صور جمع علمائنا بين الاختصار والدقة في الكتابة: الضبط بالحروف خشية التصحيف

صور جمع علمائنا بين الاختصار والدقة في الكتابة: الضبط بالحروف خشية التصحيف (1)

مقدمة المقال

ظهر العقل العربي في كثير من تجلياته مائلًا إلى القصد والاختصار والبعد عن التفصيل والبسط؛ تمشيًا مع طبيعة البيئة العربية التي كان ينقصها في أحيان كثيرة عوامل هذا التفصيل والبسط. ومن مظاهر هذه الروح: الخط العربي؛ فمن المعلومِ أن الحروفَ الأصليَّةَ للعربية وإن كانت تسعةً وعشرين أو ثمانيةً وعشرين حرفًا – على الخلاف في عَدَدِها – إلا أن صُوَرَ هذه الحروف في الرسمِ الإملائيِّ أقلُّ من هذا العدد؛ إذِ استُخْدِمَتِ الصورةُ الواحِدَةُ لأكثَرَ مِن حرفٍ. ويهدف هذا المقال إلى بيان جهود العلماء في الضبط بالحروف خشية التصحيف، مع تفصيل أنواع هذا الضبط ومواطن جمعها.

اختصار الصور في الخط العربي

قال القَلْقَشَنْدِيُّ في “صُبْح الأَعْشَا[1] في صِنَاعَةِ الإِنْشَا” (3/24-25): ((الحروف العربية على تِسْعَ عَشْرَةَ صورةً، وهي: صورةُ الأَلِفِ، وصورَةُ الباءِ والتاءِ والثاءِ، وصورةُ الجِيمِ والحاء والخاء، وصورَةُ الدالِ والذال، وصورةُ الراء والزاي، وصورَةُ السِّينِ والشين، وصورَةُ الصادِ والضاد، وصورَةُ الطاءِ والظاء، وصورةُ العَيْنِ والغَيْن، وصورةُ الفاءِ، و[صورة] القافِ، وصورةُ الكافِ، وصورةُ اللامِ، وصورةُ الميم، وصورةُ النون، وصورةُ الهاء، وصورةُ الواو، وصورةُ اللام ألف، وصورةُ الياء؛ وفَرَّقُوا بينها بالنقط؛ وقَصَدُوا بذلك تقليلَ الصور للاختصار؛ لأن ذلك أَخَفُّ مِن أن يُجْعَلَ لكلِّ حرفٍ صورةٌ؛ فتكثُرَ الصُّوَر)).

 وواضحٌ أنه يَعُدُّ صُوَرَ الحرفِ حالةَ كونِهِ وحدَهُ ليس مُرَكَّبًا مع غيره.

—

مواطن جمع تقييدات الضبط بالحروف

من أجل ذلك؛ ولما كان كثير من كتب التراث والمخطوطات غيرَ منقوط، كما يعتري المنقوطَ منه ما يَصْرِفُهُ عن صوابِهِ الذي أراده قائلُه منه؛ ابتكر العلماء الأقدمون تقييداتٍ للحروف المُشْتَبِهة في الرسمِ عند خشيةِ الالتباسِ، بما يُسمى عند المُحَدِّثِينَ بضبط العبارة أو الضبطِ بالحروف، غيرَ أن من يتلمس هذه التقييداتِ لا يجدها قد جُمعت وصُنِّفَت في كتابٍ مِن كُتب أهل العلم.

 إذ مظنةُ جمعِ هذه التقييدات في مواطنَ خمسة:

1-   في الكُتب المؤلَّفَةِ في التصحيف والتحريف؛ ككتاب “شرح ما يقع فيه التصحيفُ والتحريف” لأبي أحمدَ العَسْكَرِيِّ، وغيره.

2-   وفي كتب عِلم مُصطلح الحديث، عند حديثهم عن علاج الاشتباه في الأسماء وصيانتها عن التصحيف والتحريف، وعند حديثهم عن كتابة الحديث وضبطِهِ؛ كـ”فَتْحِ المُغِيث” للسَّخَاوِيِّ، و”تدريب الرَّاوِي” للسُّيُوطِي، أو في مقدمات كتب ضبط أسماء الرواة؛ ككتاب “المُؤْتَلِف والمُخْتَلِف” للآمِدِيّ، وهو في أسماء الشعراء، وكتاب “تبصير المُنْتَبِه بتحريرِ المُشْتَبِه” لابن حجر، و”توضيح المشتبه” لابن ناصر الدين، وهما في أسماء رجال الحديث.

3-   وفي كتب الإملاء؛ ككتاب “المَطَالِع النَّصْرِيَّة” للهُورينِيِّ الذي قيل عنه: إنه دستور الإملاء، وقد خَصَّصَ خاتمتَهُ للشَّكْلِ والنَّقْط، والكتبِ المتناوِلَةِ لعِلْمِ الرَّسْمِ والخَطِّ؛ كـ”صُبْحِ الأَعْشَى”.

4-   وفي كتبٍ مُتفَرِّقَةٍ لها اهتمامٌ بالحروفِ مِن بعضِ الوجوه؛ كـ”سِرّ صناعَةِ الإعراب” لابن جِنِّيْ، وهو كتابٌ أرادَ مؤلفُهُ أن يشتَمِلَ على ((جميعِ أحكامِ حروفِ المُعْجَمِ، وأحوالِ كُلِّ حرفٍ منها، وكيف مواقِعُهُ في كلامِ العرب)) كما نصَّ في مُقَدِّمَتِه، وككتاب “نَقْط المصاحف” لأبي عمرٍو الدَّانِي، وفي مقدِّمته كلامٌ عن الحروف وتعليلٌ لترتيبِها وتحديدٌ لما يُنقط وما لا يُنقط منها، وتعليلٌ لنَقْطِها ولمكانِهِ، وكـ”لسان العرب” الذي تحدثَ ابنُ منظور في مقدمته عن ((ألقاب الحروف وطبائعها وخواصِّها)) من الناحية الصوتية وطبائعها من الرطوبة واليبوسة وما إلى ذلك، وفي مَطَالِعِ أبوابِ كتابِهِ حديثٌ عن مخارِجِها ووصفِها؛ وككتاب “تنبيه الغافِلِين” للصَّفَاقُسِي، وفيه حديثٌ عن خصائص الحروف أيضًا، وله اهتمامٌ بها من الناحية الصوتية وخصوصًا من حيث أخطاءُ قارئي القرآن الكريم فيها حرفًا حرفًا.

5-   وفي كُتب تحقيق التراث ونَشْره؛ ككتاب “تحقيق النصوص ونشرها” للأستاذ عبد السلام هارون، وكتاب “مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي، مع محاضرة عن التصحيف والتحريف” للدكتور محمود الطناحي (ص289 وما بعدها)، وكتاب “مناهج تحقيق التراث بين القدامى والمُحْدَثِين” للدكتور رمضان عبد التَّوَّاب (ص39 وما بعدها) فصل (علاج التشابه بين بعض الحروف)، وكتاب “تحقيق نصوص التراث في القديم والحديث” للصادق عبد الرحمن الغرياني (ص145-146)، وكتاب “توثيق النصوص وضبطها عند المُحَدِّثِين” للدكتور موفَّق بن عبد الله بن عبد القادر، وكتاب “منهج تحقيق المخطوطات” لإياد خالد الطَّبَّاع.

—

التصحيف والتحريف

فترى في كثير من هذه المصنفاتِ كلامًا مهمًّا عن التفريق بين التصحيف والتحريف ومَنْشَأ كُلٍّ منهما، وأن التصحيفَ هو الاختلافُ في نقط الحرف كـ(غيث) و(عتب)، وأما التحريفُ فهو الاختلافُ في شَكْلِ الحرف كـ(كعبة) و(لعبة)، وقد حشد بعضُهم عددًا من الأمثلة الطريفة والنادرة في التصحيف والتحريف، وطُرُقِ العلماء الأقدمين ووسائلهم المعتادة وغير المعتادة في الحَذَرِ من ذلك، وعن فائدةِ الضبط بالحروف، كما وقفتُ في مقدمةِ كتابِ “ضبط الأعلام” لأحمد تيمور باشا، على ما كان نَوَاهُ مِن الكتابةِ ((فيما اعتمدَهُ الأئمةُ في الضبطِ بالحروف؛ كالمُعْجَمَةِ، والمُهْمَلَة، والمُثَنَّاة… إلخ))، وعن ((قول بعضِهم: الزاي المعجمة، وأن ابنَ خَلِّكَانَ يقولُ ذلك لأنه يرسُمُها: الزاء)) هذا نصُّ كلامِهِ؛ ولكنه – رحمه الله – لم يستوفِ هذا الكتابَ تأليفًا وإعدادًا؛ كما يقولُ ناشرُ كتابِهِ.

—

النصان الجامعان لتقييدات الحروف

وهناك نصانِ حَوَيَا عددًا من هذه الألفاظ التقييدية للحروف العربية:

النص الأول: ما جاء في مقدمة كتاب “الوافي بالوَفَيَات” (1/54) – وهي مقدمةٌ مفيدةٌ جدًّا – إذ يقول: ((كيفيةُ ضبطِ حُروفِ المُعْجَم: قالوا: الباء الموحَّدَة، وبعضُهم يقولُ: الباءُ ثاني الحروف، والتاءُ المُثَنَّاة من فوقُ لِئَلَّا يحصُلَ الشَّبَهُ بالياء؛ فإنها مُثَنَّاةٌ ولكنها من تحتُ، وبعضُهم قال: ثالث الحروف، والثاء المثلثة، والجيم، والحاء المهملة، والخاء المعجمة، والدال المهملة، والذال المعجمة، والراء، والزاي، وبعضهم يقول: الراء المهملة والزاي المعجمة [كذا في مطبوع الكتاب، ولعل صوابها: والزَّاء المعجَمَة]، والسين المهملة، والشين المعجمة، والصاد المهملة، والضاد المعجمة، والطاء المهملة، والظاء المعجمة، والعين المهملة، والغين المعجمة، والفاء، والقاف، والكاف، واللام، والهاء، والواو، والياء المثناة مِن تحتُ، وبعضُهم يقولُ: آخِر الحروف.

تتمة:

إذا أرادُوا ضبطَ كلمةٍ قيَّدُوها بهذه الأحرُفِ على هذه الصورة، فإن أرادوا لها زيادةَ بيانٍ قالوا: على وَزْنِ كذا، فيذكُرُونَ كلمةً تُوازِنُها وهي أَشْهَرُ منها، كما إذا قَيَّدُوا ((فَلُوًّا)) وهو المُهْرُ؛ قالوا فيه: بفتح الفاء، وضم اللام، وتشديد الواو، على وَزْنِ عَدُوٍّ؛ فحينئذ يكونُ الحالُ قد اتضح، والإشكالُ قد زال)). ا هـ.

والنص الثاني: قولُ الهُوريني في “المَطَالِع النَّصْرِية” (ص264-265): ((مِن البَيِّنِ أن المنقوطَ من حروفِ الهجاءِ خمسةَ عشَرَ حرفًا، والباقي غيرُ منقوط، وليس كلُّ منقوطٍ يُوصفُ بلفظِ المعجَم، ولا كلُّ متروكِ النقطِ يُوصَفُ بالمهْمَلِ أو المُغْفَل، وإنما الوصفُ بأحد الوصفَيْنِ يكونُ في الحرفَيْنِ المشترِكَيْنِ في الصورَةِ الخَطِّيَّة؛ كالحاء والخاء، والدال والذال، والسين والشين… إلخ، فيوصَفُ المنقوطُ بالمعجَمِ، والمتروكُ بالمهمَلِ، وهذا تمييزٌ لفظِي… نَعَمْ، الباءُ وأمثالُها لا تُوصَفُ بالمعجَمِ، بل بالموحَّدَةِ، والمُثَنَّاة الفوقية، والتَّحْتِيَّة، والمُثَلَّثَة، وكذلك الظَّاءُ يُقالُ فيها: المُشَالَة، والضاد: السَّاقِطَة)).

وهذانِ النَّصَّانِ وإن كانا أجمَعَ ما رأيتُ بخصوصِ ضبطِ الحروفِ؛ إلا أنهما يعوزُهُمَا الجمعُ التامُّ للضبطِ ومحاولَةُ التقسيمِ المرتبطِ بالتعليل.

———————–

 [1] كتبتُ كلمة (الأعشى) بالألف لمشاكلة كلمة (الإنشا) وانظر في ذلك: “قواعد الإملاء” لعبدالسلام هارون (ص28).

ترك تعليق