لماذا نقول: “فيما أعلم”؟ دراسة في اللغة والوعي والمعرفة

يقول الإنسان أحيانًا: “كذا وكذا … فيما أعلم”، مع أن الكلام قد يُلقى في بعض الأحيان مطلقًا دون أي تقييد. قد يبدو هذا التقييد لغويًا بسيطًا، لكنه في الحقيقة يحمل دلالات معرفية ومنهجية مهمة. فالإنسان لا يتكلم إلا بحسب ما يعرفه أو يظنه راجحًا، ومن هذا المنطلق فإن عبارة “فيما أعلم” لا تضاف عبثًا، بل هي تأكيد ضمني على حدود العلم واليقين، وتحفظ المتكلم من المطلقية التي لا وجود لها إلا في ذهن المبتدئين.

إن الإنسان في ذهنه دائمًا يقيد المعرفة بما يعلم، حتى وإن لم يذكر ذلك لفظيًا. فإذا قال “الراجح كذا وكذا”، فهو يعني “الراجح عندي”، إذ لا يوجد شيء اسمه الراجح المطلق مستقل عن ذهن المتكلم، ويخطئ من يظن أنه يمكن الوصول إلى مطلق الراجح. كثير من العبارات التي نستخدمها في حياتنا اليومية تعتبر مفهومة ضمنيًا، لكنها قد تُذكر أحيانًا للوضوح، مثل قول “فيما أعلم“.

المواطن المختلفة لاستخدام عبارة “فيما أعلم

1. حين يكون الاستقراء ضعيفًا

إذا كان المتكلم قد أجرى استقراءً محدودًا أو ضعيفًا، يستخدم عبارة “فيما أعلم” لتنبيه السامع على أن الحكم أو المعلومة التي يقولها غير مطلقة، وأن عليها أن تُؤخذ بحذر.

فهذا الاستخدام يوضح أن المتكلم لم يستكشف كل جوانب المسألة، لكنه يقدم ما استوعبه حتى الآن.

2. حين يكون الشك موجودًا فيما نُقل

قد يستخدم المتكلم عبارة “فيما أعلم” عند النقل عن الآخرين، إذ تشير إلى عدم اليقين التام.
مثال واضح على هذا الاستخدام نجده في الحديث النبوي: “حدثني فلان فيما أعلم”، وهو تنبيه على أن ما يرويه الراوي ليس مؤكّدًا بنسبة 100%، لكنه أقرب للظن الصحيح.

3. تواضع المتكلم واستصغار نفسه

أحيانًا يُستعمل التعبير تواضعًا، حتى وإن كان المتكلم على علم واسع ومؤهل للحكم. هنا، “العلم” المقصود ليس العلم اليقيني الكامل، بل الظن الراجح. فالعبارة تعكس احترام المتكلم للمعرفة البشرية المحدودة، وكأنه يقول: “هذا ظني الراجح حسب اطلاعي“.

4. لتجنب الإطلاق أو المبالغة

إذا كان الكلام يحتوي على دعوى واسعة أو مطلقة، يحتاج المتكلم إلى تقييدها بعبارة “فيما أعلم” لتجنب الغلو أو الإفراط.

مثل: “هذا لم يُذكر في أي كتاب”، أو “لم يقل بشر بمثل هذا”. الإضافة تحمي المتكلم من المطلقية الزائدة، وتجعل كلامه أكثر موثوقية.

5. للاختصار والتنبيه في الكتابة

في بعض الأحيان يستخدم الكاتب عبارة “فيما أعلم” لمرة واحدة، ليشير إلى أن كل ما سيأتي في الكتاب أو البحث يُفهم على أساس اطلاعه وحدوده المعرفية، دون تكرار العبارة في كل موضع.
مثال على ذلك ما قاله ابن القطان في بيان الوهم والإيهام، وكذلك جورج سارتون في مقدمة كتابه “تاريخ العلم”، حيث وضح أن كل ما ذكره يعتمد على علمه وحدود اطلاعه.

تنبيه للمبتدئين

لا يصح للمبتدئ الذي لديه اطلاع محدود أن يستخدم عبارة “فيما أعلم” في كل مسألة يدرسها، لأنه لم يكتسب بعد أهلية هذا التعبير.

مثال: من قرأ الآجرومية فقط في النحو ثم يطلق عبارة “فيما أعلم” على مسائل نحوية معقدة، فهذا غير صحيح، لأن علمه غير كافٍ للاعتماد على هذا الحكم.

كما لا يصح أن يقول مبتدئ: “لم يقل أحد بخلاف قول الشافعي فيما أعلم”، إذا لم يطلع على أقوال الأئمة الآخرين. فالعبارة تتطلب وجود أهلية جزئية على الأقل لفهم الموضوع بشكل دقيق.

خاتمة

تعبير “فيما أعلم” ليس مجرد عبارة لغوية عابرة، بل يحمل دلالات معرفية ومنهجية مهمة، ويشير إلى:

حدود العلم الشخصي للمتكلم.

درجة الاحتمال والرجحان في المعرفة.

تواضع المتكلم.

التنبيه إلى عدم المطلقية.

فالقول “فيما أعلم” يقتضي وجود معرفة ولو جزئية، وإدراك حدودها، مما يجعلها علامة على العقلانية والصدق في القول. والإنسان الحكيم هو من يعرف متى يستخدم هذا التعبير، ويزن حدود معرفته قبل الإفصاح عنها.

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ترك تعليق