“واو الحال والمفعول معه: قراءة نقدية لإعادة التوازن بين الإعراب والدلالة”

إنَّ امتناع النحاة عن إجازة وقوع المفعول معه جملةً في مثل قولهم: “جاء زيد والشمسُ طالعة، كان سببًا مباشرًا في اتجاههم إلى إعراب هذه الجملة على أنها حال، وجعل الواو الداخلة عليها واو الحال. ولو أنّهم أجازوا ما دلّ عليه المعنى ابتداءً ــ وهو أن الجملة هنا تفيد المعية لا الحال ــ لما اضطرّوا إلى ابتداع هذا الاصطلاح أو التوسّع فيه. ومن هنا يظهر أن منعهم هذا النوع من المفعول معه، أدّى بالضرورة إلى توسيع دائرة واو الحال، حتى صارت الجملة بعد الواو تُنزع من دلالة المعية وتُقسر على دلالة الحال.

وبسبب هذا المسلك، غُيِّبَت دلالةٌ كانت حاضرة في الجملة الأصلية، وهي دلالة المصاحبة، فأصبح النحويون لا يعترفون إلا بالمفعول معه المفرد، رغم أن وقوعه جملةً أمرٌ وارد في اللغة، إلا أن النحاة ــ بقصد أو بغير قصد ــ قد صرفوا النظر عنه وأحالوه إلى باب الحال. فصار كل تركيب ترد فيه واو تفيد معنى المعية يُجرّد من هذا المعنى، ويُساق قسرًا إلى باب الحال، نتيجة افتراض مسبق بوجود “واو الحال” بصفتها أداة متخصصة للدخول على الجمل الاسمية.

ولذلك يمكن القول إنّ الإيمان بوجود “واو الحال” مبنيٌّ أصلًا على منع المفعول معه الجملة، وأن كل واحد من هذين الحكمين نشأ بسبب الآخر. وقد ترتب على هذين الأصلين مشكلتان عويصتان لازمتا النحو العربي طويلًا، حتى صارتا كعقدتين مستعصيتين، على الرغم من كل التأويلات والمعالجات التي قُدّمت لحلّهما، والتي تحوَّل بعضها ــ بمرور الزمن ــ إلى مشكلات تحتاج إلى تفسير جديد.

والحلّ الذي يبدو اليوم أيسر مما ظنه المتقدّمون، هو إعادة كل مسألة إلى موضعها الصحيح، تمامًا كما لو أن مفتاحين اختلط أمرهما، فوُضع كل واحد منهما في قفل الآخر، فاستحال فتح كلا البابين؛ الحل ليس بكسر الأقفال ولا بكسر المفاتيح، بل بإعادة كل مفتاح إلى بابه. وكذلك الأمر هنا: فلو ردّدنا حكم كل مسألة إلى وظيفتها الأصلية، لانحلت المشكلتان معًا.

فإذا قلنا ــ مثلًا ــ بجواز وقوع المفعول معه جملة، فإننا لا نعود بحاجة إلى اختراع “واو حال” في الموضع الذي يظهر فيه المعنى معنى المعية.

 فالجملة في نحو: “جاء زيد والشمسُ طالعة” ستكون مفعولًا معه على ظاهرها، فلا حاجة إلى تقرير أن الواو “حالية”، ولا إلى القول بأن الحال تحتاج هذه الواو أصلًا. وبذلك تُلغى واو الحال من تلقاء نفسها دون افتعال.

ومن الجهة المقابلة، إذا أعربنا الواو في مثل هذا التركيب واوَ معية بدلًا من حملها على الحال، أمكن حينئذٍ ــ بلا تكلّف ــ إعراب الجملة بعدها مفعولًا معه، فنكون قد أجزنا وقوع المفعول معه جملةً دون أن نحتاج إلى وضع قاعدة جديدة أو إلغاء أخرى.

وهكذا يتبين أن النحوي حين يثبت أحد الحكمين، يُضطر تلقائيًا إلى إلغاء الحكم الآخر؛ فوجود واو الحال قائم على إلغاء المفعول معه الجملة، وإثبات المفعول معه الجملة يستلزم إلغاء واو الحال؛ إذ يستحيل الجمع بينهما في موقع واحد، لأن أحدهما يُقصي الآخر. ومن هنا يمكن القول إن صدر الأفاضل ــ كما نُسب إليه ــ إنما اتجه إلى إلغاء واو الحال في الجمل التي لا يعود فيها ضمير على صاحب الحال، لينتهي إلى إثبات المفعول معه الجملة في هذا النوع من التراكيب، فيكون بذلك قد فكَّ الإشكال من جذوره.

وهذا الاتجاه يبدو اليوم أقرب إلى الصواب، لأنه يُعيد للنص اللغوي دلالته الأولى دون تعسّف، ويصل بين المعنى والتركيب دون افتعال أبواب جديدة أو اصطلاحات تزيد النحو تعقيدًا على تعقيده. فاللغة في أصلها مرنة، وما أغلقه النحاة بالتقعيد يمكن فتحه بسهولة بإعادة النظر في منشأ الأحكام، وإدراك أن كثيرًا من المشكلات إنما وُلدت نتيجة إحلال باب مكان باب، لا نتيجة قصورٍ في العربية أو نقصٍ في طاقتها التعبيرية.


 

ترك تعليق