“الواو بين الحال والمعية: قراءة تحليلية لمفهوم المفعول معه”

الواو هي الميزان بين الحال والمعية

الحال والمعية متقاربان في المعنى، ويظهر التشابه بينهما بشكل واضح عند النحويين، إذ يرتبط كلاهما بزمن الفعل، ما أدى إلى التباسهما عند تفسير الجملة. ويزداد هذا الالتباس حين يكون المفعول معه جملة مرتبطة بمصاحبها، كما في المثال: “أقبل زيدٌ وهو يبتسم“.

هذه الظاهرة كانت سببًا رئيسيًا في أن يخطئ النحويون ويعربوا الجملة حالية بينما هي في الحقيقة مفعول معه.

لكن النحويين لم يتركوا الأمر دون معايير فاصلة، فقد اعتُبرت الواو علامة فاصلة لتحديد المفعول معه عن الحال. أي أن أي كلمة أو جملة اقترنت بالواو، سواء كانت مفردة أو جملة، فهي تُعد مفعول معه بلا شك، فيما ما لم يُقترن بالواو فهو حال، لا مراء فيه.

تصريحات النحويين:

سبق أن أوضحنا أن الجملة الاسمية مثل: “لقيتك والجيش مصطف” لا تعود بالضمير إلى صاحب الفعل، وغالبًا ما لا تُبين هيئة الفاعل أو المفعول، فالنحويون نفوا إدخالها ضمن الحال. ومع ذلك، صرحوا بأنها قد تُعد مظهرًا للمعية، مستشهدين بأمثلة مثل: “لا تأكل السمك وتشرب اللبن”، وبيت الشاعر: “لا تنهَ عن خلق وتأتي مثله”، وكذلك المثال: “جاء زيد والشمس طالعة”. فالواو في هذه الجمل أفادت معنى المعية، لكنها لم تُعرب مفعولًا معه لأنها ليست اسمًا[1].

ابن هشام أشار إلى هذا بوضوح حين قال عن هذه الأمثلة: “أنه ليس مفعولًا معه، وإن كان بعد واو بمعنى (مع)؛ أي: لا تنه عن خلق مع إتيانك مثله؛ لأنه ليس باسم”[2]. كما ذكر: “خرج بذكر الاسم الفعل المنصوب بعد الواو في قولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، فإنه على معنى الجمع؛ أي: لا تفعل هذا مع فعلك هذا، ولا يسمى مفعولًا معه، لكونه ليس اسمًا، والجملة الحالية نحو: جاء زيد والشمس طالعة، فإنها وإن كان المعنى على قولك: جاء زيد مع طلوع الشمس، إلا أن ذلك ليس باسم، ولكنه جملة“[3].

النحويون الآخرون أكدوا هذه الفكرة، فقالوا:

 “… فلا يسميان مفعولًا معه، وإن كانت الواو للمعية”[4]، وأضافوا: “وإن كانت الواو للمعية، لكنه ليس باسم”[5]. وبذلك، لم يُنكروا معنى المعية، لكنه لم يُعتبر مفعولًا معه من الناحية الإعرابية.

المعنى مقابل الإعراب

الواو هنا تعمل كوسيلة لضبط العلاقة بين المعنى والإعراب. فقد اعتبر بعض المحدثين مثلًا أن الواو في جملة: “أقبل القطار والناس ينتظرون” تسمى واو الحال، لكنها من جهة المعنى تفيد المعية؛ لأن المقارنة غالبًا ما تعبر عن المعية[6].

هذا يوضح التناقض الظاهر عند النحويين بين الإعراب والمعنى: الجملة تُعرب حالًا من جهة، لكنها تفيد المعية من جهة أخرى. ولم يتمكن النحويون من معالجة هذا التناقض، فاستمروا في اعتبار ما بعد الواو جملة حالية، مع الإقرار بأنها تفيد معنى المعية، دون تعديل إعرابها.

حجتهم كانت لفظية بحتة:

أن ما بعد الواو ليس اسمًا، فالمفعول معه يجب أن يكون منصوبًا[7]. لكن هذا يعني أنهم تجاهلوا العلاقة المعنوية بين المفعول معه والمعنى، وهو ما يقود إلى تفسير غير دقيق للجملة.

الإعراب يجب أن يعكس المعنى

من المبادئ الأساسية عند النحويين أن الإعراب يفسر المعنى بدقة. فإذا لم يلتزم الإعراب بالمعنى، يفقد الجملة وضوحها وفهمها، كما يظهر في أمثلة مثل: “خرق الثوبُ المسمارَ”، إذ لا يُعرب المسمار فاعلًا أو الثوب مفعولًا، رغم وضعهما الإعرابي، لأن المعنى لا يسمح بذلك[8].

وبالمثل، فإن إعراب الواو في جمل الحال والمعية دون مراعاة المعنى يؤدي إلى خطأ في الفهم. وفي حالات خاصة مثل: “كل رجل وضيعته”، أشار ابن جني إلى أن الواو تعتبر واو معية، لكن الإعراب لم يلتزم بذلك، وأُعربت “ضيعته” معطوفة بدل أن تُعرب مفعولًا معه[9][10].

بالتالي، إذا كانت الواو تحمل معنى (مع) في الواقع، فإن ما منع النحويين من إعراب ما بعدها مفعولًا معه ليس المعنى، بل قاعدة شكلية تحصر المفعول معه باسم منصوب، بينما الواقع اللغوي والمعنى الحقيقي يدعوان إلى اعتبار الجملة مفعول معه.

 


[1] شرح شذور الذهب، ص237، وأوضح المسالك 2/ 53، وبتحقيق عبد المتعال، ص113، وشرح التصريح 1/ 343، وشرح الاشموني 2/ 395، وحاشية يس الحمصي على شرح التصريح 1/ 343، وعلى شرح الفاكهي على قطر الندى 2/ 88، وحاشية الصبان 2/ 135، وحاشية الخضري 1/ 200، والكواكب الدرية 2/ 24.
[2]
شرح شذور الذهب، ص239-240.
[3]
شرح قطر الندى، ص231.
[4]
حاشية الخضري 1/ 200.
[5]
الكواكب الدرية 2/ 24.
[6]
النحو الوافي 2/ 242، والهامش رقم (1).
[7]
مشكل إعراب القرآن 1/ 304.
[8]
شرح ابن عقيل 1/ 535.
[9]
الخصائص 1/ 283.
[10]
الخصائص 1/ 284.

ترك تعليق