القرآن الكريم وأثره في اللغة العربية وعلم الاجتماع
القرآن الكريم وأثره في اللغة العربية وعلم الاجتماع
أثره في اللغة العربية:
1- كان لقريش عظيم الاثر وكبير الفضل في توحيد لهجات اللغة العربية لانها كانت تسكن بلاد الحجاز التي كانت محط رحال الحجاج والتجار فكان يجتمع فيها أكثر أشراف العرب والشعراء والخطباء من الرجال والنساء للمفاخرة بالشعر والخطب في الحسب والنسب والفصاحة وغير ذلك فأخذت قريش المستعذب من لهجات العرب حتى لطفت لهجتهم وجاد أسلوبهم واتسعت لغتهم لان ينزل بها خير الكلام وكان طبيعياً أن ينزل القرآن بلغة قريش لانها خلاصة اللغة العربية ولان الرسول صلى الله عليه وسلم قرشي وليكون هذا الكلام زعيم اللهجات كلها فقد امتازت قريش بكثير من خصائص الزعامة وأقر لهم العرب بذلك فأولى لهم أن يقرأوا مثل ذلك في كلام الله تعالى.
2- لو نزل القرآن بغير لغة قريش التي ألفها النبي صلى الله عليه وسلم ما كانت تستقيم الموازنة بين أساليب القرآن وكلام النبي صلى الله عليه وسلم ولكان ذلك مدعاة إلى أن قبائل العرب تجد كل واحدة منها مذهباً للقول فيه فتنشق الكلمة.
3- ائتلفت لغة القرآن الكريم على وجه يستطيع العرب أن يقرءوه بلحونهم مع بقائه على فصاحته في الوضع التركيبي وتلك سياسة لغوية جمعت العرب على منطق واحد ليكونوا جماعة واحدة.
4- من أجل ذلك كان للقرآن الكريم الاثر البين في توحيد اللغة ونشرها وترتيبها من حيث أغراضها وألفاظها وأساليبها وفوق ذلك ضمن لها حياة طيبة وعمراً طويلا.
5- قد جمع القرآن العرب على لغة واحدة بما استجمع فيها من محاسن هذه اللغة فأصبح عندهم مثلا كاملا، ومن شأن المثل الكامل أن يجتمع عليه طالبوه مهما فرقت بينهم الاسباب المتباينة، وقد كانوا قبل ذلك تتوهم كل قبيلة منهم أنها أسلم فطرة في اللغة وأوضح مذهبا في البيان لعدم وجود مقياس عام يرجعون اليه ولم يكن في طوق انسان أن يقيس قدرة أقوام وعجزهم في أمر معنوي كاللغة إلا إذا كان بالغا حد الكمال. ولما كان الكمال لله وحده كان كلامه جل شأنه هو المثل الكامل.
6- لولا القرآن الكريم لما وجد على الارض أحد يعرف كيف كانت تنطق العرب بألسنتها وكيف تقيم أحرفها وتحقق مخارجها، فتواتر أداء القرآن الكريم حفظ لنا كيفية الأداء العربي.
7- أن الشعوب العربية في مصر وسورية وبلاد المغرب وغيرها يتكلمون باللغة العربية ولكن تختلف لغة كل شعب منهم عن لغات الآخرين اختلافاً قليلا أو كثيراً بنسبة البعد بينهم والاختلاف في أحوالهم.
ولولا القرآن لاستقلت لغة كل شعب حتى لم يعد الشعب الآخر يفهمها كما حصل في فروع اللاتينية (الفرنسية والاسبانية والطليانية وغيرها) ولكن محافظة المتكلمين في اللغة العربية على لغة القرآن والرجوع اليها فيما يكتبون ويخطبون، جعل في لغاتهم المولدة مرجعاً يجمع لغاتهم إلى أصل واحد.
(أثر القرآن في الأحوال الاجتماعية):
جاء القرآن والعرب قد وقعت بينهم الفرقة وتشتت الالفة واختلفت كلمتهم واضطربت أحوالهم فكانوا إخوان دبر ووبر أذل الامم داراً وأجدبهم قراراً لا يأوون الى جناح دعوة يعتصمون بها ولا الى ظل ألفة يعتمدون على عزها. فأحوالهم مضطربة وأيديهم مختلفة وكانوا في بلاء عظيم من جهل مطبق وبنات موءودة وأصنام معبودة وأرحام مقطوعة وغارات مشنوفة. فلما استضاءوا بنور القرآن الكريم اجتمعت أملاؤهم واتفقت أهوائهم واعتدلت قلوبهم وترادفت أيديهم وتناصرت سيوفهم وعقد بملته طاعتهم وجمع على دعوته ألفتهم وأصبحوا ينعمون في ظل سلطان قاهر ثابت وصاروا حكاماً على العالمين، وملوكا في أطراف الأرضين قد ملكوا الأمور على من كان يملكها عليهم وأمضوا الاحكام فيمن كان يمضيها فيهم.
جاء القرآن وقد تمكنت من العرب عصبية الجاهلية فما عدا أن سفه أحلامهم ونكس أصنامهم وذهب بجل ما ألفوه حتى كانما خلقهم خلقاً جديداً وكانهم على آدابه نشؤوا وهم أغفال وأحداث، بل كانهم كانوا سلالة أجيال كان القرآن في أوليتهم المتقادمة وكانوا هم الوارثين لا الموروثين مصداقاً للحديث الشريف “خير القرون قرني ثم الذين يلونهم“.
كان من أثره فيهم أن أذهب عنهم العصبية الممقوتة وأحل محلها التعصب لمكارم الخصال ومحامد الأفعال ومحاسن الأمور وخلال الحمد من الحفظ للجوار والوفاء بالذمام والطاعة للبر والمعصية للكبر والأخذ بالفضل والكفّ عن البغي والاعظام للقتل والانصاف للخلق والكظم للغيظ واجتناب الفساد في الأرض، لهذا كله انعقدت عليه قلوبهم وهم يجهدون في نقضها لدعوته وهم يبالغون في رفضها فكانوا يفرون منه في كل وجه ثم لا ينتهون الا اليه ذلك بأنه قد جاءهم بما لا قبل لهم به مما يشبه أساليب الاستهواء في علم النفس فغلب على طباعهم وحال بينهم وبين قديمهم.
ولعمري لو كان القرآن غير فصيح أو كانت فصاحته غير معجزة في أساليبها التي ألقيت اليهم لخلا منه موضعه الذي هو فيه وكان سبيله بينهم سبيل القصائد والخطب والأقاصيص ولنقضوه كلمة كلمة وآية آية دون أن تتخاذل أرواحهم أو تتراجع طباعهم.
بين القرآن لهم أن الطبيعة مسخرة لهم فعليهم كشف ما فيها واستخراج أسرارها ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾، ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾، ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ (الحجر).
نادى فيهم القرآن أن النبي صلى الله عليه وسلم ابن يومه وابن عمله وعقله فلا هو مفاخر ولا واهم ولا شاعر، وخاطبهم بالآية الكريمة التي هي روح الثبات في أمم العلم والعمل ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
قد وصل العرب قبل نزول القرآن الكريم إلى هاوية الانحلال الاجتماعي بما لم يعهد له مثيل في تاريخ الامم فكانوا في جهل مطبق بأحكام الدين الصحيح ومبادئ السياسة والحياة الاجتماعية ولم يكن لهم فن يذكر أو صناعة تنشر ولم يكونوا يعرفون شيئاً من العلاقات الدولية وكانت كل قبيلة أمة قائمة بنفسها تتحفز لشن الغارة على جارتها فما لبثوا أن جاءهم الكتاب الكريم حتى خالطت أحكامه قلوبهم وأيقظت أرواحهم وجعلتهم يتلمسون الحق وتصبو نفوسهم إلى رفع مناره ونشره في أطراف الارضين.
قد بلغوا في العبادة مبلغاً بذوا به أهل الرهبنة والتنسك وصاروا أولي قوة في دين وحزم في لين وإيمان في يقين وحرص في علم وعلم في حلم وقصد في غنى وخشوع في عبادة وتجمل في فاقة وصبر في شدة وطلب في حلال ونشاط في هدى وتحرج عن طمع. ومع بلوغهم هذه الدرجة الروحية العالية لم يهجروا الدنيا وشؤونها بل عملوا لها بصدق واخلاص فأبدلهم الله العز مكان الذل والأمن مكان الخوف فصاروا ملوكا حكاما وأئمة أعلاما.
وإن تعجب فعجب أن يتم ذلك المجد العظيم للعرب في أقل من مائة سنة. وفي هذا برهان قاطع على أن أحكام القرآن خير طريق الى تنمية الملكات الانسانية واعدادها لكسب الحياتين الدنيوية والروحية فقد جعل الامة العربية تضع أعناقها للحق الذي لم تألفه حقا وأن تعطيه مع ذلك محض ضمائرها وتسلم له في تاريخها وعاداتها.
إن نظرة بامعان فيما جاء به القرآن الكريم من الآيات البينات تدل على أنه ليس هناك في الانسان من نقص إلا والقرآن كفيل باصلاحه فهو طبيب الانسانية وليس أحذق الأطباء من يدعي هذه الصفة لنفسه فحسب بل من يستطيع مداواة أعظم الادواء في أكثر الحالات وكذلك فعل القرآن فقد بلغ من أثره في العرب أنه حول طبائعهم وغير أخلاقهم فلم يشهد التاريخ جيلا اجتماعياً مثل الجيل الاول في صدر الاسلام حين كان القرآن هو المنار الذي يهتدي به ولم تستطع الفلسفة على اختلاف ضروبها في أي عصر من العصور أن تنشئ جيلا من الناس كالذي أخرجه القرآن الكريم فكانوا مثلا حسناً في علو النفس وصفاء الطبع ورقة الجانب ورجاحة اليقين وطهارة الخلق وشدة الامانة وإقامة العدل والخضوع للحق وما إلى ذلك من أمهات الفضائل.
محمد صلى الله عليه وسلم أعظم مصلح ظهر
أما وقد بان أن الكتاب الكريم أحدث أوفر قسط من الإصلاح في أقصر زمن عرفه التاريخ فلا بدع ان كان الذي نزل عليه ذلك الكتاب أعظم مصلح. واليك البيان:
اقتضت حكمة الله أن يرسل إلى كل أمة آنا بعد آن هادياً يرشدهم ويصلح حالهم فيدوم النور الذي جاء به زمناً ثم يخبو قليلا قليلا حتى اذا كاد ينطفئ أنقذ الله هذه الامة برسول بعده يجدد لها الهداية.
وقد توالت الدهور والأحقاب والأمم منفصلة بعضها عن بعض زاعمة كل واحدة أن العالم كله فيها وانها أفضل من سواها لأن الله خصها بالرسالة والهداية فنجم عن ذلك القول بأن الله – تعالى عما يقولون علواً كبيراً – حابى بعض الأمم وخصها بمزايا لم يمنحها غيرها.
من أجل ذلك أرادت الحكمة الالهية أن تقضي على ما خالج نفوس الأمم من أنها أفضل من غيرها جنساً وخلالا وديناً وأن تجعل من الانسان جسما واحداً فمن الله على الخلق جميعهم برسول عام معه رسالة عامة وهكذا كانت رسالته عامة لا يخصها زمان ولا مكان ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كافة للناس بشيراً وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: 28].
