“واو الحال والمصاحبة: دراسة تحليلية للفصل والوصل في الجملة العربية”

واو الحال وواو المصاحبة بين الفصل والوصل

يعرف الوصل في اللغة بأنه عطف بعض الجمل على بعض، والفصل هو ترك هذا العطف[1].

وقد أدخل أهل المعاني واو الحال في هذا السياق، باعتبارها واو عطف في الأصل[2]، وقد اتفقوا على أن الفصل، أي عدم ربط الجمل بالواو، يحدث في مواضع محددة، من أهمها ما يسمونه بـ كمال الاتصال، حيث تكون الجملة الثانية بمثابة تأكيد أو بيان للجملة الأولى، فلا حاجة لربطها بالواو[3].

الحال بطبيعة الحال صفة لصاحبها، أي أنها جزء من كمال الاتصال بين الجملتين[4]، وقد أبرز الجرجاني – مؤسس علم المعاني وأحد أبرز البلاغيين – العلاقة بين الصفة والموصوف ضمن أمثلة كمال الاتصال الموجبة للفصل، بل جعلها عنوانًا لهذا الباب. وقد أجمع الجرجاني[5]، والعلوي[6]، والزركشي[7] على حالات الربط بالواو، وإن اختلفت تعابيرهم في الأسلوب.

الحال والمفعول معه: التمييز في الربط بالواو

قال الجرجاني: “الجمل على ثلاثة أضرب:

الحالة الأولى: جملة حالها مع التي قبلها حال الصفة مع الموصوف والتأكيد مع المؤكد، فلا يكون العطف بينهما أبدًا؛ لشبه العطف بين الشيء ونفسه”[5]، ومثله السكاكي[8]. وهذا يوضح أن الحال وصاحبها شيء واحد، فلا يجوز وضع الواو بينهما، لأن الواو تفيد العطف، وهو ممتنع عند عطف الشيء على نفسه.

أما الحالة الثانية، فهي جملة المفعول معه، فهي غير مصاحبة للجملة السابقة بذاتها، لكنها تشاركها المعنى، لذا يجوز ربطها بالواو، كما أوضح الزركشي: “أن يغاير ما قبلها لكن بينهما نوع ارتباط [كعطف أو معية]، وهذه هي التي يتوسطها العاطف.

الحالة الثالثة، كما ذكر العلوي، تكون حين تكون الجملة على الانقطاع، أي لا ترتبط بما قبلها بأي نوع من العلاقة، فلا تكون معطوفة ولا مفعولًا معه[7].

واو الحال عند الجرجاني: التحليل والنقد

النحويون عادةً فسَّروا ربط الجمل بواو الحال بشكل لفظي بحت، دون مراعاة المعنى. حاول الجرجاني إدخال المعنى في تفسيره، لكنه ظل مقيدًا بما ذهب إليه النحويون[9]. وفسر الجرجاني عدم الربط بالواو في الجملة الحالية بعلة الاستئناف، وهو تفسير مشكوك فيه؛ لأن الاستئناف يعني الاستقلال عن الجملة السابقة في المعنى والإعراب، وهو ما يناقض طبيعة الجملة الحالية المرتبطة بصاحبها. مثال: “جاء زيد والشمس طالعة” تُقدر بمعنى: جاء زيد مصاحبًا لطلوع الشمس[11].

أما ربط الجملة بالواو، مثل:

 “جاءني وغلامه يسعى بين يديه”، فقد فسَّره الجرجاني بأن الجملة أفادت استئناف خبر ثان، وهو تعليل غير كافٍ، إذ يمكن تفسير الجملة نفسها بعدم ربطها بالواو بنفس الطريقة. كذلك مثال: “متى أرى الصبح قد لاحت مخايله”، حيث فسر عدم الربط بالواو بأنه لضمها مع العامل الأول في الإثبات، لكنه لم يفسر الربط في حالات مشابهة بطريقة متسقة.

كما استعان الجرجاني بمعاني المصاحبة لتفسير الربط بالواو، مشبهًا الحالة بجملة الشرط، فقال: “لأنها جاءت لتربط جملة ليس من شأنها أن ترتبط بنفسها”، وهذا يشبه المفعول معه الجملة أكثر من الجملة الحالية، لأن الجملة الحالية مرتبطة بصاحبها بذاتها، فلا تحتاج إلى الواو[9].

النقد والتحليل

تفسير الجرجاني على علاته غير مقبول، لأن طرفيه متناقضان. كان الأجدر به استخدام جمل متباينة في الربط والفصل لتوضيح القاعدة، كالمضارع المثبت مقابل المصدرة بضمير منفصل، وتحديد الحالات التي تُربط بالواو وأخرى لا.

أما تشبيهه بالربط بالفاء في جواب الشرط، فغير صحيح؛ فالفاء تفيد الترتيب والنتيجة المباشرة، بينما الواو تفيد العطف المجرد. الجملة الحالية وصاحبها شيء واحد، فلا يمكن استخدام الواو، أما المفعول معه الجملة فهي مستقلة جزئيًا، فتحتاج إلى الواو لتوضيح معنى المعية، وليس الحال[9].

حتى المحدثون المعاصرون، مثل الدكتور فاضل السامرائي، يصرون على القول بواو الحال، لكنهم في التفسير يلجأون إلى معنى المعية لتوضيح العلاقة، كما في قوله: “الأولى سؤال عن سبب الهرب، والثانية سؤال عن سبب المجيء مع أنه هارب، أي: لماذا جئتَ وهذه حالك؟“[12]

يخلص الأمر إلى أن أي تفسير يظل قائمًا على الاعتبار الشكلّي، لا يحل المشكلة إلا بإدراك واو الحال بمعنى المعية، وهو ما لم يستطع النحويون قبله أن يقرّوا به صراحة.

 


[1] الإيضاح، بتحقيق الخفاجي 1/ 246.
[2]
حاشية السيد الشريف الجرجاني على المطول للتفتازاني ص162، وحاشية الدسوقي على مختصر التفتازاني، ومواهب الفتاح ضمن كتاب شروح التلخيص 1/ 117.
[3]
الإيضاح، بتحقيق خفاجي 1/ 253، وشرح عقود الجمان للعمري 1/ 201.
[4]
الإعراب عن قواعد الإعراب، ص80.
[5]
دلائل الإعجاز، ص243 والتبيان للزملكاني، ص145.
[6]
الطراز 2/ 52.
[7]
البرهان 4/ 105-106.
[8]
مفتاح العلوم، غير محقق، ص150 وتحقيق أكرم، ص492.
[9]
دلائل الإعجاز، ص213- 215، التبيان في علم البيان ص123-124، ونهاية الإيجاز، ص137-138.
[10]
نظام الجملة العربية لسناء البياتي، ص117، والحال في الجملة العربية، ص199-204.
[11]
مواهب الفتاح، ضمن كتاب شروح التلخيص 3/ 152-153.
[12]
معاني النحو 2/ 261.
[13]
مجلة الضاد، ص135-158، والجزء الأول، جمادى الآخرة: 1408هـ.
[14]
دلائل الإعجاز، ص202.
[15]
المصدر نفسه، ص212.

ترك تعليق