التأصيل اللغوي
د. صباح علي السليمان
تشتق كلمة التأصيل من الأصل، وهو ما ينبني عليه غيره، وقيل: ما يتفرع عليه غيره؛ أمَّا اصطلاحًا فهو: “عملية لسانية تعتمد المقارنة بين الصيغ والدلالات، وتُميز الأصول والفروع”، أو “العودة إلى ينابيع الماضي وجذوره في الميراث العربي”، ومن ذلك عرضَ فيشر معجم اللغة العربية الفصحى مبتدئًا بالكتابة المنقوشة من القرن الرابع الميلادي، ومنتهيًا بالقرن الثالث الهجري، وبهذا لا يعني أن البحث عن كلمة الأصل لغة هو التأصيل؛ لأنَّ الأصل يأتي بمعانٍ متعددة، الأولى الدليل، نحو: أصل هذه المسألة الكتاب والسنة، يعني الدليل، والثانية الرجحان؛ أي: على الراجح من الأمرين؛ نحو: الأصل في الكلام الحقيقة دون المجاز، والثالثة القاعدة المستمرة؛ نحو: أكل الميتة خلاف على خلاف الأصل؛ أي: على خلاف الحالة المستمرة، والرابعة المقيس عليه، وهو ما يقابل الفرع في باب القياس، فالقياس أصل وفرع وحكم علَّة.
وتطلق على التأصيل كلمات مترادفة، وهي التأثيل أو الترسيس، ولكنْ لو جئت إلى دقة المعنى فالترسيس أول الشيء وبدايته، والتأثيل البحث عن أصول في اللغات الواحدة، ويُقصد به الدخيل، وهناك مصطلحات أخرى له، وهو علم التجذير، وعلم تأريخ الألفاظ.
ومن الأمثلة على ذلك:
ما أخذه الدكتور عصام فاروق في كلمة مصطلح، وهو مصدر ميمي من الفعل اصطلح المشتقة من مادة (ص ل ح)، وجعلوه بعض العلماء اسم مفعول لضمِّ أوله وفتح ما قبله على تقدير متعلق؛ أي:
اصطلح عليه، وأصل مادة صلح ضد الفساد كما دلت عليها المعجمات العربية، وكذلك تأتي بمعنى الاتفاق، والمعنى الدلالي متقارب، فإصلاح الفساد بين القوم لا يتم إلا باتفاقهم، وقد جاء اشتقاقه بأفعال، وهي: صلَح، صَلُح، وصالح، وأصلح، وتصالح، واصَّالح، ومصادر، وهي: صُلْح، وصلاح، ومصالحة، وإصلاح، واستصلاح، ومشتقات، وهي: صالح، وصليح، ومُصِلح، وصلحاء، ومصلحة، ولم يَرِد اصطلح في القرآن الكريم، وإنما ورد في الحديث الشريف، ومنه قول النبي محمد صلى الله عليه وسلم: “فاصطلحا على أنَّ لنوح ثلثها، ومنه قول الراجز:
كعاشقين اصْطَلحا من بعدما ضرَّ التَّجنِّي بهما فاعتَنقا
وكذلك تأصيل معنى فونتيك، فهو يدلُّ على الصوت اللغوي المفرد من ناحية المخرج والصفة، وانتقاله في الهواء وإدراكه في ذهن السامع، أمَّا عند علماء العرب فقد تُرجم إلى علم الصوت، ومنهج الأصوات، وعلم الأصوات العام، وعلم الأصوات اللغوية، والصوتيات والصواتة، أمَّا عند اللسانيين الغربيين، فقد جعلوه يهتم بدراسة الأصوات اللغوية وتصنيفها وتحليلها بمعزل عن تطوُّرها التأريخي، ويعلل دي سوسير أنَّ الفونتيك علم تأريخي، فهو يحلل الأحداث والتحولات ويتحرك في الزمن.
وبهذا فعلمُ التأصيل اللغوي مهم في الدراسات اللغوية وكذلك الأدبية؛ لأنَّه يبيِّن جهود علماء العرب في هذا العلم، وكذلك يبيِّن أصول اللغات في العالم، وكيف تطورها عبر العصور.
مراجع:
• الكوكب المنير شرح مختصر التحرير1/ 15.
• التأثيل والـتأصيل في الأدب ومعاجم اللغة، غازي الأحمد.
• الكوكب المنير شرح مختصر التحرير1/ 15.
•يراجع: الأصول الإبستمولوجية والأنطولوجية لمصطلحي التأصيل والترسيس في اللغة، د. سليم عواريب، والتأثيل والـتأصيل في الأدب ومعاجم اللغة، غازي الأحمد، والتأصيل اللغوي لكلمة مصطلح، د. عصام فاروق، ودمية القصر وعصرة أهل العصر 2 /1308، وتأصيل المصطلح الصوتي في اللغة العربية الفونتيك والفونولوجية أنموذجًا، د. زين العابدين سليمان
المصدر: الألوكة
