الفصل الأول: الفاعل
الفصل الأول: الفاعل
الفاعل هو:
ما كان المسند إليه من فعل أو شبهه مقدما عليه أبدا كقولك ضرب زيد وزيد ضارب غلامه وحسن وجهه. وحقه الرفع. ورافعه ما أسند إليه. والأصل فيه أن يلي الفعل لأنه كالجزء منه فإذا قدم عليه غيره كان في النية مؤخرا ومن ثم جاز ضرب غلامه زيد وامتنع ضرب غلامه زيدا.
إضمار الفاعل:
ومضمره في الإسناد إليه كمظهره تقول ضربت وضربنا وضربوا وضربن وتقول زيد ضرب فتنوي في ضرب فاعلا وهو ضمير يرجع إلى زيد شبيه بالتاء الراجعة إلى أنا وأنت في أنا ضربت وأنت ضربت.
ومن إضمار الفاعل:
قولك ضربني وضربت زيدا، تضمر في الأول اسم من ضربك وضربته إضمارا على شريطة التفسير، لأنك لما حاولت في هذا الكلام أن تجعل زيدا فاعلا ومفعولا فوجهت الفعلين إليه استغنيت بذكره مرة. ولما لم يكن بدّ من إعمال أحدهما فيه أعملت الذي أوليته إياه. ومنه قول طفيل الغنويّ أنشده سيبويه:
وكمتا مدمّاة كأن متونها***جرى
فوقها واستشعرت لون مذهب[1]
وقال سيبويه سألت الخليل عن كميت فقال هو بمنزلة حميد يريد انه من الأسماء المصغرة التي لا تكبير لها.
والكمتة حمرة يخالطها سواد لم يخلص. (ومدماة) من دمي يدمي مدمي، يريد انها شديدة الحمرة مثل الدم (ومتون) جمع متن وهو الظهر (وجرى) سال (واستشعرت) جعلت لنفسها ذلك شعارا والشعار من الثياب ما يلي الجسد والدثار ما فوقه. (ومذهب) اسم مفعول من الاذهاب وهو التمويه بالذهب. وقيل المذهب من أسماء الذهب.
الاعراب:
وكمتا عطف على قوله وفينا رباط الخيل في البيت الذي قبله وهو
وفينا رباط كل مطهم ***وخيل كسرحان الغضى المتأوب
وكذلك إذا قلت ضربت وضربني زيد رفعته لإيلائك إياه الرافع، وحذفت مفعول الأول استغناء عنه. وعلى هذا أعمل الأقرب أبدا فتقول ضربت وضربني قومك. قال سيبويه ولو لم تحمل الكلام على الآخر لقلت ضربت وضربوني قومك. وهو الوجه المختار الذي ورد به التنزيل قال الله تعالى: (آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) و(هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَه) وإليه ذهب أصحابنا البصريون وقد يعمل الأول وهو قليل ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:
تنخّل فاستاكت به عود إسحل[2]
أي ترى فينا كمتا. ومدماة صفة كمتا كأن للتشبيه. ومتونها اسمه والضمير فيه إلى الكمت. وجرى فعل ماض فاعله مستتر فيه. وفوقها نصب على الظرفية أي فوق المتون. واستشعرت عطف على جرى. وفاعله مستتر فيه. ولون مفعول به. ومذهب مضاف إليه. وجملة جرى مع معطوفها في محل رفع خبر كأن. وجملة كأن مع إسمها وخبرها في موضع نصب صفة كمتا. (والشاهد فيه) ان جرى واستشعرت لما توجها إلى معمول واحد ظاهر بعدهما اعمل الأقرب وأضمر في الأسبق على طريقة البصريين والمعنى ظاهر.
اللغة لم تستك من الاستياك يقال سوك فاه واستاك. والأراكة واحدة الاراك الشجر الذي تتخذ منه المساويك وتنخل اختير. والاسحل شجر دقيق الأغصان يشبه الاثل تتخذ منه المساويك.
الاعراب: إذا ظرفية شرطية وهي ضمير منفصل لتعذر اتصاله بعد حذف عامله مثله قوله تعالى (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ) تقديره لو تملكون فحذف الفعل الذي هو عامل في الضمير المتصل فصار المتصل منفصلا ثم جيء بالفعل بعده تفسيرا لذلك الفعل المحذوف. ولم تستك جازم وفعل مضارع مجزوم فاعله مستتر فيه. وبعود اراكة متعلق به. وقوله تنخل فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله جزاء الشرط. وعود اسحل نائب الفاعل. وقوله فاستاكت عطف على تنخل وهو فعل ماض وفاعله ضمير مستتر فيه. وبه جار ومجرور في محل نصب مفعول استاكت. (والشاهد فيه) انه اعمل الفعل الأول وأضمر في الثاني لأن تقدير الكلام
وعليه الكوفيون. وتقول على المذهبين قاما وقعد أخواك وقام وقعد أخواك وليس قول امرىء القيس:
كفاني ولم أطلب قليل من المال[3]
من قبيل ما نحن بصدده إذ لم يوجه فيه الفعل الثاني إلى ما وجه إليه الأول. ومن إضماره قولهم إذا كان غدا. فائتني أي إذا كان ما نحن عليه غدا.
إضمار عامل الفاعل:
وقد يجيء الفاعل ورافعه مضمر. يقال من فعل؟ فتقول زيد، بإضمار فعل ومنه قوله تعالى: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجال) فيمن قرأها
تنخل عود اسحل فاستاكت به ولو أنه اعمل الثاني لقال تنخل فاستاكت بعود اسحل. (والمعنى) أن هذه المرأة إذا لم تجد الاراك لتستاك به تتخير لها عود اسحل فتستاك به. يريد أنها نظيفة لا تترك السواك بحال.
الاعراب لو لامتناع شيء لامتناع غيره تقول لو أن لي مالا لتصدقت منه أي امتنع التصدق لامتناع المال. وإن من الحروف المشبهة بالفعل أي لو أن سعيي والمصدر اسم أن. ولأدنى معيشة خبره. وكفاني جواب لو. وياؤه مفعوله. وقليل فاعله. ومن المال متعلق بقليل. وقوله ولم أطلب: الواو للعطف. ولم أطلب جازم ومجزوم. وفاعله ضمير المتكلم. ومفعوله محذوف تقديره الملك أو المجد المؤثل بدليل قوله في البيت بعده:
ولكنما
أسعى لمجد مؤثل ***وقد
يدرك المجد المؤثل أمثالي
(ومحل الكلام) فيه أن كفاني ولم أطلب لم يتوجها إلى معمول واحد وإن كان ظاهرهما يوهم انهما من باب التنازع. وجعله أبو علي الفارسي من باب التنازع بأن جعل الواو في قوله ولم أطلب للحال. والمعني عليه لو كان سعيي لأدنى معيشة كفاني قليل من المال حال كوني غير طالب له. ومعنى البيت على التقديرين ظاهر مما سبق.
مفتوحة الباء أي يسبحه رجال وبيت الكتاب.
ليبك يزيد ضارع لخصومة***ومختبط مما تطيح الطّوائح[4]
أي ليبكه ضارع. والمرفوع في قولهم: هل زيد فاعل فعل مضمر يفسره الظاهر. وكذلك في قوله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ). وبيت الحماسة:
* إن ذو لوثة لانا *
وفي مثل العرب لو ذات سوار لطمتني وقوله عز وجل: (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ) على معنى ولو ثبت. ومنه المثل الأحظيّة فلا ألية أي إن لا تكن لك في النساء حظية فإني في غير ألية.
عليه لأنهما أعظم الناس مصابا فيه.
هذا بعض البيت وتمامه:
إذا لقام بنصري معشر خشن ***عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا
والبيت لقريط بن أنيف العنبري من قصيدة يهجو بها قومه ويذكر تقاعسهم عن نصرته.
وذلك أن قوما من بني شيبان أغاروا عليه فأخذوا له ثلاثين بعيرا فاستنجد قومه فلم ينجدوه، ثم أتي مازن تميم فركب معه نفر منهم فاطردوا لبني شيبان مائة بعير فدفعوها له، فقال يمدحهم ويهجو قومه، وقبل البيت وهو أول القصيدة:
لو
كنت من مازن لم تسبح إبلي *** بنو
اللقيطة من ذهل بن شيبانا
اللغة المعشر اسم للجماعة يكون أمرهم واحدا. وخشن جمع بكسر الشين وهو الشديد. وقيل أخشن والجمع خشن بسكون الشين نحو قوله:
ألين مسا في حوايا البطن ***من يثربيات قناذ خشن
وضم الشين ضرورة. والحفيظة الغضب للشيء يجب عليك حفظه، يقال كلمة فأحفظه. واللوثة بضم اللام الضعف. وهي الرواية الثابتة وبالفتح الشدة والقوة.
الاعراب إذا حرف مصدري ونصب ومعناها الجواب والجزاء دائما، ولو تقديرا وقوله لقام أللام للقسم أي والله لقام وبنصري متعلق بقام ومعشر فاعله وخشن صفة الفاعل، وجملة إذا لقام الخ جواب لو المقدرة، أي لو فعلوا ذلك إذا لقام بنصري وليس بدلا من قوله في البيت قبله لم تستبح ابلي كما جعله ابن هشام في مغنيه. وعند الحفيظة متعلق بخشن. وذو فاعل مرفوع بفعل محذوف يدل عليه المذكور. وجواب الشرط محذوف يدل عليه السياق أي قام بنصري معشر خشن. (والشاهد فيه) في ذو حيث وقع مرفوعا بفعل مقدر يدل عليه الظاهر. (والمعنى) لو استباح بنو اللقيطة ابلي وكنت من بني مازن لقام بنصري منهم أشداء على الأعداء مجيبون للنداء ان قعد الضعيف عن نصري قاموا به.
[1] البيت لطفيل بن عوف بن ضبيس الغنوي من قصيدة طويلة يصف فيها الخيل والخباء. أولها:
وبيت تهب الريح في حجراته *** بأرض فضاء بابه لم يحجب
اللغة: كمتا جمع أكمت وليس بجمع كميت لأن المصغر لا يجوز جمعه لزوال علامة التصغير بالجمع.
[2] هذا عجز البيت وصدره (إذا هي لم تستك بعود اراكة). وقد نسبه المصنف هنا إلى عمر بن أبي ربيعة. ونسبه الحرمي إلى المقنع الكندي.
والصواب ما قاله الأصمعي من إنه لطفيل الغنوي من قصيدة طويلة شبب فيها بامرأة تسمى سعدى، منها:
ديار لسعدى إذ سعاد جداية**من الادم خمصان الحشى غير خنثل
[3] صدره (ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة) والبيت كما قال لامريء القيس بن حجر الكندي من قصيدة طويلة أولها:
ألا عم صباحا أيها الطلل البالي **وهل يعمن من كان في العصر الخالي
[4] وقع في قائل هذا البيت اختلاف كثير: فقيل هو للحارث بن نهيك النهشلي.
وقيل إنه لضرار النهشلي. وقيل لمزرد أخي الشماخ. وقيل إنه لمهلهل بن ربيعة. والصواب إنه لنهشل ابن جري بن ضمرة النهشلي من قصيدة يرثي بها أخاه يزيد بن نهشل أولها:
لعمري لئن أمسى يزيد بن نهشل **حشا جدث تسفي عليه الروائح
اللغة ضارع من الضراعة وهي التذلل والخضوع، يقال ضرع فلان وأضرعه غيره. والمختبط الذي يطلب المعروف بلا وسيلة ولا سابق معرفة وأصله الخبط وهو ضرب الشجرة ليسقط ورقها. ويروى ومستمنح أي مستجد. وقوله مما تطيح الطوائح أي مما تهلك المهلكات. يقال طاح يطوح ويطيح إذا هلك، والطوائح جمع على غير قياس لأن فعله رباعي، يقال أطاحه وطوحه. فقياس جمعه مطيحات ومطاوح فجمع هكذا بحذف الزوائد. قال الجوهري وهو نادر. ونقل الأصمعي أن العرب تقول طاح الشيء وطاحه غيره بمعنى أبعده وعليه فالطوائح جمع طائحة من المتعدي قياسا لا شذوذ فيه.
الاعراب ليبك اللام لام الأمر. ويبك مبني لما لم يسم فاعله مجزوم بها. ويزيد نائب الفاعل وهو ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل. وضارع مرفوع بفعل محذوف. ولخصومة متعلق به. وقوله ومختبط عطف على ضارع. وقوله مما جار ومجرور متعلق بمختبط وما فيه حرف مصدري. وتطيح فعل مضارع مؤول بالمصدر أي من اطاحة والطوائح فاعله. (والشاهد فيه) أن ضارع ارتفع بفعل مقدر وهذا على رواية يبك بالبناء للمفعول.
أما على روايته بالبناء للفاعل فضارع فاعله ويزيد مفعوله، ولا شاهد ولا حذف. وجعل العسكري هذه الرواية هي الثابتة وعد الأولى من تصحيف النحويين واوهامهم. والمعنى ليبك يزيد كل أحد، وليبكه ضارع ومختبط. وإنما خص بعد التعميم ليدل على انهما أولى بالبكاء
