اللغة العربية الفصيحة: بين الفصاحة والحياة اليومية
لقد أسعدتني في الآونة الأخيرة رؤية الشباب والمراسلين والمذيعين يتحدثون بالعربية الفصيحة على شاشات التلفزيون، ويقدّمون تقارير حيّة تتعلق بحياة الناس اليومية، من دون تكلّف أو مبالغة. هذه اللغة الواضحة المقروءة والمسموعة تمكّن المتلقي من فهم الرسالة بسهولة، وتتيح له محاكاة الأسلوب، وتظهر للعيان أهمية اللغة الفصيحة كوسيلة للتواصل والتعبير عن الأفكار.
ومع ذلك، يبقى هناك بعض النقائص التي تشوب هذه الصورة، من أخطاء في اللغة، أو لحن، أو حشو، أو تكرار، خاصة في البرامج الحوارية والمداخلات المتنوعة. فالكثير من المحللين والأساتذة الجامعيين والمختصين يرتكبون أخطاء في التفريق بين “ذات” و”ذي”، أو “ذا” و”ذو”، خاصة عند المثنى أو المؤنث، فيصبح الكلام غير سليم على مستوى اللغة الفصيحة.
أهمية اللغة العربية الفصيحة في الإعلام والحياة العامة
إن ما يُقال على شاشات التلفزيون أكثر تأثيرًا من قرارات المجامع اللغوية التي تُنشر في المجلات العلمية ولا يلتفت إليها إلا القليل من المهتمين. فالكلمة المنطوقة أمام جمهور واسع تصل بسهولة إلى الناس، وتؤثر في تداول اللغة، وتجعل من السهل تعليمها وتعميمها.
لقد انتقلت العربية الفصيحة إلى بعض القنوات الموجهة للأطفال، وهي خطوة مباركة إذا رافقها إرشاد من الأهل وتوجيه، لتكوين جيل يجيد اللغة الفصيحة منذ الصغر، بعيدًا عن اللهجات العامية المفرطة أو الأخطاء اللغوية.
مشكلات التعليم وتردّي مستوى اللغة
الواقع المؤسف أن المدارس لم تعد قادرة على تخريج طلبة قادرين على التحدث والكتابة بلغة سليمة. فالأخطاء في النحو، والإملاء، والأسلوب، شائعة حتى بين المتعلمين المتقدمين، رغم سنوات الدراسة الطويلة. هذه المشكلة تؤكد الحاجة إلى إعادة النظر في مناهج تعليم العربية، وتطوير طرق تخريج معلمي اللغة، بحيث يكون لديهم ملكة لغوية حقيقية وذوق رفيع.
لقد أشار الأستاذ أحمد أمين إلى ضعف الطلاب في اللغة العربية، واعتبره نكبة على البلاد، ليس فقط لأن العربية لغة الأمة، بل لأنها وسيلة الفكر والثقافة والوسيلة التي تُبنى عليها المعرفة العقلية. والضعف فيها يعني ضعف الفهم والتعبير، حتى لو اكتسب الطالب معلومات أو حفظ قواعد.
الفصاحة والسليقة والذوق
العربية ليست مجرد قواعد صرف ونحو، بل هي لغة الذوق والفصاحة التي تكشف عن براعة العرب في طلب الخفة، والاقتصاد في الكلام، والقدرة على التعبير عن المعاني الكبيرة بأقل الكلمات. لقد خلق العرب أنفسهم بفصاحة طبيعية قبل وضع النحاة للقواعد، والسليقة كانت أصدق وسيلة للتعبير.
الإعجاز اللغوي يظهر في القرآن الكريم، في الشعر، وفي التعبيرات اليومية، حيث يسعى العرب لطلب الخفة، والتخفيف من ثقل اللفظ، فتجدهم يسقطون الحروف أو يخففون الهمز أو يبتكرون ألفاظًا جديدة للتعبير عن معاني مركبة في كلمة واحدة.
اللغة العربية بين القواعد والفصاحة
القواعد النحوية والصرفية مهمة لفهم اللغة، لكنها ليست العربية نفسها. العربية الحية تتطلب الذوق، والفهم، والقدرة على التطبيق العملي للكلمات والتراكيب. فالمتعلم لا يكتسب اللغة بمجرد حفظ القواعد، بل بالممارسة والتدريب المستمر، وبملاحظة الفصاحة في النصوص، والاستماع إلى المتحدثين الأصحاء.
من أهم أمثلة براعة العرب في طلب الخفة: القواعد المتعلقة بالممنوع من الصرف، والإبدال، والإعلال، والتصغير، والنحت اللغوي، وكلها تظهر مدى حرص العرب على السهولة والوضوح والجمال في النطق والكتابة.
وسائل تعزيز العربية الفصيحة
رغم تراجع البيئة الطبيعية التي تعلم اللغة من خلالها، إلا أن وسائل الإعلام الحديثة والإنترنت توفر بدائل قوية لتقليد البيئة الأصلية:
◘ الفضائيات المتنوعة التي تعرض البرامج والأخبار بالعربية الفصيحة.
◘ اختيار المعلمين أصحاب الذوق والملكات الفطرية، وليس مجرد خريجي الكليات.
◘ الممارسة اليومية للغة في الحوار والكتابة، والتفاعل مع النصوص الفصيحة.
خاتمة
العربية الفصيحة لغة الحياة اليومية والفكرية والثقافية، وليست مقتصرة على النحو والصرف وحدهما. الحفاظ عليها وإحياؤها يتطلب استثمار الذوق والفصاحة والسليقة، وإعادة النظر في طرق التعليم، واختيار المعلمين الأكفاء، وإتاحة البيئة اللغوية المناسبة للممارسة اليومية.
إن العربية الحقيقية هي لغة البناء المرصوص، والإيقاع البديع، والتعبير الواضح، وهي وسيلة حضارية تربط الماضي بالحاضر، وتفتح الأفق لمستقبل مليء بالعلم والثقافة والجمال.
