معجزة القرآن في فطرة طفل: قصة أحمد وابن السنتين

يروي الكاتب في هذا المقال الرائع تجربة شخصية استثنائية وطريفة حدثت مع طفله الصغير أحمد، حين كان في سن السنتين فقط من عمره. هذا الموقف ليس مجرَّد قصة عابرة، بل هو دليل ساطع وجليٌّ واضحٌ على إعجاز كتاب الله الكريم القرآن، الذي يُظْهِر قدرته الفريدة في التأثير على النفوس الفطرية النقية. إنها آية من آيات الله سبحانه وتعالى تُبرز عظمة كلامه الذي لا يُشْبِهُهُ كلام البشر، وتُثْبِتُ تفوُّقَهُ اللغويِّ البيِّنِ في التمييز التلقائيِّ حتى لدى طفل لم يتجاوز السنتين.

نشأ أحمد رحمة الله عليه في طفولته البريئة يكتسبُ اللسانَ العربيَّ المُبِينَ اكتسابًا فطريًّا خالصًا، وذلك بفضلِ النهجِ التربويِّ الذي اتبعه والده منذ اللحظة الأولى التي أقْبَلَ فيها الطفل إلى الدنيا. كان الكاتبُ يُخاطِبُ ابنهُ بالعربيَّةِ الفُصْحَىِ مُذْ يَوْمِهِ الأَوَّلِ، مُطْبِقًا في ذلكَ نَظْرِيَّةَ أَسْتَاذِنَا الرَّائِدِ الدُّكْتُورِ عَبْدِ اللَّهِ الدَّنَّانِ حَفِظَهُ اللَّهُ وَأَعْلَا شَأْنَهُ وَمُتَّبِعًا طَرِيقَتَهُ الَّتِي تُعَلِّمُ الأَطْفَالَ اللُّغَةَ الْفُصْحَى بِالْفِطْرَةِ الْخَالِصَةِ. وقد نجحت هذه الطريقةُ نجاحًا عظيمًا باهرًا لا يُضْرَبُ لهُ مِثْلٌ، فكانتْ مِنْ أَعْظَمِ ثِمَارِهَا وَمَنَافِعِهَا تَعَلُّقُ أَحْمَدِ الشَّدِيدِ الْعَمِيقِ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، كِتَابِ اللَّهِ الْمُعْجِزِ الْخَالِدِ. أصبحَ الطَّفْلُ كَثِيرَ الْأُنْسِ بِهِ، تَطْمَئِنُّ نَفْسُهُ بِالِاسْتِمَاعِ إِلَيْهِ وَالْإِصْغَاءِ لِتَرْتِيلِهِ الْجَمِيلِ، لَا يَفْتَأُ يَطْلُبُ إِلَىَّ وَإِلَى أُمِّهِ أَنْ نَقْرَأَ لَهُ مِنْ آيَاتِهِ الْكَرِيمَةِ وَنَتْلُوَهَا عَلَى مَسْمَعَيْهِ الصَّغِيرَيْنِ بِرِقَّةٍ وَحُنَانٍ.

تعلُّق أحمد الفطري بالقرآن الكريم: دليل على إعجازه اللغوي

كانَ أَحْمَدُ بِلَغَتِهِ الطُّفُولِيَّةِ الْبَرِيئَةِ يُسَمِّي الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ بِـ”أُوْدِّهِ”، وَهُوَ اسْمٌ طِفْلِيٌّ مُؤْثِرٌ يَعْكِسُ حُبَّهُ الْفِطْرِيَّ الْعَمِيقَ. فَإِذَا سَئِمَ اللَّعِبَ وَمَلَّهُ، قَالَ لِي بِصَوْتِهِ الْحُلْوِ: “بَابَا أُوْدِّهِ”، وَإِذَا ضَاقَ الصَّدْرُ وَانْزَعَجَ، قَالَ لِأُمِّهِ: “مَامَا أُوْدِّهِ”. بَلْ كَانَ يَذْهَبُ بِمُفْرَدِهِ إِلَى مَكْتَبَتِي الْعَارِضَةِ، وَيَأْتِي بِالْمُصْحَفِ الشَّرِيفِ، تَنُؤُ بِثِقْلِهِ يَدَاهُ الْغَضَّتَانِ الصَّغِيرَتَانِ، لِيَقُولَ لِي أَوْ لِأُمِّهِ بِلَهْجَةٍ حَانِيَةٍ مَلِيئَةٍ بِالرَّجَاءِ وَالْتَّضَرُّعِ الْمُؤْثِرِ: “أُوْدِّهِ… أُوْدِّهِ”. إِنَّ هَذَا التَّعَلُّقَ لَيْسَ عَادِيًّا، بَلْ هُوَ دَلِيلٌ فِطْرِيٌّ عَلَى جَاذِبِيَّةِ الْقُرْآنِ وَتَأْثِيرِهِ الْرُوحِيِّ الْخَاصِّ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ وَحْدَهُ.

ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الصَّيْفِ أَوْ الشِّتَاءِ لَا يَذْكُرُ الْكَاتِبُ تَفْصِيلَهَا بِالضَّبْطِ حُرْتُ (أَيْ رَجَعْتُ) إِلَى الدَّارِ مُتَأَخِّرًا جِدًّا عَنْ مَوْعِدِي الْمُعْتَادِ، فَأَلْفَيْتُ أَحْمَدَ فِي ضَيْقٍ شَدِيدٍ وَبُكَاءٍ مُرٍّ، يَتَقَلَّبُ فِي سَرِيرِهِ الصَّغِيرِ بِلاَ قَرَارٍ أَوْ سَكِينَةٍ. كَانَ أُمُّهُ إِلَى جَنْبِهِ تُحَاوِلُ أَنْ تَهْدِئَ جَانَانَهُ الْمُضْطَرِبَ لِيَنَامَ، وَلَكِنْ عَبَثًا تُحَاوِلُ، قَدْ أَعْيَاهَا حَالُهُ حَتَّى مَسَّهَا اللُّغُوبُ وَالْإِرْهَاقُ الشَّدِيدُ. فَعَرَضْتُ عَلَيْهَا أَنْ تَرْتَاحَ وَتَنَامَ هَادِئَةً، عَلَى أَنْ أَتَوَلَّى بِنَفْسِي تَهْدِئَتَهُ وَتَنْوِيمَهُ بِكُلِّ وَسَائِلِي الْمُمْكِنَةِ.

ليلة البكاء الشديد: اختبار فطرة الطفل مع القرآن

اسْتَلْقَيْتُ عَلَى ظَهْرِي بِرِاحَةٍ نِسْبِيَّةٍ، وَوَضَعْتُ صَفْحَةَ خَدِّ أَحْمَدِ الْنَّاعِمِ عَلَى صَدْرِي الْوَاسِعِ، وَشَرَعْتُ أُرَبِّتُ عَلَى ظَهْرِهِ وَعَاتِقِهِ بِيَدِي الْيُمْنَى بِحَرَكَةٍ مُهَدِّئَةٍ وَمُنْسَيَّةٍ. وَهُوَ مَاضٍ فِي بُكَائِهِ بُكَاءً مُرًّا غَيْرَ عَادِيٍّ يَفُوقُ الْوَصْفَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ الصَّغِيرَ وَقَالَ لِي بِحَزْمٍ وَعَزْمٍ طِفْلِيٍّ: “بَابَا أُوْدِّهِ… بَابَا أُوْدِّهِ”. فَأَخَذْتُ أَقْرَأُ لَهُ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ أَطْرَافًا مُخْتَارَةً بِرِقَّةٍ وَتَرْتِيلٍ جَمِيلٍ، حَتَّى هَدَأَتْ نَفْسُهُ الْمُضْطَرِبَةُ، وَاطْمَأَنَّ جَسْدُهُ الصَّغِيرُ، وَظَنَنْتُهُ قَدْ نَامَ نَوْمَةَ الْأَطْفَالِ الْعَمِيقَةِ. وَمَا إِنْ هَمَمْتُ بِالْقِيَامِ إِلَى سَرِيرِي وَكُنْتُ كُلَّ التَّعِبِ وَالْإِرْهَاقِ مِنْ يَوْمِي الطَّوِيلِ حَتَّى عَادَ إِلَى الْبُكَاءِ وَالنَّحِيبِ يَرْفَعُ بِهِمَا عُقِيرَتَهُ الصَّغِيرَةَ، وَيَصْرُخُ بِي بِحَدَّةٍ وَإِسْرَاعٍ: “بَابَا أُوْدِّهِ… بَابَا أُوْدِّهِ”.

فَرَجَعْتُ إِلَى حَدَائِقِ الْقُرْآنِ الْخَضْرَاءِ أَتَخَيَّرُ لَهُ مِنْ أَزَاهِيرِهَا الْمُنْتَقَاةِ، عَسَاهُ يَسْتَنْشِقُ شَذَاهَا الْعَطِرَ فَيَنَامَ قَرِيرَ الْعَيْنِ هَانِيًا مُطْمَئِنًّا. وَحَقًّا سَكَنَ وَنَامَ نَوْمَةً هَادِئَةً، وَلَمْ أَكُنْ أَشُكُّ بَتَّةً فِي أَنَّهُ اسْتَغْرَقَ فِي نَوْمٍ عَمِيقٍ وَمُطَوَّلٍ. وَحِينَ تَهَيَّأْتُ لِلْقِيَامِ مَرَّةً أُخْرَى، فَاجَأَنِي بِبُكَاءٍ شَدِيدٍ يَكَادُ يَبْلُغُ عَنَانَ السَّمَاءِ وَيَهْزُزُ الْجُدْرَانَ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي بِتَفْكِيرٍ عَمِيقٍ: لَعَلَّ عَيْنًا أَصَابَتْهُ بِسُوءٍ وَحَسَدٍ، وَقَدْ قَالَ الصَّادِقُ الْمُصْدُوقُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: “الْعَيْنُ حَقٌّ”، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى رَأْسِهِ أَرْقِيهِ بِالْقُرْآنِ وَأَدْعُو لَهُ بِالْكَلِمَاتِ الْمَأْثُورَةِ: “أُعِيذُكَ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ”، وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَدْعِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ.

فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَصَاحَ بِغَضَبٍ وَعَزْمٍ طِفْلِيٍّ شَدِيدٍ: “بَابَا أُوْدِّهِ أُوْدِّهِ”، هُوَ لَا يُرِيدُ عَنِ الْقُرْآنِ بَدِيلًا وَلَا نَظِيرًا، حَتَّى الدُّعَاءُ لَمْ يَرْضَ بِهِ وَلَمْ يَطِبْ لَهُ قَلْبُهُ الصَّغِيرُ. فَعَجِبْتُ لِذَلِكَ أَشَدَّ الْعَجَبِ وَالْتَّعَجُّبِ، وَوَقَعَ فِي رُوعِي أَمْرٌ جَلِيلٌ يَسْتَحِقُّ التَّأَمُّلَ: كَيْفَ تَسَنَّى لَهُ أَنْ يُمَيِّزَ الدُّعَاءَ مِنَ الْقُرْآنِ بِهَذِهِ الدَّقَّةِ؟ وَهَلْ هُوَ بِحَقٍّ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ بِفِطْرَتِهِ؟ فَرَأَيْتُهَا فُرْصَةً سَانِحَةً نَادِرَةً لِأَجْرِبَ أَمْرًا جَدِيرًا بِالتَّجْرِيبِ الْعِلْمِيِّ وَالْفِطْرِيِّ.

الاختبار الحاسم: تمييز كلام الله عن غيره بدقة فطرية

فَرَتَّلْتُ لَهُ بَعْضَ السُّوَرِ الْقَصِيرَةِ الْمَشْهُورَةِ مَجَوَّدَةً بِتَرْتِيلٍ حَسَنٍ، مَلْحَنَةً بِلَحْنٍ مَعْيَنٍ مُؤَثِّرٍ، وَخَتَمْتُهَا بِسُورَةِ النَّاسِ الْكَرِيمَةِ، مُوْصُولَةً بِالْدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ الْمَشْهُورِ: “اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، أَذْهِبِ الْبَاسَ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا”، مُتَّبِعًا الْلَحْنَ نَفْسَهُ وَالْأَدَاءَ ذَاَتَهُ بِدِقَّةٍ عَالِيَةٍ لِأَكُونَ مُتَسَاوِيًا فِي الْإِيقَاعِ وَالْأُسْلُوبِ. وَهُنَا وَقَعَ مَا لَمْ يَكُنْ بِالْحُسْبَانِ أَبَدًا، فَوَاللَّهِ الْعَظِيمِ مَا إِنْ انْتَقَلْتُ مِنَ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ إِلَى الْدُّعَاءِ حَتَّى انْتَفَضَ كَالْمَرَّاتِ السَّابِقَةِ لِيَقُولَ لِي بِحَنَقٍ وَغَيْظٍ طِفْلِيٍّ مُؤْثِرٍ: “بَابَا أُوْدِّهِ أُوْدِّهِ… بَابَا أُوْدِّهِ”.

فَتَيَقَّنْتُ يَقِينًا تَامًّا قَاطِعًا لَا رِيْبَ فِيهِ وَلَا شَكَّ يُطْعَنُ فِيهِ أَبَدًا، أَنَّ أَحْمَدَ بِفِطْرَتِهِ السَّوِيَّةِ الْخَالِصَةِ، وَبِتَلَقِّيهِ الْفِطْرِيِّ السَّلِيمِ لِلْعَرَبِيَّةِ الْفُصْحَى لُغَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمَيِّزَ كَلاَمَ اللَّهِ الْمُعْجِزِ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْكَلاَمِ بِدِقَّةٍ جَلِيَّةٍ، أَيًّا كَانَ ذَلِكَ الْكَلاَمُ وَمَهْمَا عَلَا فِي سَمَاءِ الْفَصَاحَةِ وَالْبَيَانِ وَالْبَلَاغَةِ، وَلَوْ أُدِّيَ بِالْأَدَاءِ ذَاتِهِ وَرُتِّلَ بِالتَّرْتِيلِ عَيْنِهِ وَالْلَحْنِ نَفْسِهِ.

إعجاز القرآن الخالد: دليل فطري لا يُنْكَر

إِنَّهَا لَلْمُعْجِزَةُ الْبَاقِيَةُ الْخَالِدَةُ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْعَظِيمِ، لَا يُبْلِيهَا تَعَاقُبُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَلَا تَدَاعَيَاتُ الزَّمَنِ، حَتَّى يَرِثَ اللَّهُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. وَلَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يُدْرِكَهَا إِلَّا مَنْ فُطِرَ عَلَى لُغَةِ الْقُرْآنِ الْفُصْحَى، تَتَشَرَّبُهَا نَفْسُهُ الْخَالِصَةُ، وَتَجْرِي بِهَا عُرُوقُهُ وَدِمَاؤُهُ كَالْأَنْهَارِ الْجَارِيَةِ. هَذِهِ الْقِصَّةُ لَيْسَتْ مُبْتَدَعَةً، بَلْ هِيَ شَاهِدٌ حَيٌّ عَلَى إِعْجَازِ الْقُرْآنِ فِي الْبَلَاغَةِ وَالْإِعْجَازِ الْلُّغَوِيِّ، وَتَدْعُو كُلَّ وَالِدٍ إِلَى تَرْبِيَةِ أَطْفَالِهِ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ الْفُصْحَى لِيَذُوقُوا هَذَا الْإِعْجَازَ بِأَنْفُسِهِمْ.

المصادر المذكورة في المقال الأصلي:

نظرية وطريقة الدكتور عبد الله الدنان في تعليم الأطفال اللغة الفصحى بالفطرة (غير محدد مصدر كتاب أو دراسة بعنوان معين، لكنها مرجع تربوي معروف).

ترك تعليق