المفعول معه بصيغة المضارع المرفوع والجملة الاسمية
يتضح من خلال الأمثلة التي عرضها النحويون في كتبهم أنّهم بذلوا جهدًا كبيرًا لإبعاد المفعول معه عن أن يكون جملة فعلية أو اسمية، رغم أنّ اللغة نفسها تشهد بوقوعه كذلك بصيغة الفعل المضارع المنصوب. فقد لجأ النحاة إلى اعتبار هذا الفعل المنصوب مصدرًا مؤوّلًا ليجعلوه بمنزلة المفرد، الأمر الذي سهَّل عليهم تفسيره على أنّه مفعول معه. والسبب في تمكّنهم من هذا التأويل هو أنّ الفعل كان منصوبًا، فاستطاعوا تقدير “أن” المصدرية قبله، فصار عندهم في حكم الاسم.
غير أنّ النصوص العربية التي ورد فيها المفعول معه قد جاءت أيضًا بصيغة المضارع المرفوع، في المواضع نفسها التي ورد فيها منصوبًا، مع بقاء المعنى كما هو، أي بقيت الجملة تفيد المصاحبة دون تغيير. وقد اعترف النحاة أنفسهم بأن هذا الفعل المرفوع يؤدي معنى المفعول معه تمامًا كما يؤدّيه الفعل المنصوب، إلا أنّهم لم يُعربوه بذلك الإعراب؛ لأنهم لم يستطيعوا أن يؤوّلوه مصدرًا، لكونه مرفوعًا لا يقبل دخول “أن” الناصبة عليه.
وهنا واجههم مأزق جديد:
فإذا أعربوا المضارع المرفوع على حقيقته، فسيبقى جملة لا محالة، والجملة عندهم لا تقع مفعولًا معه، في حين أن المعنى في النصوص يدور حول المعية لا حول الحال. ومن أجل تجاوز هذا الإشكال، اضطروا إلى صرف الواو إلى الحال أو الاستئناف، رغم كونها في الواقع واو معية، فكان هذا إبعادًا للمعنى الأصلي للنص وخروجًا به إلى باب آخر.
وقد رأينا سابقًا أنّ دخول واو المعية على الجملة الفعلية ثابت من شواهد اللغة نفسها، كما أن دخولها على الجملة الاسمية أمر صرّح به النحويون بلا خلاف يُذكر. وهذا يدلّ دلالة صريحة على أنّ وقوع المفعول معه جملة فعلية أو جملة اسمية أمرٌ وارد في العربية، لا يدفعه دليل قوي، ولا يمنع منه نص أو قياس مستقيم.
وبناء على هذا، لا يبقى هناك مسوّغ حقيقي لتعليل منعهم وقوع المفعول معه جملة؛ بل على العكس، هناك شواهد لغوية ومعنوية تدعو إلى إجازته، لأن معنى المعية هو الأصل في هذا الباب، وليس الحال أو الاستئناف.
وقد يثور سؤال منطقي هنا مفاده:
إذا اتفق الجمهور على أن المضارع المنصوب بعد واو المعية يُعرب مفعولًا معه في محل نصب، فكيف يمكن إعراب المضارع المرفوع أو الجملة الاسمية بعد واو المعية؟ وما الإجراء الإعرابي المتبع في هذه الحالة؟
والجواب:
أنّ الأمر في غاية اليسر، وليس فيه أي تعقيد. فنحن نتّبع الطريقة نفسها التي اتبعها النحاة عندما أعربوا هذه التراكيب حالًا، لكننا نعيدها إلى موضعها الصحيح. فبدلًا من أن نقول إن المضارع المرفوع أو الجملة الاسمية بعد الواو في محل نصب حال، نقول ببساطة إنهما في محل نصب مفعول معه. فكلاهما حال ومفعول معه من المنصوبات، ولا شيء يتعارض مع إعراب الجملة بعد الواو على أنها مفعول معه، مادام السياق الدلالي يشهد للمعية لا للحال.
إن إعادة النظر في هذه القاعدة تكشف أنّ الإشكالات الكبرى التي واجهت النحو في هذا الباب منشؤها التقييد الاصطلاحي لا الواقع اللغوي. فحين تكون الشواهد والمعاني كلها تؤدي إلى معنى المصاحبة، فإن تأويل الجملة إلى حال أو استئناف لا يضيف للنحو قوة، وإنما يجرّه إلى التعقيد والتأويل البعيد. ومن ثم، فإن اعتماد وقوع المفعول معه جملة فعلية أو اسمية يعيد إلى التركيب صفاءه ودلالته الأصيلة، ويزيل عن النحو عقدة ظلت تتكرر عبر الشروح والحواشي.
وهكذا يتبين أن المشكلة ليست في اللغة، بل في الخشية من الاعتراف بأن المفعول معه قد يأتي جملة في مواضع كثيرة. أما إذا تحرر الباحث من هذا القيد القديم، فإنه يجد أن إعراب الجملة بعد واو المعية مفعولًا معه هو الأوفق للمعنى والأقرب إلى أصل الاستعمال، دون حاجة إلى شقّ الطريق إلى باب الحال أو تكلف تأويلات لا تدعمها اللغة ولا ينسجم معها السياق.
