“المفعول معه بين المفرد والجملة: قراءة جديدة في آراء النحويين ولُبس الألقاب”

 

المفعول معه بين المفرد والجملة

لفهم مسألة المفعول معه والجملة المرتبطة بها، لا بد أولاً من معرفة من هو صدر الأفاضل، وذلك لسببين مهمين:

 الأول، أن رأيه يختلف عن جميع النحويين ويستهدف جوهر هذه المسألة النحوية.

والثاني، أن هناك التباسًا في الاسم واللقب انتشر في أغلب المصادر دون مراجعة دقيقة.

عند مناقشة ابن هشام للإشكال الشهير:

 جاء زيد والشمس طالعة“، الذي يطرح مشكلة عدم وضوح الفاعل أو المفعول، قال: “وقال صدر الأفاضل تلميذ الزمخشري: إنما الجملة مفعول معه، وأثبت مجيء المفعول معه جملة“[1].

بعده، اعتمد نحويون مثل خالد الأزهري[2]، والسيوطي[3]، ومحمد الأمير[4] على رأي ابن هشام في نسبته إلى صدر الأفاضل، واكتفوا بذكر اللقب دون الاسم الكامل، باستثناء خالد الأزهري الذي أشار إلى “ناصر بن عبد السيد بن علي المطرزي الخوارزمي“[5].

لكن مراجعة كتب التراجم القديمة والحديثة كشفت أن اللقب صدر الأفاضل لم يُذكر إلا بشكل محدود، فمثلاً في معجم الأدباء لياقوت الحموي[6]، وإنباه الرواة للقفطي[7]، وفيات الأعيان لابن خلكان[8]، وفوات الوفيات للكتبي[9]، وكشف الظنون[10]، والأعلام[11]، ومعجم الكنى والألقاب[12] لم يُذكر هذا اللقب. لكن الدكتور فاضل السامرائي أشار إليه بهذا الاسم[14]، فيما عرفه الدكتور نبهان يس في حاشية المطالع السعيدة بأنه: “أبو الفتح ناصر صدر الأفاضل بن أبي المكارم عبد السيد المطرزي الخوارزمي ت 610 هـ“[15].

وعند مراجعة السيوطي نفسه، نجد أنه في كتاب البغية عرفه باسم القاسم بن الحسين بن محمد أبو محمد الخوارزمي المقتول سنة 617هـ[16]، بينما في كتاب عقود الزبرجد ذكر لقب المطرزي عند الإشارة إلى بعض آرائه[17]، وهو لم يذكر لقب صدر الأفاضل كالمطالع السعيدة. وقد يكون المقصود من نسب لقب صدر الأفاضل للناصر بن عبد السيد خطأً نتيجة الالتباس بين الشخصين.

يتضح من هذا أن صدر الأفاضل الحقيقي الذي نسب إليه ابن هشام رأي إثبات مجيء المفعول معه جملة، هو في الحقيقة القاسم بن الحسين الخوارزمي المقتول سنة 617هـ، وليس ناصر بن عبد السيد المطرزي المتوفى سنة 610هـ.

أما فيما يخص اشتراط النحويين للمفعول معه كـمفرد:

 فقد افترضوا ذلك بناءً على مفهومي “مع” الظرفية و”واو المعية”. فهم اعتبروا أن ما يلي “مع” يجب أن يكون مفردًا، كما هو الحال في: أقبل القائد والجيش[25]، حيث التقدير: “أقبل القائد مع الجيش”. لكن هذا لا يمنع أن يكون المفعول معه جملة، لأن العلاقة المقصودة هي المصاحبة أو المعية بين حدثين، وليس فقط بين مفردين[26][27].

الجملة يمكن أن تكون مفعول معه، كما في:

سافر سعيد والمطر ينزل” أو “مات زيد والشمس تطلع“. ويصبح معنى الجملة هنا: حدوث الفعلين في وقت واحد، ما ينسجم مع تعريف النحويين للمفعول معه بأنه: ما يُصحبه فعل الفاعل أو قارنه[27].

إذن، المعية أو المصاحبة لا يشترط فيها أن تكون بين مفرد ومفرد أو بين اسم واسم فقط، بل يمكن أن تشمل اسمًا وجملة أو جملة وجملة، وهو ما أكده النحويون والمحدثون على حد سواء[36].

 


[1] المغني 2/ 466.
[2]
شرح التصريح 1/ 343.
[3]
همع الهوامع 3/ 240.
[4]
حاشية محمد الأمير على شرح شذور الذهب، ص60.
[5]
شرح التصريح 2/ 223.
[6]
ياقوت الحموي، معجم الأدباء 19/ 212.
[7]
القفطي، إنباه الرواة على أنباه النحاة 3/ 339-340.
[8]
ابن خلكان، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان بتحقيق إحسان 5/ 369-371 وبتحقيق محمد محي الدين عبد الحميد 5/ 6-7.
[9]
محمد بن شاكر الكتبي، فوات الوفيات 4/ 182-183.
[10]
كشف الظنون، للحاج خليفة 2/ 1708.
[11]
الأعلام للزركلي (طبعة ثالثة) 8/ 311.
[12]
معجم الكنى والألقاب لعباس القمي 3/ 118.
[14]
الدراسات النحوية واللغوية عند الزمخشري، ص21، 373.
[15]
المطالع السعيدة 1/ 437.
[16]
معجم الأدباء 16/ 238-253، وبغية الوعاة للسيوطي 2/ 253-254.
[17]
عقود الزبرجد، للسيوطي 1/ 57.
[25]
اللباب للعكبري، ص462-463، وفاتحة الإعراب، ص19. وشرح الرضي 4/ 43، و4/68.
[26]
المشكاة الفتحية، ص195، الكلام للسيوطي.
[27]
المفضل في شرح المفصل، ص639.
[36]
النحو الوافي 4/ 285.

ترك تعليق