الواو في سياق الحال والمعية: رؤية نقدية لتحليل النحويين وأثرها في فهم النص القرآني
يناقش هذا المقال العلاقة الجدلية بين “واو الحال” و”واو المعية” في علم النحو العربي، مؤكداً أن الفروقات الدلالية بين الحال (الوصف والبيان) والمفعول معه (المصاحبة) هي التي يجب أن تحكم جواز ووجوب الربط بالواو أو عدمه، وليس القواعد اللفظية المجردة. وينتقد المقال النحويين لإهمالهم التفريق الدلالي في سياق الجملة، مما أدى إلى خلط في تفسير بعض الشواهد القرآنية. ويخلص إلى أن الأصل هو تعيين المعنى أولاً لتحديد الحكم النحوي الصحيح (الوجوب أو الجواز أو المنع) في الربط بالواو.
الإشكالية النحوية: الربط بالواو بين الحال المفردة والجملة
يتفق النحويون بالإجماع على منع ربط الحال المفردة بالواو. على سبيل المثال، لا يُعد صحيحاً أن نقول: “أقبل زيد ومبتسماً”. ويستند هذا الإجماع إلى أن المعنى المراد في حالة الإفراد هو وصف زيد بصفة الابتسامة أثناء إقباله، وهذا هو المعنى الأصيل للحال.
لكن، متى يجب الربط بالواو؟
يؤكد المقال أنه لا يوجد ما يمنع من ربط الاسم المشتق في المثال السابق بالواو إذا قصدنا به معنى المعية (المصاحبة)، أي إذا قصدنا أن زيداً أقبل مع شخص آخر كان مبتسماً. في هذه الحالة، يجب الربط بالواو، فنقول: “أقبل زيد ومبتسماً”؛ بمعنى “أقبل زيد ورجلاً مبتسماً”، على غرار قولنا: “أقبل زيد وخالداً”. هنا، يتبين أن الفرق بين صيغة الربط بالواو وصيغة عدم الربط في حالة الإفراد هو فرق في المعنى والدلالة؛ فالأول للمعية والآخر للحال.
الخلط الدلالي في تحليل الجمل النحوية وتفسير الآيات الكريمة
يرى الكاتب أن النحويين قد نجحوا في التفريق الدلالي بين الربط وعدمه في حالة الإفراد (كما في المثال السابق)، لكن كان ينبغي عليهم تطبيق هذا المنهج في حالة الجملة أيضاً، بدلاً من جعل جملتي الحال والمفعول معه سواء في الحكم دون تفريق دلالي.
◘ يضرب المقال مثالاً بالآية الكريمة: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ (المائدة: 43).
◘ يجعل النحويون جملة (وعندهم التوراة) وجملة (فيها حكم الله) كلتيهما حاليتين، رغم أن الأولى مرتبطة بالواو والثانية لا.
◘ يرى الكاتب أن هذا الخلط يُفسد المعنى والتفسير.
التفسير المقترح:
الجملة الأولى (وعندهم التوراة): أريد منها معنى المفعول معه (المعية)، لذلك ارتبطت بالواو. المعنى: كيف يحكمونك مع وجود التوراة التي فيها حكم الله بين أيديهم؟
الجملة الثانية (فيها حكم الله): لم ترتبط بالواو؛ لأنه أُريد منها معنى الحال لوصف التوراة، لبيان حالتها (أن فيها حكم الله)؛ لتتأهل بهذا الوصف لأن يكون وجودها مانعاً من تحكيم الرسول (صلى الله عليه وسلم)، إذ من يمتلك كتاباً بهذه الصفة يجب أن يحتكم إليه. وهنا، قصدت المعية بين أمرين (التحكيم والتوراة)، ولم تقصد بين ثلاثة أمور.
حالات الربط بالواو وعدمه: المعنى هو الفيصل
استناداً إلى المعنى، يحدد المقال ثلاث صيغ للجملة من حيث الربط بالواو أو عدمه:
1- صيغة تصلح للحال والمعية معاً: يجوز فيها الربط بالواو وعدمه، لكن الحكم يتعين بناءً على المعنى المراد.
2- صيغة يمتنع صلاحها لمعنى الحال: يجب ربطها بالواو، حيث تتعين لها دلالة المعية.
3- صيغة تصلح لمعنى الحال أكثر من المعية: يكثر فيها عدم الربط بالواو.
نماذج تطبيقية لبيان الفرق الدلالي
4.1. الفعل المضارع
يلزم النحويون ربط الجملة الحالية بالواو إذا كانت بصيغة المضارع المقترن بـ(قد)، كما في قوله تعالى: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ (الصف: 5).
التحليل المقترح: هذا الأسلوب مُعدّ لمعنى المعية؛ فالواو هنا بين جملتين مضارعتين، وأُريد من اقترانهما اقتران حكميهما في زمن واحد، وهذا من معنى المعية، لذا تعين الربط بالواو.
◘ إذا قيل: “أقبل زيد يضحك” (فعل ماضٍ ومضارع مثبت)، يبتعد الأسلوب عن المعية ويقترب من الحال، لأن الزمن اختلف، وصعُب قصد الاقتران في زمن واحد، فصار المعنى وصف زيد بالضحك أثناء الإقبال. لذلك، ندر ربط المضارع المثبت بالواو.
◘ إذا جُزم المضارع بـ(لم)، مثل “لمَّا يُقدِم”، جاز ربطه بالواو بالاتفاق، لأن الجزم بـ(لم) يقلب المضارع إلى معنى الماضي، فيتحد زمنه مع زمن ما قبله، مما يسهّل قصد المعية والاقتران في وقت واحد.
4.2. خلو الجملة من الضمير العائد
يجمع النحويون على وجوب ربط الجملة الحالية بالواو عند خلوها من الضمير العائد على صاحبها.
التحليل النقدي: هذا الإجماع يؤكد – دون قصد – أن الجملة لم تعد حالية (لأن الحال يجب أن يكون لها صاحب يربطها به الضمير)، بل تعين كونها مفعولاً معه، ولذلك وجب ربطها بالواو.
◘ في مثل قول الشاعر: “وقد أغتدي والطيرُ في وُكناتِها…”، يرى بعض النحويين أن الجملة حال مع خلوها من عائد إلى صاحب الحال، في حين أن الصواب: أنها مفعول معه (مصاحبة)، لأن رابط المفعول معه هو الواو، ورابط الحال هو الضمير. فقولهم: “لزمت الواو إذا عريت عن ضمير ذي الحال” يعني: “لزم جعلها مفعولاً معه وربطها بالواو إذا عريت عن معنى الحال”. [2، 3]
4.3. الجملة المصدرة بضمير منفصل
ذهب جمهور النحويين إلى وجوب ربط الجملة الاسمية المصدرة بضمير منفصل بالواو، مثل: “جاءني زيد وهو يسرع”.
التحليل المقترح: وجب ربطها بالواو لأن المعنى المراد هو المعية لا الحال. الضمير المنفصل (هو) لم يُؤتَ به لربط الحال بصاحبها (فهذا حاصل بالضمير المستتر في يسرع)، بل جِيء به لتكوين “وجه آخر” لزيد (اتصافه بالسرعة)، ليصاحب وجهه الأول (اتصافه بالمجيء)، مما يتطلب وجود الواو للدلالة على المصاحبة بين الأمرين.
◘ يوضح الجرجاني أن إعادة الضمير المنفصل هي بمنزلة إعادة الاسم صريحاً: “جاءني زيد وزيد يسرع”، وأن هذا ضروري للمعنى المراد؛ إذ لو لم يُفعل ذلك، لكان الضمير المبتدأ لغواً في البين. [4]
الخلاصة: المفعول معه في صيغة الجملة يحتاج إلى إعادة ذكر الفاعل (بالضمير المنفصل) لأنه كيان آخر غير مصاحبه. أما الحال (وصف لصاحبها) فلا تحتاج إلى تكرار، لأنها و”صاحبها” كيان واحد، مما يؤكد تعيّن معنى المعية في هذه الصيغة، ووجوب الربط بالواو.
متى لا يجب الربط بالواو رغم وجود الضمير المنفصل؟
◘ يرد المقال شواهد قرآنية تدحض وجوب الربط مطلقاً في الجملة المصدرة بضمير منفصل، مثل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: 39). [5]
◘ في هذه الآية وغيرها (مثل: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾)، لم يُربط الضمير بالواو لأنه جاء لغرض آخر غير المعية، وهو التوكيد أو التقرير أو الإيضاح، أو حتى التحقير (كما في الآية 39)، وليس لغرض المعية.
الخلاصة: الضمير المنفصل في هذا الباب يُؤتى به لغرضين: المعية (يجب معه الربط بالواو)، والتوكيد/التقرير (لا يجب معه الربط).
4.4. الضمير المنفصل والربط بالواو لغرض المعية
تُعد آيات مثل: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 22)، وقوله: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ (هود: 72)، شواهد على وجوب الربط بالواو.
◘ في الآيتين، وجب الربط؛ لأن الضمير المنفصل أُتي به لغرض المعية.
◘ في آية (وأنتم تعلمون)، أراد الله المعنى الحاصل من اجتماع النهي عن الشرك مع العلم ببطلانه؛ أي شدد النهي مع علم المخاطب.
◘ في آية (وأنا عجوز)، أرادت زوجة إبراهيم التعجب من نتيجة الجمع بين الولادة والعجز، أي: كيف تلد مع كونها عجوزاً.
◘ في هاتين الآيتين، الجملة بعد الواو متممة لمعنى ما قبلها (لا لغرض التوكيد/التقرير).
نقد مذهب النحويين وعواقب الخلط الدلالي
يخلص المقال إلى أن النحويين وقعوا في مأخذ كبير نتيجة الخلط بين غرض المعية (الذي يوجب الواو) وغرض التوكيد (الذي لا يوجبها)، ونتيجة قولهم بـ “واو الحال” بدلاً من التفريق الصارم بين الحال والمفعول معه.
مأخذ الجمهور (الوجوب): عندما حكم الجرجاني وجمهور النحويين بشذوذ حذف الواو وفساد أسلوب مثل: “جاءني زيد هو يسرع” [4]، كان حكمهم صحيحاً في سياق المعية. لكن باستنادهم إلى أن الجملة المرتبطة وغير المرتبطة بالواو تعنيان الحال، فقد شمل حكمهم الخاطئ الآيات الكريمة غير المرتبطة بالواو، مثل ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [8]، فكيف يُحكم بفساد أسلوب ورد في القرآن الكريم؟
مأخذ الفريق الآخر (الجواز): الفريق الذي أجاز حذف الواو مطلقاً (الجواز) وقع في مأخذ مناظر؛ حيث يجوز مذهبهم حذف الواو في الآيات التي أُتي فيها بالضمير للمعية، مثل: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾. لو حُذفت الواو لقيل: “أألد أنا عجوز”، وهو حذف فاسد وغير مستساغ، لأنه يُجرّد الجملة الاسمية من الرابط، مما يجعل الكلام مفككاً، وهذا مُمتنع بالإجماع. [7]
هذا يؤكد أن الضمير المنفصل في سياق المعية أتى ليقوم مقام الاسم الظاهر الأجنبي (كالمفعول معه)، ولهذا وجب ربطه بالواو (مثل: أقبل زيد وعمرو يتكلم).
الخلاصة: المعنى حاكم القواعد
يُختتم المقال بأن قضية الربط بالواو (جوازاً، وجوباً، ومنعاً) ليست متعلقة بالقواعد اللفظية الجامدة التي حدّدها النحويون، بل يتحكم فيها المعنى والدلالة. [10]
◘ إذا تعينت المعية في الجملة وامتنعت فيها الحالية، وجب ربطها بالواو، بغض النظر عن موقعها أو صيغتها (والعكس صحيح).
◘ في المقابل، النحويون منعوا الربط بالواو بعد (إلا)، لكنهم أوجبوه في نحو: “ما كلمت أحداً إلا وزيد حاضر معه”، مما يؤكد أن الدلالة هي الأساس. [10]
________________________________________________
[1] التأويل النحوي، ص779-780.
[2] شرح المفصل لابن يعيش 2/ 66.
[3] تقريب المقرب لأبي حيان الاندلسي، ص64.
[4] دلائل الإعجاز، ص215-216.
[5] الحجة 2/ 158-159.
[6]في هذا الباب من كتب البلاغة: الإيضاح، غير المحقق، ص23، وجواهر البلاغة، ص123.
[7] التأويل النحوي 1/ 779.
[8] في سورة البقرة، من الآية 39، ومن الآية 81، ومن الآية 217، ومن الآية 257، ومن الآية 275، وفي سورة آل عمران من الآية 116، وفي سورة الأعراف من الآية 36، وفي سورة يونس، من الآية 27، وفي سورة الرعد من الآية 5، وفي سورة المجادلة من الآية 17.
[9] في سورة البقرة من الآية 82، وفي سورة الأعراف من الآية 42، وفي سورة يونس من الآية 26، وفي سورة هود من الآية 23.
[10] شرح المفصل لابن يعيش 2/ 93.
