التأصيل اللغوي: جذوره، مجالاته، ودلالاته بين التراث والدرس اللساني الحديث

يُعدّ مفهوم التأصيل اللغوي من المفاهيم المركزية في الدراسات العربية؛ إذ يرتبط بفكرة العودة إلى الجذور اللغوية وتتبع التطور الدلالي والشكلي للكلمة عبر العصور. وتشتق كلمة التأصيل من الجذر أصل، وهو ما يقوم عليه غيره ويُبنى فوقه، ويُشار إليه أيضًا بما يتفرع عنه سائر العناصر المرتبطة به.

وقد تطوّر هذا المفهوم حتى أصبح مصطلحًا علميًا يعني – في الاستخدام الاصطلاحي – عملية لسانية تقوم على المقارنة بين الصيغ والمعاني، وتمييز الأصول عن الفروع، وردّ اللفظة إلى جذورها الأولى في الاستعمال العربي.

ولا يعني التأصيل – كما قد يتبادر – الاكتفاء بالبحث عن معنى كلمة الأصل في اللغة؛ فالجذر (أصل) يحمل معاني متعددة تختلف باختلاف السياق.

 فمنها:

1)  الدليل: كما في قولهم “أصل المسألة الكتاب والسنة” أي دليلها.

2) الرجحان: مثل قول العلماء “الأصل في الكلام الحقيقة”، أي ما يُرجّح في الاستعمال.

3) القاعدة المستمرة: نحو قولهم “أكل الميتة على خلاف الأصل”، أي على خلاف القاعدة المقررة.

4)  المقيس عليه: وهو أحد أركان القياس الفقهي، إذ يتكون من أصل وفرع وحكم وعِلّة.

ومع تطور الدراسات اللغوية واللسانية، ظهر عدد من المصطلحات التي تُستخدم بوصفها مترادفة للتأصيل، مثل: التأثيل، الترسيس، التجذير، و تأريخ الألفاظ. غير أن كلًّا منها يحمل فروقًا دقيقة؛ فالترسيس يشير إلى بداية الشيء وأساسه الأول، بينما يُستخدم التأثيل غالبًا في البحث عن جذور الألفاظ الدخيلة، وتتبّع أصولها في اللغات الأخرى.

ومن التطبيقات العملية للتأصيل اللغوي:

 ما تناوله الدكتور عصام فاروق في دراسته لكلمة مصطلح. فهذه اللفظة مشتقّة من الفعل اصطلح المتولّد من الجذر (صلح)، وجاء استعمالها عند العلماء على معنى اسم المفعول؛ أي “ما اصطلح عليه”. والجذر (صلح) يدلّ في العربية على ضد الفساد، ويأتي بمعنى الاتفاق، وهو معنى متقارب؛ لأن إزالة الفساد بين الناس لا تتحقق إلا بالتصالح والاتفاق. وتتفرع من هذا الجذر أفعال كثيرة منها: صلَح، صلُح، صالح، أصلح، تصالح، واصّالح. كما تتولد عنه مصادر متعددة مثل: الصلح، والصلاح، والمصالحة، والإصلاح، والاستصلاح، ومشتقات أخرى: صالح، صليح، مُصلح، صلحاء، مصلحة. ولم يرد الفعل اصطلح في القرآن، لكنه ورد في السنة النبوية، ومن ذلك قوله ﷺ: “فاصطلحا على أن لنوحٍ ثلثها”. كما ورد في الشعر العربي مثل قول الراجز:

كعاشقينِ اصطَلَحا من بعدِما***ضرَّ التَّجَنّي بهما فاعتَنقا

ومن الأمثلة أيضًا تأصيل مفهوم فونتيك:

 وهو مصطلح غربي يشير إلى علم الأصوات من جهة المخرج والصفة، وكيفية انتقال الموجات الصوتية في الهواء قبل إدراكها ذهنيًا. وقد حاول اللغويون العرب ترجمته بتسميات عدّة، منها: علم الصوت، منهج الأصوات، علم الأصوات اللغوية، والصوتيات والصواتة. بينما جعله اللسانيون الغربيون تخصصًا يدرس أصوات اللغة وتصنيفها وتحليلها بمعزل عن تطوّرها التاريخي، مع أن دي سوسير – مؤسس اللسانيات الحديثة – عَدَّه علمًا ذا طبيعة تاريخية لأنه يدرس التحولات والأحداث الصوتية عبر الزمن.

ويؤدي علم التأصيل اللغوي دورًا مهمًا في فهم تطور العربية ومعاجمها، وفي كشف العلاقات بين اللغات العالمية المشتركة، فضلًا عن إظهار جهود العلماء العرب القدامى الذين سبقوا إلى دراسة الظواهر اللغوية بمنهج مقارن وتحليلي. كما يُفيد هذا العلم في الدراسات الأدبية، إذ يساعد على تتبع دلالات الألفاظ في سياقاتها الشعرية والنثرية، وكيف تغيّر معناها عبر العصور ووفقًا للبيئات الثقافية.

وفي هذا الإطار يُذكر ما قام به فِشر حين جمع مادة معجم اللغة العربية الفصحى مبتدئًا بالنقوش المكتوبة في القرن الرابع الميلادي حتى القرن الثالث الهجري، مما أتاح رؤية أعمق لتطور الألفاظ العربية في فترة زمنية واسعة.

إن التأصيل اللغوي – بهذا الاعتبار – ليس مجرد بحث عن جذور مفردة، بل هو دراسة شاملة لتاريخ اللفظ، وانتقاله، وتحوّلاته، وعلاقاته المعجمية والدلالية. وهو بابٌ واسع يربط القديم بالحديث، ويمنح الباحث أدوات تحليلية لفهم العربية على نحو منهجي رصين.

مراجع البحث

الكوكب المنير شرح مختصر التحرير (1/15).

غازي الأحمد، التأثيل والتأصيل في الأدب ومعاجم اللغة.

د. سليم عواريب، الأصول الإبستمولوجية والأنطولوجية لمصطلحي التأصيل والترسيس في اللغة.

◘ د. عصام فاروق، التأصيل اللغوي لكلمة مصطلح.

دمية القصر وعصرة أهل العصر (2/1308).

د. زين العابدين سليمان، تأصيل المصطلح الصوتي في اللغة العربية: الفونتيك والفونولوجيا أنموذجًا.

ترك تعليق