قصي جدوع رضا الهيتي

المسائل التي احتج فيها

اليزدي بالحديث في شرحه

1- اختصاص باب “فَعَلَ” بضم مضارعه في باب المغالبة، نحو: كارمني فكرمتُهُ أكرُمُهُ؛ أي: غلبته بالكرم، إذ قال: (ومنه الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر قالت[1]: “فسابقته فسبقتُه على رِجْلَيَّ، فلمَّا حملت اللحمَ سابقته فسبقني، قال: ((هذه بتلك السَّبْقَة))”[2]، ولم يسبق اليزدي أحد من الشراح في الاستشهاد على هذه المسألة بهذا الحديث.

2- اختصاص “انْفَعَل” بالعلاج والتأثير، أي أن هذا الباب مختص بما يتعلق بالصورة ويكون محسوسًا، لا معقولاً مجردًا عن الأثر الظاهر؛ فلهذا لا يقال: عَلِمتُ المسألة فانْعَلَمَتْ، قال اليزدي وهو يتحدث عن ذلك: (فإن قلت: قد يقال: فلان منقطع إلى الله، وانكشفت لي حقيقة المسألة؛ مشارًا إلى المعنى والباطن، ومنه الخبر: (أنا عند المنكسرة قلوبهم)[3]، ولا شك أن مثل ذلك من الأمور المعنوية)[4]، ولم يسبق اليزدي أحد من الشراح في الاستشهاد بهذا الخبر أيضًا.

3- مجيء الصفة المشبهة على وزن “فِعْل” من باب “فَعِلَ”، قال اليزدي متحدثًا عن أوزان الصفة المشبهة: (وصِفْرٌ: أي خالٍ من صَفِرَ يَصْفَر، ومنه الخبر[5]: (إن أصفر البيوت من الخير البيتُ الصِّفْر من كتاب الله)[6]، وقد سبق اليزديَّ الجاربرديُّ إلى الاحتجاج بهذا الحديث في الموضع نفسه[7].

4- جمع “فَعْلاء أَفْعَل” بالألف والتاء؛ لأنه صفة استعملت كالأسماء، قال: (لما أجري مجرى الأسماء، قطع النظر عن كونه صفة؛ فجمع جمع الأسماء، فكما أنهم قالوا في صحراء: صحراوات، قالوا في خضراء: خَضْرَاوات، جاء في الخبر: “ليس في الخَضْرَاوات صدقة”[8]، وهي ما اخضَرَّتْ له الأرض من النبات)[9]، وكان أول من احتج به من النحاة المبرد[10]، ثم من جاؤوا من بعده كابن بابشاذ[11]، والزمخشري[12]، والجاربردي[13]، ونظام الدين النيسابوري[14]، رووه بالرواية نفسها، وعلَّلوه بالتعليل نفسه.

5- إبدال لام “أل” التعريف ميمًا – لغة – والحروف التي تبدل منها “الميم”، قال اليزدي وهو يتحدث عن حرف التعريف: (أما الميم، ففرع اللام يجري فيه الخلاف المذكور، ومثله ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((ليس من امْبِرِّ امْصِيامُ في امْسَفَرِ))[15]، يعني “ليس من البر الصيام في السفر”، وهو من لغة طيِّئ)[16]، واحتج بالحديث نفسه في موضوع: “إبدال الميم من لام التعريف”، قال: (وكذا تبدل على ضعف من لام التعريف، وهو لغة طيِّئ[17]، قال[18]:

ذَاكَ خَلِيلِي وَذُو يُعَاتِبُنِي
يَرْمِي وَرَائِي بِامْسَهْمِ وَامْسَلِمَهْ

والسَّلِمَةُ واحدة السِّلام، وهي الحجارة، وروى النمر بن تولب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم – وقيل: إنه لم يرو غير هذا -: ((ليس من امْبِرِّ امْصِيامُ في امْسَفَرِ))”[19]، وأول من استشهد به من النحاة ابن جني[20]، وتبعه من بعد ذلك الزمخشري[21]، وصدر الأفاضل الخوارزمي[22]، وابن يعيش[23]، وابن عصفور[24]، وابن مالك[25]، وغيرهم من النحاة[26].

6- الضاد من خواص لغة العرب، أورد اليزدي وهو يتحدث عن حرف الضاد بأنَّه من خواص العرب حديثًا: (قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنا أفصح من تكلم بالضاد))[27]، يعني أفصح العرب)[28]، وهذا الحديث مسبوق إليه؛ لأن الجاربردي استشهد به في الموضع نفسه[29].

7- كون “مَعَدٍّ” – وهو اسم قبيلة – فَعَلاًّ، بقول أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: “اخْشَوْشِنُوا وَتَمَعْدَدُوا”[30]؛ أي: (تشبَّهوا بهم، وكانوا أهل قَشَفٍ وغِلَظٍ في المعاش، ووزنه “تَفَعْلَلَ”، لا “تَمَفْعَلَ”، فالزائد التكرير لا الميم، وإن كثرت زيادتها في الأول)[31].

8- ماهية “حَيَّهَلَهْ”، تحدث اليزدي عن “حَيَّهَلَهْ” وتركيبها واستعمالها، فقال: (وحَيَّهَلَهْ مركب من “حيَّ” مبني على الفتح، و”هَلْ”، يقال: حَيَّهَلَ الثريدَ، أي: ائته بالعجل، ويقال: حيَّهَلاً بالتنوين، وفي الحديث: “إذا ذكر الصالحون فَحَيَّهَلاً بِعُمَرَ”[32]، أي: أسرع بعمر في الذكر، وحيهلا بالألف)[33]، وأول من احتج به من النحاة المبرد، لكن لم يصرح بأنه حديث[34]، وإنما ذكر جزءًا منه، إذ قال: (ومن هذه الحروف “حَيَّهلَ”، فإنما هي اسمان جُعلا اسمًا واحدًا، وفيه أقاويل: فأجودها “حَيَّهلَ بعمر”، فإذا وقفت قلت: “حَيَّهَلا” فجعلت الألف لبيان الحركة…)[35].

9- إبدال ألف “ما” الاستفهامية “ها”: قال اليزدي: (وتبدل – أي الهاء – من الألف على الشذوذ في: أَنَهْ، وحَيَّهَلَه، وما للاستفهام… وجاء في حديث أبي ذؤيب[36]: (قدمت المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج أهَلُّوا بالإحرام، فقلت: مَهْ؟ فقيل: هلك رسول الله صلى الله عليه وسلم)[37]، والزمخشري هو أول من احتج بهذا الحديث من النحاة[38].

10- اشتقاق إنسان من النسيان: قال اليزدي – وهو يتحدث عن الخلاف في اشتقاق إنسان -: (فإن قيل: روي أنه قال ابن عباس رضي الله عنه: “إنما سمي إنسانًا لأنه عهد إليه فَنَسِيَ”[39]، قلنا: أما حديث ابن عباس، فلا نسلِّم بثبوته…)[40].

والذي يبدو لي من الأحاديث التي احتج بها أنه احتج بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم وبكلام الصحابة رضي الله عنهم على السواء في المسائل الصرفية التي يتناولها في أثناء شرحه للشافية، وكان أكثر هذه الأحاديث قد سبقه النحاة في الاحتجاج بها، غير أنَّ هناك حديثين احتج بهما من غير أن يسبقه بهما أحد.

 


[1] أخرجه أبو داود في سننه: 3 / 29، والبيهقي في السنن الكبرى: 10 / 31.

[2] شرح الشافية لليزدي: 1 / 195 – 196.

[3] ذكره الغزالي في بداية الهداية: 63، ولم يسنده، وينظر: المقاصد الحسنة للسخاوي: 169، والأسرار المرفوعة للقاري: 118، وكشف الخفاء للعجلوني: 1 / 230.

[4] شرح الشافية لليزدي: 1 / 226.

[5] أخرجه الطبراني في مسند الشاميين: 3 / 309، وابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر: 3 / 63 بهذا اللفظ من دون “إن”.

[6] شرح الشافية لليزدي: 1 / 236.

[7] ينظر: شرح الشافية للجاربردي: 60.

[8] ورد في مصنف ابن أبي شيبة: 2 / 372، سنن الدارقطني: 2 / 476، 479، والسنن الكبرى للبيهقي: 4 / 218، وكشف الأستار للهيثمي: 1 / 819.

[9] شرح الشافية لليزدي: 1 / 455.

[10] ينظر: موقف النحاة من الاحتجاج بالحديث: 94، 193، والمقتضب: 2 / 218.

[11] ينظر: شرح المقدمة المحسبة: 1 / 113.

[12] ينظر: المفصل: 170.

[13] ينظر: شرح الشافية للجاربردي: 146.

[14] ينظر: شرح الشافية للنظام: 146.

[15] أخرجه أحمد في مسنده: 39 / 84، والطبراني في المعجم الكبير: 19 / 172، عن كعب بن عاصم الأشعري، وينظر: مجمع الزوائد للهيثمي: 3 / 161.

[16] شرح الشافية لليزدي: 1 / 501.

[17] قال الزمخشري في المفصل: 279 وأهل اليمن يجعلون مكانها الميم، وقال أيضًا: 311 ومن اللام في لغة طيِّئ. وقال الرضي في شرح الكافية: 2 / 122 وفي لغة حمير ونفر من طيِّئ إبدال الميم من لام التعريف.

[18] البيت لبُجَيْر بن عَنَمة الطائي الجاهلي في: المفصل: 279، والجنى الداني: 140، والهمع: 1 / 308، وشرح شواهد الشافية: 4 / 452. والبيت مركَّب من بيتين، وهما:

وَإِنَّ مَـوْلاي ذو يُعَاتِبُنِي = لا إحْنَةٌ عِنْدَهُ ولا جَرِمَهْ

يَنْصُرُنِي مِنْكَ غَير مُعْتَذِرٍ = يَرْمِي وَرَائِي بِامْسَهمِ وامْسَلِمَهْ

[19] شرح الشافية لليزدي: 2 / 943.

[20] ينظر: سر صناعة الإعراب: 2 / 97.

[21] ينظر: المفصل: 311.

[22] ينظر: التخمير: 4 / 166.

[23] ينظر: شرح المفصل: 9 / 20.

[24] ينظر: الممتع: 1 / 394.

[25] ينظر: شرح الكافية الشافية: 1 / 164، وشرح عمدة الحافظ: 97.

[26] ينظر: شرح الشافية للرضي: 3 / 216، ومغني اللبيب: 1 / 105، والهمع: 1 / 308.

[27] معناه صحيح، ولكن لا أصل له، وهذا ما قاله ابن كثير وغيره من الحفاظ، ينظر: اللآلي المنثورة للزركشي: 160، والمقاصد الحسنة للسخاوي: 167، والدرر المنتثرة للسيوطي: 56، والأسرار المرفوعة للقاري: 116، 117، وكشف الخفاء للعجلوني: 1 / 228.

[28] شرح الشافية لليزدي: 2 / 990.

[29] ينظر: شرح الشافية للجاربردي: 338.

[30] رواه الطحاوي في شرح مشكل الآثار: 5 / 338، وأبو عبيد في غريب الحديث: 3 / 325، وابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر: 4 / 341، والسخاوي في المقاصد الحسنة: 267.

[31] شرح الشافية لليزدي: 1 / 587.

[32] هو من كلام عبدالله بن مسعود في امتداح عمر رضي الله عنهما، أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة: 1 / 163، 268، 270، 271، 331، 335، والطبراني في المعجم الكبير: 9 / 162، 163، 164، 165، والحاكم في المستدرك: 3 / 100، وينظر: مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 67، وكشف الخفاء للعجلوني: 1 / 100.

[33] شرح الشافية لليزدي: 2 / 950.

[34] أول من احتج به من النحاة، وصرح بأنه حديث، وذكره كاملاً الزمخشري؛ ينظر: المفصل: 133.

[35] المقتضب: 3 / 205.

[36] ورد هذا الحديث في معرفة الصحابة لابن منده: 855، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم: 5 / 2885، وتاريخ دمشق لابن عساكر: 17 / 53، 54، والإصابة لابن حجر: 7 / 111.

[37] شرح الشافية لليزدي: 2 / 950.

[38] ينظر: موقف النحاة من الاحتجاج بالحديث: 161 – 162، والمفصل: 127 – 128.

[39] أخرجه الطبراني في المعجم الصغير: 2 / 140، والهيثمي في مجمع الزوائد: 7 / 67، 8 / 136، وينظر: تفسير عبدالرزاق: 2 / 378، وتفسير ابن أبي حاتم: 8 / 2687، وتفسير ابن كثير: 5 / 320. وقد روي برواية أخرى، ينظر: مصنف عبدالرزاق: 3 / 263، والمستدرك للحاكم: 2 / 412، والأسماء والصفات للبيهقي: 2 / 258.

[40] شرح الشافية لليزدي: 1 / 609 – 610.

ترك تعليق