حكم الجمل الاسمية الحالية غير المرتبطة بالواو عند النحويين الموجبين
حكم الجمل الاسمية الحالية غير المرتبطة بالواو عند النحويين الموجبين
يقع الذين أوجبوا ربطَ الجملة الاسمية الحالية بالواو في مأخذ أكبر من مأخذ الذين أجازوا؛ لأن حكمهم الصريح بشذوذ حذف الواو في نحو قول العرب: كلمته فوه إلى في، تدخل فيه كل الآيات غير المرتبطة بالواو التي مرَّ ذكرها.
إن هذا الفريق من النحويين لم يستطع أن يُبعد الشذوذ عن الآيات القرآنية إلا بتأويل متكلَّف ومردود، فقد أكَّد ابن الحاجب أن حذف الواو في مثل: “جاء زيد ويده على رأسه، استغناء بالضمير شاذ”[1]، ثم تطرَّق في هذا الصدد إلى الجملة الاسمية الحالية في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: 60]؛ لأنها دخلت في حكم الشذوذ لعدم ارتباطها بالواو، ولكي يبعد الآية عن هذا الحكم ذكر أنه “قد جاز حذف الواو كراهة اجتماع الواوين، كما حذفت واو العطف من قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ [الغاشية: 8]؛ تخفيفًا لاجتماع الواوين”[2].
والآية التي استشهد بها هي في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية: 1 – 9].
فقد قصد أن الآية ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ هي في الأصل معطوفة على الآية ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ التي قبلها، والمفصولة عنها ببضع آيات، قلم يقل سبحانه: (ووجوه يومئذ ناعمة)؛ كراهةَ اجتماع واوين: العطف والأصلية.
وهذا الحذف قد يجوز لهذا السبب، لو كانت الواوان متقاربتين في غرضيهما، لتعوض إحداهما عن الأخرى إذا حُذفت، لكن المحذوفة كانت كلمة، والباقية حرف أصيل، كما أنه إذا كانت الآية التي استشهد بها حُذفت منها الواو كراهةَ اجتماع واوين، فما بالها لم تحذف في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: 22 – 25]، وفي قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: 38 – 41]؟
فالآيتان المبدوءتان بالواو هنا كالتي هناك تمامًا.
إن التعليل الذي ساقه في هذا الباب ظاهر فيه التكلف، فهل ورد في قواعد اللغة العربية حذف الواو لالتقائها بواو أصلية تبتدئ بها كلمة أخرى؟ فالواو التي حُذفت برأي ابن الحاجب واجبة الذكر، فحذفها لا يمكن أن يكون إلا لداع قوي، فالعلة التي ذكرها تقضي بحذف الواو دائمًا، أو تُكثِر منه في الأقل؛ لأن هذا الالتقاء لما حُذف واو الحال الواجبة الإثبات، فهو لحذف غيرها من التي لا يجب إثباتها من باب أَولى، لذلك أقول: إنه لو صح التعليل الذي ذكره، لشاع مثل هذا الحذف وعاد معروفًا في النحو العربي؛ لأن التقاء الواو بكلمة مبدوءة بالواو، ليست حالة نادرة، بل هي حالة اعتيادية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن ابن الحاجب إذا علل حذف الواو في قوله تعالى: ﴿وُجُوهُهُم مسْوَدةٌ﴾ بما ذكره، فما قوله في آيات غيرها حُذفت منها الواو وليس فيها ما ذكره؟ كقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: 49، 50][3] ، فهذه الآية والشواهد السابقة التي ذكرت في هذا الباب جميعها، تضمنت جملًا اسمية حالية غير مرتبطة بالواو، مأع أنها لم يبتدئ مبتدؤها بالواو، لتحذف منها واو الحال الداخلة عليها لاجتماع واوين.
___________________________________________المصدر: الألوكة
—————————————————————-
[1] شرح الوافية، ص221.
[2] شرح الوافية، ص221.
[3] سورة إبراهيم، الآية 50، الفريد في إعراب القرآن المجيد، لابن أبي العز الهمداني، مخطوط، ورقة 148.
