الفصل الثالث: خبر إن وأخواتها
الفصل الثالث: خبر إن وأخواتها
سبب رفع خبر إن
هو المرفوع في نحو قولك إن زيدا أخوك، ولعل بشرا صاحبك. وارتفاعه عند أصحابنا بالحرف لأنه أشبه الفعل في لزومه الأسماء والماضي منه في بنائه على الفتح فألحق منصوبه بالمفعول ومرفوعه بالفاعل. ونزل قولك إن زيدا أخوك منزلة ضرب زيدا أخوك. وكأن عمرا الأسد منزلة فرس عمرا الأسد. وعند الكوفيين هو مرتفع بما كان مرتفعا به في قولك زيد أخوك ولا عمل للحرف فيه.
وجميع ما ذكر في خبر المبتدأ من أصنافه وأحواله وشرائطه قائم فيه، ما خلا جواز تقديمه إذا وقع ظرفا كقولك إن في الدار زيدا، ولعل عندك عمرا، وفي التنزيل: (إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ).
حذف خبر إن:
وإنّ عمرا أي إنّ لنا وقال الأعشى:
إنّ محلّا وإنّ مرتحلا***وإنّ في السّفر اذ مضوا مهلا[1]
وتقول إن غيرها إبلا وشاء أي إن لنا. وقال:
* يا ليت أيام الصّبى رواجعا[2]*
وقد حذف في قولهم إنّ مالا وإنّ ولدا وإنّ عددا أي إن لهم مالا.
اللغة المحل والمرتحل مصدران ميميان بمعنى الحلول والارتحال، أو إسما زمان أي وقت حلول ووقت ارتحال، والحلول بالمكان النزول فيه، والارتحال الانتقال عنه، وسفر جمع سافر وهو من خرج إلى السفر. قال في الصحاح: سفرت اسفر سفورا خرجت إلى السفر. هذا عند الأخفش. وعند سيبويه هو مفرد وضع لمعنى الجمع بدليل تصغيره على لفظه، والخلاف بينهما في كل ما يجيء من تركيبه إسم يقع على الواحد أما نحو غنم ورهط فانه اسم جمع اتفاقا. والمهل السبق. وقال ابن الحاجب المهل التأني والانتظار كأنه يقول إن فيمن مضى قبلنا إمهالا لنا ويروى مثلا أي عظة واعتبارا.
الاعراب إن حرف توكيد ونصب. ومحلا إسمها. وخبرها محذوف، أي لنا. وإن مرتحلا معطوف على إن محلا مثله. وفي السفر إسم إن الثالثة ومهلا خبرها. وجملة إذ مضوا معترضة بين إسم إن وخبرها. (والشاهد فيه) حذف خبر إن. والمعنى يقول إن لنا في الدنيا حلولا وإن لنا عنها إلى الآخرة ارتحالا وان في رحيل من رحل قبلنا مهلا أي سبقا وتقدما.
الاعراب يا اداة النداء والمنادى محذوف أي يا قوم أو يا هؤلاء.
تمن ونصب. وأيام إسمها وخبرها محذوف، أي لنا. ورواجعا حال من الضمير في متعلق الخبر المحذوف. والتقدير يا ليت أيام الصبا استقرت لنا في حال كونها رواجعا. والعامل فيها معني الفعل وهو استقرت. وذو الحال فاعل استقرت وهو ضمير الغائبة. وذهب الكوفيون إلى أن ليت تنصب مفعولين مثل أتمنى، وعليه فرواجع منصوب على أنه مفعول ثان له، وأيام مفعول أول. (والشاهد فيه) حذف خبر ليت. وهذا انما يتمشى على طريقة البصريين أما على طريقة الكوفيين فلا. والصواب أن الشاعر تميمي جرى على لغته من نصب الجزأين بليت.
ويقول الرجل للرجل هل لكم أحد من الناس عليكم فيقول إن زيدا أي يا ليت لنا. ومنه قول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لقرشي متّ إليه بقرابة: فإنّ ذاك. ثم ذكر حاجته فقال: لعل ذاك. أي فإن ذاك مصدّق ولعل مطلوبك حاصل. وقد التزم حذفه في قولهم ليت شعري.
[1] إسمه ميمون بن قيس بن جندل، وكنيته أبو بصير، فحل من فحول الجاهلية سلك في شعره كل مسلك، وله الدالية المشهورة التي قالها يمدح بها النبي صلّى الله عليه وسلّم وكان وفد عليه مسلما فصده المشركون عنه بمال اعطوه إياه. وهذا البيت مطلع قصيدة مدح بها سلامة ذا فائش الحميري وبعده:
استأثر الله بالوفاء وبالعد***ل وولى الملامة الرجلا
[2] تمامه إذ كنت في وادى العقيق راتعا وهو من الأبيات التي لم يعرف لها قائل. كذا ذكره البغدادي. وذكر السيوطي في شرح شواهد المغنى نقلا عن الجمحي إنه للعجاج، وإسمه عبد الله بن رؤبة، ويكني أبا الشعشاء. وإنما سمي العجاج لقوله (حتى يعج عندها من عجعجا).
