خبر لا التي لنفي الجنس

 

خبر لا التي لنفي الجنس

هو في قول أهل الحجاز لا رجل أفضل منك ولا أحد خير منك، وقول حاتم:

* ولا كريم من الولدان مصبوح[1]*

يحتمل أمرين:

أحدهما أن يترك فيه طائيته إلى اللغة الحجازية، والثاني أن لا يجعل مصبوحا خبرا ولكن صفة محمولة على محل لا مع المنفيّ وارتفاعه بالحرف أيضا لأن لا محذوّ بها حذو إنّ من حيث انها نقيضتها ولازمة للأسماء لزومها.

حذف خبر لا:

ويحذفه الحجازيون كثيرا فيقولون:

لا أهل، ولا مال، ولا بأس، ولا فتى إلا عليّ ولا سيف إلا ذو الفقار. ومنه كلمة الشهادة ومعناها لا إله في الوجود إلا الله. وبنو تميم لا يثبتونه في كلامهم أصلا.

في أبيات كثيرة فاختارت حاتما فكأن منشأ الاشتباه وجود حاتم في هذه القصة.

اللغة اللقاح ذوات الالبان من النوق واحدتها لقوح ولقحة وملقي من القيت الشيء إذا طرحته. واصرة جمع صرار وهو خيط يشد فوق خلف الناقة لئلا يرضعها ولدها. والمصبوح من الصبوح وهو شرب اللبن صباحا.

الاعراب إذا ظرف لما يستقبل. واللقاح مرفوع بفعل محذوف يفسره المذكور أي إذا غدت اللقاح. وغدت من الأفعال الناقصة. وضميرها إسمها. وملقى خبرها واصرتها فاعل ملقى لأنه إسم مفعول يعمل عمل فعله. ولا نافية للجنس. وكريم إسمها مبني على الفتح. ومصبوح خبرها. هذا عند الحجازيين. وعند تميم هو صفة محمولة على محل الموصوف وهو اسم لا. وذاك مرفوع بالابتداء. فكذا صفته وجواب إذا محذوف لدلالة السياق عليه.

اسم ما ولا المشبهتين بليس

هو في قولك ما زيد منطلقا ولا رجل أفضل منك. وشبههما بليس في النفي والدخول على المبتدأ والخبر إلا أن ما أوغل في الشبه بها لاختصاصها بنفي الحال، ولذلك كانت داخلة على المعرفة والنكرة جميعا فقيل ما زيد منطلقا، وما أحد أفضل منك. ولم تدخل لا إلا على النكرة فقيل لا رجل أفضل منك، وامتنع لا زيد منطلقا. واستعمال لا بمعنى ليس قليل ومنه بيت الكتاب:

من صدّ عن نيرانها***فأنا إبن قيس لا براح[2]

أي ليس براح لي والمعنى لا أبرح بموقفي.



[1] نسبه هنا إلى حاتم وتبعه بعض المعربين وذكر قبله.

قد رد جازرهم حرفا مصرمة ***في الرأس منها وفي الاصلاب تمليح

إذ اللقاح غدت ملقى اصرتها *** ولا كريم من الولدان مصبوح

وليس ذلك بصواب وإنما هو لبعض بني النبيت وذلك أن حاتما اتى ماوية بنت عفزر يخطبها فوجد عندها النابغة الذبياني ورجلا من النبيت يخطبانها فقالت انقلبوا إلى رحالكم وليقل كل واحد منكم شعرا يذكر فيه فعاله ومنصبه فاني متزوجة اكرمكم فصبحها القوم فانشدها النابغة:

هلا سألت هداك الله ما حسبي ***إذا الدخان تغشى الاشمط البرما

اني اتم أيساري وامنحهم ***مثنى الأيادي واكسو الجفنة الادما

وانشدها النبيتي

هلا سألت هداك الله ما حسبي ***عند الشتاء إذا ما هبت الريح

ورد جازرهم حرفا مصرمة***في الرأس منها وفي الاصلاب تمليح

إذا اللقاح غدت ملقى اصرتها***ولا كريم من الولدان مصبوح

وانشدها حاتم:

أماويّ أن المال غاد ورائح ***ويبقى من المال الأحاديث والذكر

 

[2] هو لسعد بن مالك من قصيدة يذكر فيها حرب بكر وتغلب ويعرض بالحارث بن عباد ويذكر قعوده عنها. وهي من أبيات الحماسة وأولها:

يا بؤس للحرب التي **وضعت أراهط فاستراحوا

اللغة صد أعرض. وقيس جد الشاعر. وانما أضاف نفسه إليه لشهرته به. والبراح مصدر برح الشيء براحا من باب تعب إذا زال من مكانه.

الاعراب من حرف شرط جازم. وصد فعل ماض. وفاعله ضمير فيه يعود إلى من.

وعن نيرانها جار ومجرور ومضاف ومضاف إليه متعلق بصد والضمير فيه إلى الحرب وهي مؤنثة. قال الله تعالى حتى تضع الحرب أوزارها. وانا مبتدأ. وابن قيس خبره لتضمنه الوصف. أي أنا المشهور بالنجدة. ويجوز نصب ابن قيس على الاختصاص، فتكون جملة لا براح خبر المبتدأ وهذا أجود لإنه لو جعل خبرا كان قصد الشاعر إلى تعريف نفسه عند المخاطبين وهو لا يخلو عن خمول فيه وجهل من المخاطبين بشأنه، ولو نصب على الاختصاص والمدح لأمن من ذلك فكإنه يقول أنا من لا يخفى شانه ولا تجهل منزلته افعل كيت وكيت.

وقوله لابراح: لا بمعنى ليس، وبراح إسمها، والخبر محذوف أي لي. وجملة لابراح يصح أن تكون استثنافية كإنه قال أنا ابن قيس الذي عرف بالثبات ثم ابتدأ كلاما آخر فقال ليس لي براح وان تكون حالا مؤكدة لقوله أنا ابن قيس كإنه قال أنا ابن قيس ثابتا في الحرب. ومجيء الحال بعد أنا ابن فلان كثير كقوله.

أنا ابن دارة مشهورا بها نسبي ***وهل بدارة يا للناس من عار

ويصح أن تكون في محل رفع خبرا بعد خبر. (والشاهد فيه) اجراء لا مجرى ليس (والمعنى) من اعرض عن نيران هذه الحرب اتقاء شرها فأنا ابن قيس لا أرهب منها ولا اتحول كما خاف منها وقعد عنها من يخاف بأسها ويتقي شرها.

ترك تعليق