من الشحذ إلى التشريع: استكشاف الأصل اللغوي والدلالي لكلمة “السُّنَّة”

الجذور الصرفية والدلالة المادية الأولى: الشحذ والصقل

كلمة “السُّنَّة”، على المستوى الصرفي، هي مشتقة من الجذر الثلاثي (س- ن – ن). وتُعد الدلالة المادية الأولى لهذا الجذر هي الشحذ أو السنّ، وهي عملية إعداد وتحديد حافة الأداة لتصبح حادة وقابلة للاستخدام. فمثلاً، يقال: “سَنَّ المدية” أو “سَنَّ الرمح”، أي قام بتحديدهما وتجهيزهما.

وتتجلى هذه الدلالة بوضوح في الشعر الجاهلي؛ حيث وصف الشاعر بشامة بن الغدير سيفه بقوله:

وَبقاءِ مطرورٍ تَخَيَّرَهُ صنعٌ لطول السَّنِّ والوقع [1]

في هذا البيت، يشير الشاعر إلى سيفٍ محدد (مطرور) اختاره صانع ماهر، نتيجة لشحذه وسنّه لفترة طويلة استعداداً للقتال. هذا الصنع الطويل وعملية السنّ هي التي أكسبت السيف صفة البقاء والقوة.

التحول الدلالي: من التشكيل المادي إلى الصياغة والإبداع

انتقلت الدلالة الاشتقاقية للفعل “سَنَّ” من مفهوم الشحذ المادي إلى معنى أعم وأكثر تجريدًا، وهو التصوير والتشكيل أو الإنتاج النموذجي.

ولهذا، فإن تعبير “سَنَّ الطين” يعني تشكيل الصلصال وصنعه في قالب معين أو إناء خزفي. وكما هو واضح، فإن مصطلح “السنن” في هذا السياق يحمل معنى خلق شيء جديد أو إبداعه، أو عرض ممارسة لم تكن موجودة من قبل.

ويُعدّ هذا المعنى أساسًا لفهم الاستعمالات التاريخية والاجتماعية للكلمة. ففي قوله: “هو أول مَنْ سَنَّ الرحلتين” [2]، يشير الفعل “سَنَّ” إلى أن هاشم بن عبد مناف هو أول من ابتدأ فكرة تنظيم القوافل التجارية السنوية التي تتم رحلتين: واحدة في الشتاء وأخرى في الصيف، مُنشئًا بذلك سابقةً تجارية جديدة.

ويؤكد الشاعر نُصَيْب هذا المعنى المتعلق بالإبداع والسبق الفردي في إقامة عادة أو ممارسة، عندما قال:

كأني سننتُ الحبَّ أَوَّل عاشقٍ مِنَ النَّاسِ إِذ أحببتُ من بينهم وحدي

يُعبِّر الشاعر هنا عن شعوره بأنه يبدو وكأنه أول من ابتدأ الحب بين البشر، وأنه قام بـ “صياغة” هذه التجربة، أو إقامة مدرسة للحب لم يسبقه إليها أحد. وعليه، فإن القاعدة اللغوية التي تحكم هذه الدلالة هي: كل مَن ابتدأ أمرًا واقتُدِيَ به فيه من بعده، قيل: هو الذي سَنَّه.

الاستمرارية والتتابع: دلالة العمل المتواصل

يحمل الفعل “سَنَّ” دلالة قوية على الاستمرارية أو التتابع في الفعل. وهذا المعنى يشير إلى العمل غير المنقطع أو المصبوب بشكل متواصل.

عندما يقال: “سننتُ الماء على وجهي”، فالمعنى هو الاستمرار في صب الماء على الوجه تتابعاً [3].

وعندما يقال: “سننتُ التراب على وجهِ الأرضِ”، فالمقصود هو استمرار سقوط التراب أو الغبار على الأرض [4].

وتظهر هذه الدلالة في وصف الشاعر الفحل بشر بن أبي خازم لجمال محبوبته، حين يقول:

وأَبْلَجَ مُشْرِقِ الخَدَّيْنِ فَخْمٍ يُسَنُّ عَلَى مَراغِمِهِ القَسَامُ [5]

الشاعر يستخدم هنا لفظ “يُسَنُّ” بمفهوم الاستمرارية والدوام، أي أنَّ الحسن والجمال (القَسَام) لا يزال يغدق ويتوالى نزوله على وجه محبوبته (مراغمه)، في تدفق مستمر لا ينقطع.

بناءً على ما تقدم، يمكن تلخيص الأصل الدلالي لكلمة “سنة” في دلالتين أساسيتين متلازمتين:

1)  تقديم أو صياغة شيء جديد (الإبداع والتشكيل).

2)  الاستمرارية في الفعل أو العمل (الدوام والتتابع).

لهذا، يمكن تعريف “السُّنَّة” بأنها: عادة أو ممارسة تُتَّخذ مثالًا يُحتذى به لكونها جديدة ومستدامة.

وفي هذا الإطار، يقول الشاعر بشامة بن الغدير:

وبدأتُم للنَّاسِ سُنَّتَها وقعدتُم للريحِ في رَجْعِ [6]

أي أنهم بدأوا (سنوا) للناس طريقتها أو عادتها، مما يؤكد معنى البدء لشيء جديد يصبح سنةً يُحتذى بها.

التوظيف الشرعي: السنة مثالاً يُحتذى به ومسلكاً للحياة

مع تطور الاستعمال، وجدت هذه الكلمة مكانة محورية في نصوص الحديث والسنة النبوية، محافظة على دلالتها الأصلية التي تجمع بين الإبداع (القدوة) والاستمرارية (العمل المتواصل).

فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لن يوجد نبيٌّ مرة أخرى، ولكن النبيَّ كَان له حوارييه الذين يعملونَ طبقًا لسُنتهِ ومسلكهِ» [7]. هنا، تعبر “السنة” عن النموذج والسلوك المتبع الذي ينبغي على الحواريين الاقتداء به والعمل بموجبه.

كما استُخدِم التعبير «سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتابِ» [8]، من قبل النبي صلى الله عليه وسلم، في توضيح كيفية التعامل مع فئة معينة، حيث يعني: اتخذوا معهم طريقة أهل الكتاب ومسلكهم في التعامل.

الثبات والتحديد: “سَنَّ” بمعنى الفرض واللزوم

يحمل الفعل “سَنَّ” دلالة أخرى تشير إلى التحديد والثبات واللزوم، وهو بهذا المعنى يكاد يساوي كلمة “الفرض”.

من الأمثلة على ذلك، ما ورد في سياق اجتماعي، عندما طلب يزيد بن عبد الملك الزواج من أخت خالد بن المطرف، فقال له الأخير: “إنَّ أبي قد (سَنَّ) لزواجها عشرين ألف دينار.” فقد استخدم خالد الفعل “سَنَّ” بمعنى فرض أو حدَّد هذا المبلغ على وجه الثبات واللزوم.

وفي سياق تاريخي وإداري، ورد في تاريخ الطبري أنَّه لما تأثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأداء جنوده، (سَنَّ) لهم مكافأة قدرها ألف دينار. فـ (سنَّ) في هذا الموضع تعني فرض أو حدَّد هذا العطاء بشكل قاطع.

السنن والطريق: الترادف الدلالي بين السنة والمنهج

هناك اشتقاق آخر لمصطلح “السنة” من مصدر آخر هو (سَنن) أو (سُنن) أو (سِنَن)، والتي تعني طريقة في الحياة أو مسلكًا.

ومن ذلك تعبير: “تَنَح عن سَنَنِ الطريقِ” [9]؛ أي تجنَّب وسط الطريق (أو المسلك المعتاد). ونلاحظ هنا أن الدلالة الحقيقية للاستمرارية متضمنة في هذا المعنى، وتعني: سر بعيدًا عن وسط الطريق [10]. ففي “سَنَن الطريق” نلمس معنى الاستمرارية من خلال سير المتواصلين على قطعة بعينها من الأرض، مما جعلها طريقاً مسلوكاً أو مسناً.

هذا التشابه في الدلالة الأصلية بين مفهوم (الاستمرارية) و (الطريقة المسلوكة) هو الذي جعل كلمة (سُنَّة) مرادفة لكلمة (طريق) أو (طريقة). وقد استخدم الشاعر أُفْنُون هذا المعنى عندما قال:

لما فَدَوا بأخيهم مِنْ مَهولةٍ أخا السَّكون ولا جارُوا على السُّنن [11]

في هذا الاستعمال، تُعرَّف (السُّنَّة) أحيانًا بأنها: الطريق القويم، أو الطريق المسلوكة، أو الطريق المعبدة (الممهدة).

التطور النهائي: السنة مرادفة للسيرة والسلوك

في المرحلة النهائية من تطور المعنى، اتسعت دلالة “السُّنَّة” اللغوية لتشمل سلوك الإنسان بشكل عام، فأصبحت تعني (طريقة التصرف) أو (السلوك).

وبفضل هذا التطور الدلالي، أصبح لفظ (السُّنَّة) مرادفًا لكلمة (السيرة)، ومن ثم تطابق المصطلحين، ويمكن استخدام أحدهما بدلًا من الآخر في سياقات معينة للدلالة على المنهاج أو المسلك المتبع في الحياة.

ومما لا شك فيه أن تعريف “السنة” بأنها “طريقة التصرف” أو “السلوك” يتضمن كافة المترادفات المشابهة التي مر ذكرها، مثل: (الممارسة)، و(العادة)، والمنهج القويم

______________________________

[1] المفضليّات بتحقيق أحمد شاكر (صـ407). وَالمطرور = المحدد، عني به السيف، أي وبالتي لها بقاء مطرور، تبقى على الكدِّ والسير.

[2] لسان العرب (17/ 91).

[3] ومنه في حديثِ بول الأعرابي في المسجدِ: فدعا بدلو من ماءٍ فسنَّه عليهِ؛ أي فصبَّه عليه.

[4] ومنه ما جاء في حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه عندَ موتهِ: فسنُّوا عليَّ الترابَ سنًّا؛ أي ضعوه وضعًا سهلًا.

[5] وأبلج؛ أي: بوجهٍ أبلج، وهو الواضح الحسن، الفخم المكسو مِنَ اللحمِ، يسن: يصب، المراغم: الأنف وما حولها، القَسام، الحُسن؛ ينظر: المفضليات بتحقيق الشيخ شاكر (ص334).

[6] في رجع؛ أي: فيما يرجع عليكم عيبُه؛ ينظر: المفضليات (ص408).

[7] رواهُ أحمد في مسندهِ.

[8] روي الإمام مالكٌ في الموطأ أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذكر المجوسَ، فقالَ: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقالَ عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: “أشهدُ أني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سنُّوا بهم سُنةَ أهل الكتابِ».

[9] مختار الصحاح (317)، تهذيب الأسماء واللغات (2/ 156 157).

[10] لسان العرب (17/ 90).

[11] بأخيهم: أراد نفسه، والباء للبدل، من مهولة: من أجل مصيبة هائلة، أخا السكون: رجل من السكون كان أسيرًا عندَ قوم أُفنون، والسَّكون: بفتح السين قبيلة من كندة باليمن، بالغ في ذكر تبرئهم منه وجفائهم له، والبيتُ في المفضليات (صـ262).

ترك تعليق