي على بنائِهِ، ورُفع المضارعُ؛ كقول الشاعر:

وإِنْ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْأَلَةٍ ♦♦♦ يَقُولُ لَا غَائِبٌ مَالِي ولَا حَرِمُ[3]

4 – إذا كان فعلُ الشرطِ مضارعًا والجوابُ ماضيًا، جُزم المضارعُ وبقيَ الماضي على بنائِه.


مواضيع ذات صلة:

حذف الأداة وإبقاء عملها:

جوَّزَ بعضُهم حذفَ الأداةِ، لكنَّ الجمهورَ على منعِهِ، قال السيوطيُّ: “جوَّزَ بعضُهم حذفَ الأداةِ، لكن الجمهور على منعه، ولا يجوزُ حذفُ غيرِهما من أدواتِ الشرطِ إجماعًا، كما لا يجوزُ حذفُ سائرِ الجوازمِ، ولا حذفُ حرفِ الجرِّ”[4].

إذما: اختلفَ النحاةُ في حرفيتِها، وفي تركيبِها؛ فعن تركيبها قال بعضُهم: أصلُها (إذ) وأضيفت الميمُ إليها، ولا تكونُ جازمةً إلا بإضافة الميمِ إليها؛ لأنَّها إذا تجردتْ لزمتْها الإضافةُ، والإضافة توجِبُ الجرَّ، والجرُّ من خصائصِ الأسماءِ، وبالتالي كانتْ منافيةً للجزمِ الذي هو من خصائصِ الأفعالِ، فلها قصدٌ جعلها جازمةً رُكِّبتْ مع (مَا)؛ لتكُفَّها عن الإضافةِ.

وأما بخصوص حرفيتِها، فذهب ابنُ السَّراجِ والفارسيُّ إلى أنها اسمٌ، وبين الاسميةِ والحرفيةِ قال السيوطيُّ: “و(إذما) أنكرَ قومٌ الجزمَ بها، وخصُّوها بالضرورة كإذا”[5].

ت – حروف الجزم العاملة عملًا واحدًا، وهي: لم، لمَّا، لام الأمر، لا الناهية.

فلم ولمَّا: تشتركانِ في أمورٍ، من بينها: الحرفية، والنفي، والقلب للماضي، وتختلفُ لمَّا عن لمْ في مسألة جوهرية، وهي أن فعلَها يجوزُ حذفُه اختيارًا فنقولُ: وَصَلْتُ القَرْيَةَ ولَمَّا، ويكون التقدير: ولما أدخلْ، ولا يحذفُ الفعلُ بعد لمْ إلا ضرورة، ثم إنَّ لمَّا لا تخرجُ عن الجزمِ، بخلافِ لمْ التي يُرفعُ بها في لغة قومٍ[6].

وعمومًا ف – (لمَّا) – كما ذكر المراديُّ في كتابِه “الجنى الداني في حروف المعاني” – من الحروفِ التي تجزمُ الفعلَ المضارعَ، وتُدْخِلُ عليه النفيَ، وتقلبُ معناه إلى الماضي.

لم: هي من الأدواتِ الجازمةِ أيضًا، تدخلُ على المضارعِ، فتُخلصُه للماضي، فقولُنا: لَمْ يَقُمْ زَيْدٌ، كقولنا: مَا قَامَ زَيْدٌ؛ لذا فهي من القرائنِ الصارفةِ للأفعالِ المضارعةِ للماضي، وتختلفُ “لمْ” عن “لمَّا” في أنها لا يجوزُ حذفُها وإبقاءُ الفعلِ بعدها مجزومًا.

لام الناهية: هي أيضًا من الحروفِ الجازمةِ للفعلِ المضارعِ، وتعملُ أصالةً فيه.

لام الأمر: ويسمِّيها البعضُ بلامِ الطلبِ؛ لتشملَ الأمرَ والدعاءَ والالتماسَ، ومنها قولُه تعالى في سورة الطلاق: ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ﴾ [الطلاق: 7]، وإذا كانت (لمْ) تُخلصُ الفعلَ من المضارعِ للماضي، فإن لامَ الأمرِ تُخلصُ المضارعَ للمستقبلِ.

أما النوع الثاني من الحروف المختصة بالفعل وليست جزءًا منه، فهي الحروفُ الناصبةُ:

وفي هذا السياقِ يقول عبدالقاهر الجُرجاني في “شرح الإيضاح”: “قال الشيخ أبو بكرٍ: اعلم أن الحروفَ الناصبةَ لا تتجاوزُ أربعةً في كلِّ مذهبٍ، وهي: لن وكي وإذن وأن، وما عدا ذلك يكونُ بإضمارِ أن”[7].

لن: اختلفَ النحاةُ فيها كما اختلفوا في لمَّا، فالجمهورُ قالوا: إنها حرفٌ بسيطٌ لا تركيبَ فيه ولا إبدالَ، أما الفرَّاءُ، فقال: هي لا النافية أُبدلت ألفُها نونًا، ودليلُه على ذلك اتفاقُهما في النفيِ.

قال ابنُ هشامٍ في “شذورِ الذهبِ”: “لن: هي لنفي المستقبلِ، ولا تقتضِي تأبيدَ النفيِ ولا تأكيدَه”[8].

أما الزمخشريُّ، فقد حُكِي عنه أنه قال بأن لن تفيدُ عنده تأبيدَ النفيِ، فقولُنا: لن أَفْعَلَهُ، مثل: لا أَفْعَلُهُ أَبَدًا.

تقديم معمول معمول (لن):

قد يتقدمُ معمولُ معمولِ (لن) عليها، وهو جائز؛ قال جلالُ الدينِ السيوطي: “إن (لن أضربَ) نفيٌ ل – (سأضربُ)، فكما جاز: زيدًا سأضربُ، جاز: زيدًا لن أضربَ؛ غيرَ أن الأخفشَ الصغيرَ منع ذلك، والسبب أن النفيَ له صدرُ الكلامِ، فلا يتقدمُ معمولُ معمولِه عليه كسائرِ حروفِ النفي”[9].

وقد اختارَ الكسائيُّ الفصلَ بين لن ومعمولِها بالقسَمِ، فيقال: لَنْ وَاللَّهِ أُكْرِمَ زَيِدًا، ووافقه الفرَّاءُ على القسمِ، وزاد جوازَ الفصلِ ب – أظنُّ؛ نحو: لن أَظُنُّ أَزُورَكَ[10].

أما الرأيُ الراجحُ فهو أنه لا يجوزُ الفصلُ بين لن ومعمولِها، فكما لا يجوزُ الفصلُ بين إِنَّ واسمِها التي هي الأقوى؛ لأنها من عوامل الأسماء، فكيف يجوزُ في عواملِ الأفعالِ التي هي أضعفُ منها؟

كي: قال الكوفيونَ: إن (كي) لا تكونُ إلا حرفَ نصبٍ، وأورد ابنُ الأنباريِّ في كتابِ الإنصافِ أن الكوفيين احتجُّوا وقالوا: إنما قلنا: إن (كي) لا يجوزُ أن تكونَ حرفَ خفضٍ؛ لأن كي من عواملِ الأفعالِ، وما كان من عواملِ الأفعالِ، لا يجوزُ أن يكونَ حرفَ خفضٍ؛ لأنه من عواملِ الأسماءِ، وعواملُ الأفعالِ لا يجوزُ أن تكونَ من عواملِ الأسماءِ[11].

أما البصريونَ، فهيَ – عندهم – حرفُ خفضٍ، ونجدُ سيبويه يراها حرفًا مشتركًا تدخلُ على الأفعالِ والأسماءِ وتعملُ فيهما، أما نصبُها للفعلِ المضارعِ، فيكونُ بإضمارِ (أن) بعدَها عند سيبويه[12].

ويقفُ ابنُ الأنباريِّ موقفًا وسطًا بين الرأيينِ معًا، وقال بأنه يجوزُ أن تكونَ كي حرفَ نصبٍ فقط إذا كانتْ مصدريةً، وتتعينُ مصدريتُها – كما قالَ ابنُ هشامٍ في شذورِ الذهبِ – إذا سبقتْها اللامُ التعليليةُ، أما إذا لم تسبقْها اللامُ، فتكونُ حينئذٍ حرفَ جرٍّ عند البصريينَ، وفي هذه الحالةِ تُقَدَّرُ أنْ المضمرةُ بعدها.

فصل كي عن معمولها:

ورد في كتاب همع الهوامع للسيوطي: “قال أبو حيان: وأجمَعوا على أنه يجوزُ الفصلُ بين كي ومعمولِها ب – (لا) النافيةِ؛ نحو قولِه تعالى في سورة الحشرِ: ﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ﴾ [الحشر: 7]، أما الفصلُ بغيرِها، فلا يجوزُ عند البصريينَ ومن وافقَهم من الكوفيينَ، وجوَّزَه الكسائيُّ بالقسَمِ وبالشرطِ”[13].

إذن: قال الأكثرون – كما جاء في كتابِ همعِ الهوامعِ للسيوطي -: إنها ناصبةٌ بنفسِها، وقال الزجاجيُّ والفارسيُّ: الناصبُ بعدَها يكونُ ب – (أنْ) مضمرة؛ لأنها غيرُ مختصةٍ؛ إذ تدخلُ على الجملِ الابتدائيةِ نحو: إِذَنْ عبدُ اللَّهِ يَأتيك.

شروط عملها: ولكي تعملَ إذن؛ لا بد لها من شروطٍ، من بينِها:

أن يكونَ المنصوبُ مستقبلًا، وأن تتصدرَ، وألا تكونَ حشوًا؛ لهذا قال ابنُ هِشامٍ في شذورِ الذهبِ: “وإذن إن صدِّرت”، ثم أن تتصلَ بالفعلِ المنصوبِ بِها، ويجوزُ الفصلُ بينها وبين فعلِها بالنفيِ والقسَم.

أَنْ: هي أمُّ البابِ، وكي تكونَ عاملةً لا بد أن تكونَ مصدريةً، وألَّا تكونَ مخففةً من الثقيلةِ، ولأنها أمُّ البابِ تعملُ ظاهرةً ومضمرةً، وإذا أُضمرتْ فلها حالةُ وجوبٍ وحالةُ جوازٍ.

أ – الوجوب: ويكونُ بعد حرفين: أولُهما ما هو حرفُ جرٍّ، والآخَرُ ما هو حرفُ عطفٍ.

فالأولُ فيه حرفانِ تُضمرُ (أَنْ) بعدَهما وجوبًا، وهما:

لامُ الجحودِ؛ مثلَ قولِنا: ومَا كَانَ زَيْدٌ لِيَقُومَ؛ فالكوفيون قالوا بأن لامَ الجحودِ هي الناصبةُ بنفسِها، بينما خالفَهم البصريون، وذهبوا إلى أن الفعلَ المضارعَ منصوبٌ ب – (أن) مضمرة وجوبًا، أما ثعلبُ، فيرى أن اللامَ هي الناصبةُ؛ لقيامِها مقامَ أن، ولا يجوزُ تقديرُ أن هنا؛ لأن قولَنا: مَا كَانَ زَيْدٌ لِيَقُومَ، مثل: كَانَ زَيْدٌ سَيَقُومُ، فلما امتنعَ ذكرُ (أن) بعد السينِ هنا، امتنعَ أيضًا تقديرُها بعد لامِ الجحودِ.

حتى الجارة: والنصبُ بعدها ب – (أن) لازمة الإضمار وجوبًا هو مذهبُ البصريين، واستدلوا على ذلك بأن عواملَ الأسماءِ لا تكونُ عواملَ في الأفعالِ؛ لأن ذلك نفيٌ للاختصاصِ كما قال ابنُ الأنباريِّ في كتابه الإنصاف، واختلف معهم الكوفيون، وقالوا: إن حتى هي ناصبةٌ بنفسِها وليست جارةً، وإنما جُرَّ بها في الأسماءِ فقط لشبهِها ب – (إلى)، وفي هذه الحالةِ لا مانعَ من إظهارِ أنْ بعدها، فمثلًا قولنا: لأَجْتَهِدَنَّ حَتَّى أَبْلُغَ النَّجَاحَ، يجوزُ أن يقالَ: لأَجْتَهِدَنَّ حتَّى أَنْ أَبْلُغَ النَّجَاحَ، وقالوا: حتى هي الناصبةُ، وأنْ توكيدٌ لها.

أما النوعُ الثاني من الحروفِ التي تُضمَرُ بعدها أن وجوبًا، فهي حروفُ العطفِ، وهي:

أو: شريطة أن يصحَّ وقوعُ (إلى أنْ) موقعَها، كقول الشاعر:

لأَسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أَوْ أُدْرِكَ المُنَى ♦♦♦ فَمَا انْقَادَتِ الآمَالُ إِلَّا لِصَابِرِ

والمقصودُ: (إلى أنْ أُدركَ)؛ فالمضارعُ هنا منصوبٌ ب (أن) مضمرة وجوبًا عند البصريين؛ لأن الأصلَ في الحرفِ (أو) أنه حرفُ عطفٍ، والأصلُ في حروفِ العطفِ ألا تعملَ؛ لأنها حروفٌ مشتركةٌ، أما الفراءُ وقومٌ من الكوفيين، فيرون أن المضارعَ منصوبٌ بالخلافِ؛ أي: مخالفةِ الثاني للأولِ من حيثُ إنه لم يكنْ شريكًا في المعنى، ولا معطوفًا عليه، في حين اختارَ الكسائيُّ والجرميُّ أن المضارعَ منصوبٌ ب (أن) نفسِها[14].

فاء السببية وواو المعية المسبوقانِ بنفيٍ محضٍ أو طلبٍ محضٍ؛ مثلَ: اضْرِبْ زَيْدًا فَيَسْتَقِيمَ؛ كمثال على فاءِ السببيةِ، وقولنا: لا تُسْرِفْ فِي التَّشَاؤُمِ وَتُخْفِيَ تَفَاؤُلَكَ؛ كمثال على واو المعية؛ فالمضارع هنا عند البصريين منصوبٌ ب (أن) مضمرة؛ لأن هذه الحروفَ في نظرِ البصريين لا تعملُ؛ لعدمِ اختصاصِها، بينما المضارعُ عند الكوفيين انتصبَ بالفاءِ في المثالِ الأولِ، وبالواوِ في المثالِ الثاني؛ فالبصريون دائمًا يأخذونَ بالأصلِ، والأصلُ في حروفِ العطفِ أن لا تعملَ؛ لأنها – كما قلنا – حروفٌ مشتركةٌ فقَدتِ اختصاصَها؛ لهذا يقول السيوطيُّ: “فإن قيلِ: يلزمُ على مذهبِ البصريين إضمارُ الناصبِ، والإضمارُ خلافُ الأصلِ؟ قلنا: الإضمارُ مجازٌ، والمجازُ أولى منَ الاشتراكِ”[15].

أما ثعلب، فالواوُ والفاءُ عنده هي الناصبُ، وعلَّلَ ذلك – كما ورد في كتاب همع الهوامع للسيوطي – بأن الحرفينِ دالَّانِ على شرطٍ، فمعنى (هَلَّا تَزُورُنِي فَأُحَدِّثَكَ) هي مثل: إِنْ تَزُرْنِي أُحَدِّثْكَ.

أما المواضعُ التي تُضمرُ أنْ بعدَها جوازًا، فهي:

أ – بعد لامِ الجرِّ غير الجحود؛ مثل: جِئْتُكَ لأُحَدِّثَكَ؛ فالبصريون كعادتِهم ينصبون الفعلَ المضارعَ ب (أن) مضمرة مع جوازِ إظهارِها، أما الكوفيون، فالنصبُ عندهم باللامِ نفسِها؛ كما قالوا في لامِ الجحودِ، وأن ما ظهرَ بعدها من كي وأن هو مؤكِّدٌ لها، ولكنْ أبطلَ أبو حيان هذا، وقال بأن اللامَ من حروفِ الجرِّ، وعواملُ الأسماءِ لا تعملُ إلا في الأسماءِ.

ب – بعد حروفِ العطفِ إذا سبقتْ باسمٍ خالصٍ.

ونخلص مما تقدمَ إلى أن الحروفَ تنقسمُ من حيثُ الاختصاصُ الذي يوجبُ العملَ إلى ثلاثةِ أنواعٍ:

الحروفُ المختصةُ بالاسمِ، وهي نوعانِ:

أولها: الحروفُ التي تكونُ جزءًا من الاسمِ، وبالتالي لا تعملُ؛ لأنَّ الجزءَ لا يعملُ في الكلِّ؛ مثلَ لامِ التعريفِ: “الرجل”.

وثانيها: الحروفُ التي لا تكونُ جزءًا من الاسمِ، وهذا النوعُ من الحروفِ عاملٌ، وعندما تعملُ فإما أن تعملَ الجرَّ، ويكونُ عملُها أصالةً، ونقصدُ هنا حروفَ الجر، وإما أن تعملَ النصبَ والرفعَ، ويكونُ عملُها استحسانًا كما قال النحاةُ، ونقصدُ هنا الحروفَ المشبَّهةَ بالفعلِ، فإنها عملتْ فقط لشبهِها بالفعلِ.

الحروفُ المختصةُ بالفعلِ، وهي أيضًا نوعانِ:

أولها: الحروفُ التي تكونُ جزءًا من الفعلِ؛ مثلَ السينِ، وبالتالي لا تعملُ.

وثانيها: الحروفُ التي ليستْ جزءًا من الفعلِ، وهذه الحروفُ حقُّها أن تعملَ، وإذا عملتْ فإما أن تعملَ الجزمَ، ويكونُ عملُها أصالةً، كما في حروفِ الجرِّ، وإما أن تعملَ النصبَ، ويكونُ عملُها فرعيًّا استحسانًا، وهذه الأخيرةُ بدورِها إنما عملتْ لشبهِها بالفعلِ؛ بمعنى إلحاقِ الفرعِ بالفرعِ؛ لنصلَ إلى أصلِ العملِ، الذي هو الفعلُ.

الحروفُ المشتركةُ: والقياسُ في هذا النوعِ من الحروفِ أن لا تعملَ؛ لأنها تدخلُ على الأسماءِ والأفعالِ؛ مثل: حروفِ العطفِ، وهل، والهمزة، فيقالُ: (هل جاءَ زَيْدٌ؟ هل زَيْدٌ أَخُوكَ؟)؛ ولكن مع ذلك هناك من الحروفِ ما هو مشتركٌ ويعملُ – مثل ما الحجازية ولا النافية حين تعمل – فرغم أن هذه الحروفَ تُعدُّ من المشتركِ فإنها تعملُ في الأسماءِ، وفي هذا السياقِ يقولُ جلالُ الدين السيوطي في “الأشباهِ والنظائرِ”: كان القياسُ في ما النافيةِ أن لا تعملَ، إلا أنه لما كان لها شبهانِ: شبهٌ عامٌّ وشبهٌ خاصٌّ، عملتْ، فشبهُها العام: شبهُها بالحروفِ غيرِ المختصةِ في كونِها تلي الأسماءَ والأفعالَ، وشبهُها الخاصُّ: شبهُها بليس، وذلك أنها للنفيِ كما أن (ليس) كذلك، وداخلةٌ على المبتدأِ والخبرِ، فمن راعى الشبهَ العامَّ لم يعملْها، وهم بنو تميمٍ، ومن راعَى الشبهَ الخاصَّ أعملَها، وهم الحجازيون[16].

ونختمُ فيما يخصُّ الحروفَ بما ورد عند أبي الحسينِ بنِ أبي الربيعِ في كتابِه: “شرح الإيضاح” الذي قال – فيما نقله عنه السيوطي في الأشباه والنظائر -: اعلمْ أن الحروفَ إذا كان لها اختصاصٌ بالاسمِ أو بالفعلِ، فالقياسُ أن تعملَ فيما تختصُّ به، فإن لم يكنْ لها اختصاصٌ، فالقياسُ ألا تعملَ، فمتى وجدتَ مختصًّا لا يعملُ، أو غيرَ مختصٍّ يعملُ، فبسبيلِك أن تسألَ عن العلةِ في ذلك، فإن لم تجدْ، فيكونُ ذلك خارجًا عن القياسِ.


[1] الجنى الداني، ص: 26.

[2] شرح المفصل، لابن يعيش، 8.

[3] البيت الشعري مأخوذ من كتاب الإنصاف؛ للأنباري، ص: 498.

[4] الأشباه والنظائر؛ جلال الدين السيوطي، 2/ 145.

[5] المصدر نفسه، 2/ 451.

[6] شرح التسهيل؛ ابن مالك، 1/ 29.

[7] المقتصد في شرح الإيضاح؛ عبدالقاهر الجرجاني، 1049.

[8] شذور الذهب؛ ابن هشام الأنصاري، 518.

[9] همع الهوامع؛ جلال الدين السيوطي، 2/ 288.

[10] المصدر نفسه، 2/ 288.

[11] الإنصاف في مسائل الخلاف؛ ابن الأنباري، 454.

[12] شرح المفصل؛ ابن يعيش.

[13] همع الهوامع؛ جلال الدين السيوطي، 2/ 292.

[14] همع الهوامع؛ جلال الدين السيوطي، 2/ 304.

[15] همع الهوامع؛ جلال الدين السيوطي، 1/ 83.

[16] الأشباه والنظائر، 406.

اضغط على ايقونة رابط قناتنا على التليجرام

ترك تعليق