الفصل الثاني: المبتدأ والخبر

الفصل الثاني: المبتدأ والخبر

تعريفهما

هما الإسمان المجردان للإسناد نحو قولك زيد منطلق. والمراد بالتجريد اخلاؤهما من العوامل التي هي كان وإنّ وحسبت وأخواتها، لأنهما إذا لم يخلوا منها تلعبت بهما وغصبتهما القرار على الرفع. وإنما اشترط في التجريد أن يكون من أجل الإسناد لأنهما لو جرّدا للإسناد لكانا في حكم الأصوات التي حقها أن ينعق بها غير معربة لأن الإعراب لا يستحق إلا بعد العقد والتركيب. وكونهما مجردين للإسناد هو رافعهما لأنه معنى قد تناولهما معا تناولا واحدا من حيث أن الإسناد لا يتأتى بدون طرفين مسند ومسند إليه. ونظير ذلك أن معنى التشبيه في كأن لما اقتضى مشبها ومشبها به كانت عامله في الجزءين وشبههما بالفاعل أن المبتدأ مثله في أنه مسند إليه والخبر في أنه جزء ثان من الجملة.

أنواع المبتدأ

والمبتدأ على نوعين معرفة وهو القياس، ونكرة إمّا موصوفة كالتي في قوله عز وجل: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ وإمّا غير موصوفة كالتي في قولهم أرجل في الدار أم امرأة، وما أحد خير منك، وشرّ أهرّ ذا ناب، وتحت رأسي سرج، وعلى أبيه درع.

 أنواع الخبر

والخبر على نوعين مفرد وجملة. فالمفرد على ضربين خال عن الضمير ومتضمن له وذلك زيد غلامك وعمرو منطلق. والجملة على أربعة أضرب فعلية واسمية وشرطية وظرفية. وذلك زيد ذهب أخوه، وعمرو أبوه منطلق، وبكر ان تعطه يشكرك، وخالد في الدار.

ولا بد في الجملة الواقعة خبرا من ذكر يرجع إلى المبتدأ وقولك في الدار معناه استقرّ فيها. وقد يكون الراجع معلوما فيستغنى عن ذكره وذلك في مثل قولهم الكرّبستين، والسمن منّوان بدرهم. وقوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ.

تقدّم الخبر على المبتدأ:

ويجوز تقديم الخبر على المبتدأ كقولك تميمي أنا، ومشنوء من يشنؤك، وكقوله تعالى: ﴿سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ، وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ المعنى سواء عليهم الإنذار وعدمه. وقد التزم تقديمه فيما وقع فيه المبتدأ نكرة والخبر ظرفا وذلك قولك في الدار رجل. وأما سلام عليك وويل لك وما أشبههما من الأدعية فمتروكة على حالها إذا كانت منصوبة منزلة منزلة الفعل. وفي قولهم أين زيد وكيف عمرو ومتى القتال.

حذف المبتدأ أو الخبر

ويجوز حذف أحدهما. فمن حذف المبتدأ قول المستهل: الهلال والله، وقولك وقد شممت ريحا: المسك والله، أو رأيت شخصا فقلت: عبد الله وربي. ومنه قول المرقش:

لا يبعد الله التلبّب وال***غارات إذ قال الخميس نعم[1]

ومن حذف الخبر قولهم خرجت فإذا السبع، وقول ذي الرّمة:

فيا ظبية الوعساء بين جلاجل ****وبين النقا آأنت أم أمّ سالم [2]

ومنه قوله تعالى: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) يحتمل الأمرين أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أجمل. وقد التزم حذف الخبر في قولهم لو لا زيد لكان كذا لسد الجواب مسدّة. ومما حذف فيه الخبر لسد غيره مسده قولهم أقائم الزيدان، وضربي زيدا قائما، وأكثر شربي السّويق ملتوتا، وأخطب ما يكون الأمير قائما وقولهم كل رجل وضيعته.

وقد يقع المبتدأ والخبر معرفتين كقولك زيد المنطلق، والله إلهنا، ومحمد نبينا. ومنه قوله أنت أنت وقول أبي النجم:

* أنا أبو النجم وشعري شعري[3]

ولا يجوز تقديم الخبر هنا بل أيّهما قدمت فهو المبتدأ.

تعدد الخبر

وقد يجيء للمبتدأ خبران فصاعدا منه قولك هذا حلو حامض. وقوله تعالى: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ).

مبتدأ خبره محذوف تقديره آ أنت ظبية. وأم حرف عطف. وأم سالم عطف على الخبر المقدر. (والشاهد فيه) حذف خبر المبتدأ وهو أنت (والمعنى) يقول انه لما بين الظبية وأم سالم من تمام المشابهة وكمال المشاكلة قد أشكل عليه التمييز بينهما حتى صار لا يعرف إحداهما من الأخرى.

دخول الفاء على الخبر

إذا تضمن المبتدأ معنى الشرط جاز دخول الفاء على خبره، وذلك على نوعين الأسم الموصول والنكرة الموصوفة إذا كانت الصلة أو الصفة فعلا أو ظرفا كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وقوله: ﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ وقولك كل رجل يأتيني أو في الدار فله درهم. وإذا أدخلت ليت أو لعل لم تدخل الفاء بالإجماع. وفي دخول إنّ خلاف بين الأخفش وصاحب الكتاب (صاحب الكتاب يعني سيبويه وله كتاب في النحو إسمه (الكتاب)



[1] البيت للمرقش الأكبر واسمه عمرو وقيل عوف وانما سمي المرقش لقوله في هذه القصيدة

الدار قفر والرسوم كما***رقش في ظهر الأديم قلم

اللغة: يبعد من قولهم أبعده الله نحاه عن الخير. والتلبب أخذ السلاح للقتال والتأهب للكفاح. والغارات جمع غارة وهي دفع الخيل على العدو. والخميس الجيش له خمسة أقسام مقدمة وساقة وجناحان وقلب. ونعم واحد الانعام وهي المال الراعية من إبل وبقر وشاه. وقال ابن الاعرابي النعم الإبل خاصة والأنعام يعم الأصناف الثلاثة وليست نعم هذه حرف جواب كما أعربه بعض المعربين ثم طلب الشاهد في البيت فلم يجده.

الاعراب لا ناهية. ويبعد فعل مضارع مجزوم وحرك للساكنين. ولفظ الجلالة فاعله. والتلبب مفعوله. والغارات عطف عليه. وإذ ظرف زمان بمعنى حين. ونعم خبر مبتدأ محذوف، أي هذه نعم (والشاهد) في نعم حيث وقعت خبرا عن مبتدإ محذوف (والمعنى) لا يبعد الله التشمر للقاء الأعداء ودفع الخيل لمقاتلتهم حين يقول الجيش هذا نعم يحث على مقاتلة الأعداء واستلاب ماشيتهم ويتأسف على الغير سيما في أوقات الغنائم.

[2] البيت لذي الرمة واسمه غيلان العدوي. وانما قيل له ذا الرمة لقوله في أرجوزة له

لم يبق أبد الأبيد***غير ثلاث ما ثلاث سود

وغير مشجوج القفاه موتود***فيه بقايا رمة التقليد

يقول لم يبق من ديار المحبوبة إلا أحجار الأثافي والاوتد في رأسه بقية من رمة الطنب الذي كان معقودا فيه.

اللغة: الوعساء الأرض اللينة ذات الرمل. وجلاجل موضع. ويروى حلاحل بحائين مهملتين. والنقا الكثيب من الرمل. وأم سالم كنية مية صاحبته.

الاعراب: أيا حرف نداء. وظبية منادى مضاف منصوب. والوعساء مضاف إليه. بين ظرف مكان منصوب. وجلاجل مضاف إليه وبين النقا معطوف على بين الأول. وقوله آ أنت بهمزتين بينهما ألف وإنما زيدت الألف بينهما لاستثقال إجتماعهما واستقامة الوزن بها. وأنت

 

[3] تقدمت ترجمة أبي النجم قريبا وهذه الفقرة من ارجوزة له يقول فيها بعدها

لله دري ما اجن صدري ***من كلمات باقيات قفر

تنام عيني وفؤادي يسري ***مع العفاريت بأرض قفر

 الاعراب أنا ضمير المتكلم مبتدأ. وإنما ظهرت الألف إقامة للوصل مقام الوقف. وأبو خبر المبتدأ مرفوع بالواو لإنه من الأسماء الخمسة. والنجم مضاف إليه. وانما ساغ وقوعه خبرا لتضمنه نوع وصفية واشتهاره بالكمال. والمعنى أنا ذلك المعروف بالكمال (والشاهد) وقوع المبتدإ والخبر معرفتين.

 

ترك تعليق