اللغة العربية بحر البحور
اللغة العربية بحر البحور
مقدمة المقال
كثيرًا هي التسميات الرائعة التي تلفتُ الانتباه، فعلى سبيل المثال: وصف الكاتب تشارلز لام (1775 – 1834) الشاعر الإنجليزي إدموند سبنسر (1552 – 1599) “بالشاعر الشاعر” (the poet’s poet)؛ أي: “بشاعر الشُّعراء”؛ بمعنى أنَّه أشعر الشُّعراء، والشُّعراء تتعلَّم منه، ووصف الشاعر الرومانسي بي بي شلي (1797 – 1822) رمسيس الثاني في قصيدته السونيتية (Ozymandias) “بمَلِك المُلُوك” (king of kings)، وعلى نحو مماثِل، يمكننا أن نَصف اللغةَ العربية ببحر البُحُور؛ فلو شبَّهنا اللغات بالبحور – أي: إنَّ كل لغة بَحر بذاتها – فاللُّغة العربيَّة هي أعظم هذه البحور، وفعلًا اللغة العربيَّة بحر عظيم، على خلاف البحور، يجد من يَركبه أو مَن يغوص في أعماقه كل ثَمين وسمين.
عناصر المقال
1- اللغة العربية بحر البحور.
2- النفي في اللغة العربية.
3- أدوات النفي في اللغة العربية.
4- النهي في اللغة العربية.
5- الفرق بين النفي في العربية والإنجليزية.
6- تغير شكل الكلمات في العربية.
7- خاتمة: مكانة اللغة العربية.
أولاً: اللغة العربية بحر البحور
وما لفت انتباهي لهذه التسمية هي جُزئية بسيطة كنتُ أتناولها في بحر اللغة العربية المتلاطم الأمواج، ألا وهي إحدى القواعد النحوية: (النفي)، وما قادني إلى ذلك هو قراءتي للنَّفي (negation) في اللغة الإنجليزيَّة، فقررتُ أن أقرأه أيضًا في اللغة العربية، وعندما غصتُ رأيتُ عجب العُجاب، فازددتُ حبًّا للغتي (لغة الضاد).
ثانياً: النفي في اللغة العربية
إنَّ اللغتين العربيَّة والإنجليزية – كباقي اللُّغات الأخرى – تَسخدمان طرقًا مختلفة للنَّفي، بمعنًى آخر: كل لغةٍ لها أدواتها الخاصَّة ونهجها الخاص في إجراء عمليَّة النَّفي، والنَّفي هو إنكار حدوث شيء في الماضي أو الحاضِر أو المستقبل، وعكسه الإيجاب والإثبات.
ثالثاً: أدوات النفي في اللغة العربية
وفي المقابل يتمُّ تحويل الجملة في اللُّغة العربيَّة من حالة الإيجاب إلى حالة النَّفي باستخدام عدَّة أدوات، منها: (ليس، لا، لم، لن، لما، ما، كلا)، ولو أخذنا أداةَ النَّفي (ليس) لرأينا أنَّها تُستخدم في نَفي الجُمَل الاسميَّة، وتتأثَّر بالشخص بحالاته الثلاث (صيغة المتكلم، وصيغة المخاطب، وصيغة الغائب)، وتتأثَّر أيضًا بالعدد والجنس، وقد قام كارن سي ريدنج بعمل جدول توضيحيٍّ لكلِّ حالات ليس، يمكن أن نلخِّصها كالتالي: (لَسْتُ، لَسْنا، لَسْتَ، لَسْتُما، لَسْتُم، لَسْتِ، لَستُنَّ، لَيْسَ، لَيْسا، لَيْسوا، لَيْسَتْ، لَيْستَا، لَسْنَ).
أما أدوات النفي الأخرى، فهي كالآتي:
1. (لا النَّافية):
تُستخدم في نَفي الجمل الفعليَّة في زمن المضارع والماضي والمستقبل.
• لا يحبُّ الفواكه؛ (مضارع).
• زيدٌ لا يقرأ ولا يكتب؛ (مضارع يفيد المستقبل).
• لا أكلت ولا شربت؛ (ماضٍ).
2. (لا النَّافية للجنس):
تفيد نَفي خبرها عن جنس اسمها.
• لا رجل في الدار؛ (أي: إنَّنا نَنفي نفيًا كليًّا وجود جِنس الرجال في الدار).
3. (لم):
تُستخدم لنفي المضارع وقلب معناه للماضي: (لم يَكتب).
4- (ما):
تُستخدم لنَفي الجمل الاسميَّة والفعليَّة معًا.
• ما وجد الجواب؛ (جملة فعلية في زمن الماضي).
• ما أحد أفضل من أحد؛ (جملة اسمية).
5. (لن):
تُستخدم في نَفي المستقبل؛ (لن أنسى).
رابعاً: النهي في اللغة العربية
أضف إلى ذلك: أنَّ النَّفي في اللغة الإنجليزيَّة يقع تحت مسمًّى واحد (negation)، أمَّا بالنسبة للغة العربية، فهناك نفي وهناك نهي، وأداة النَّهي الوحيدة هي (لا)، والنَّهي الحقيقي هو طَلَب الكفِّ عن الفعل، والطالب هو الخالِق (الله سبحانه وتعالى)، والمطلوب هو المخلوق (عباد الله)، ويرى “علي الجارم” و”مصطفى أمين” أنَّ صيغة النَّهي قد تخرج “عن معناها الحقيقي إلى معانٍ أخرى تُستفاد من السياق وقرائن الأحوال؛ كالدعاء والالتماس، والتمنِّي والإرشاد، والتوبيخ والتيئيس، والتهديد والتحقير“.
• ﴿لَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: 19]؛ (نهي حقيقي).
• ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]؛ (دعاء).
• ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [الحجرات: 11]؛ (توبيخ).
• ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التحريم: 7]؛ (تيئيس).
• لا تَجلس مع أهل الدنية؛ (نصح).
• لا تَسبح في هذا المكان؛ (تحذير).
خامساً: الفرق بين النفي في العربية والإنجليزية
إنَّ أدوات النَّفي في اللغة الإنجليزية لا تغيِّر شكل الكلمات في الجملة – كما أَسلفنا الذِّكر – أمَّا في اللغة العربيَّة، فإنَّ شكل الكلمات قد يتغيَّر وفقًا لنوع الأداة المستخدمة.
• سيَنمو اقتصاد اليمن: (The economy of Yemen will grow up.)
• لن ينمو اقتصاد اليمن: (The economy of Yemen will not grow up.)
• لم يَنم اقتصادُ اليمن: (The economy of Yemen did not grow up.)
• الطالبان مجتهدان: (The two students are persevering.)
• ليس الطالبان مجتهدين: (The two students are not persevering.)
سادساً: تغير شكل الكلمات في العربية
ويمكن أن نَخلُص إلى أنَّ اللغة العربيَّة ليس كمثلها لغة؛ فهي لغة غنيَّة بمفرداتها، وجميلة في بنائها، دَقيقة في النَّظر، وعميقة في الأثَر، يَحتار فيها كلُّ عالم خرِّيت، فلو أمعنَّا النَّظر – على سبيل المثال – في الأداة (لا)، لرأينا أنَّها تتضمَّن ثلاثةَ أنواع: (لا) النافية و(لا) الناهية و(لا) النَّافية للجنس، وكل واحدةٍ منها لها عملها الخاص بها.
وفي المقابل: النَّفي في اللغة الإنجليزية – ببساطة – يتمُّ بوضع (not) بعد أفعال الكينونة وأفعال الملكيَّة وأفعال العمل والأفعال الناقصة، وبالرغم من أنَّ هناك أدوات نفي غير (not)، إلَّا أنَّها لا تَرقى إلى أن تُنافس أدوات النَّفي في اللغة العربيَّة في الدقَّة والمرونة والتشعُّب.
سابعاً: خاتمة: مكانة اللغة العربية
من هنا، ألَا تستحقُّ اللغة العربيَّة أن تكون هي لغة التواصل العالمي؟ ألَا تستحقُّ أن تعود إلى دورها الرِّيادي كما كانت في السابق؟ ألا تستحقُّ منَّا أن نحافِظ عليها؟ فها هي الفصحى تتمزَّق، وقلَّما نَجد من يجيدها ويمارِسها في حياته اليوميَّة، وبما أنَّ اللغة هي المِعيار الدقيق للهُويَّة والحفاظ عليها – يعني: الحفاظ على الهُويَّة – إذًا فلنُحافظ على لغتنا؛ كي نُحافظ على هُويَّتنا.
ولكن، ولله الحمد، فاللُّغة العربيَّة ستظلُّ محفوظةً وخالدة، مهما استنقص الأعداءُ من شأنها، ومهما تَقاعَسَ عنها أهلُها، فقد وعد الخالقُ عزَّ وجلَّ بحِفظها وصونها، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
