عمرو رجب عبدالجبار عيسى
القسم في جزء عمّ (دراسة نحوية) المبحث الأول
المقدمة
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله،النبي العربي، محمد بن عبدالله…
أما بعد:
فهذا بحث صغير يدرس ظاهرة القسم في جزء عم، والقسم أسلوب تتميز به اللغة العربية؛ فيأتي لتوكيد الكلام، وقد ورد في جزء عم في سور كثيرة، فرأيت أن آخذه موضوعًا للبحث، فكان هذا الذي أقدم…
وهذا البحث يتكون من مبحثين وخاتمة؛ في المبحث الأول درست أسلوب القسم نحويًّا؛ من حيث تعريفه، وفائدته، وأركانه. والكلام عن القسم لا يكاد يتغير من كتاب لآخر في كتب النحو؛ فالفروق أو الزيادات قليلة لا تكاد تذكر، الفرق فقط هو في طريقة التناول والعرض، ومن هذا المنطلق يطول الكلام ويكثر في القسم.
المبحث الأول
القـســـم
معناه الحلف أو اليمين، وهو ضرب من ضروب الإنشاء غير الطلبي[1] فهو توكيد للكلام[2]، ويشترك فيه الاسم والفعل، ويكون جملة اسمية أو فعلية تؤكد بها جملة موجبة أو منفية. نحو قولك حلفت بالله، وأقسمت، ولعمرك، وعليّ عهد الله لأفعلنّ أو لا أفعل[3].
حروف القسم:
اختلف النحاة في عدتها، فمنهم من اقتصر على ذكر الباء والواو والتاء[4] ومنهم من زاد اللام ومُن.[5] وتفصيل هذا على النحو الآتي:
الباء:
هي الأصل في حروف القسم، ويعلل ابن الأنباري ذلك فيقول: ” لأن فعل القسم المحذوف فعل لازم، ألا ترى أن التقدير في قولك: بالله لأفعلن: أقسم بالله لأفعلن، أو أحلف بالله. والحرف المعدى من هذه الحروف هو الباء؛ لأن الباء هو الحرف الذي يقتضيه الفعل، وإنما كان الباء دون غيرها من الحروف المعدية؛ لأن الباء معناها الإلصاق، فكانت أولى من غيرها ليتصل فعل القسم بالمقسم به مع تعديته “[6].
ويؤيد أنها الأصل أنها تدخل على كل محلوف به ظاهرًا كان أو مضمرًا، والفعل ظاهرًا أو محذوفًا، فتقول: بالله لأفعلن، أقسم بالله لأفعلن، وتقول: بك لأفعلن، وأقسم بك لأفعلن، قال الشاعر[7]:
رأى برقًا فأوضع فوق بكر
فلا بك ما أسال وما أغاما
الواو:
قدم سيبويه الواو على الباء [8] على الرغم من أن الباء هي الأصل في حروف القسم، وغيرها إنما هو محمول عليها؛ وذلك لأن العرب أكثرت من استعمالها حتى أنيبت عنها فغلبتها.
و على أية حال فإن الواو أبدلت من الباء، وقد علل النحويون ذلك بشيئين هما:
أ- تقارب المخرج بين الواو والباء؛ لأنهما من الشفتين.
ب- أن الواو للجمع، والباء للإلصاق، فهما متقاربتان في المعنى؛ لأن الشيء إذا لاصق الشيء فقد اجتمع معه[9].
و تدخل الواو على المقسم به بشرطين:
أ- أن يكون المقسم به ظاهرًا؛ فهي لا تدخل على مضمر، فلا يجوز أن تقول: وك لأفعلن.
ب- أن يكون الفعل محذوفًا؛ فلا يجوز أن تقول: أقسم والله لأفعلن[10].
بالإضافة إلى أنها لا تستعمل في قسم الطلب، فلا يقال: والله أخبرني، كما يقال: بالله أخبرني[11].
التاء:
و هي بدل من الواو، كما قالوا: تُراث، وتُكلة، واتَّعد، في: وراث، ووكلة، واوتعد. فلهذا قصرت عن الباء والواو في دخولهما على لفظ الجلالة وغيره، فهي لا تدخل إلا عليه،[12] قال تعالى:﴿ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴾ [يوسف: 91] وهذا هو المشهور، وحكي عن أبي الحسن الأخفش: تربِّ الكعبة لأفعلن، يريدون ورب الكعبة، وهو قليل[13].
و بدل التاء من الواو ليس بقياس وإن كان كثيرًا[14]. ويشترط للقسم بها ما اشترط للواو.
اللام:
لا تدخل إلا على اسم الله تعالى، ولا تجيء إلا أن يكون فيها معنى التعجب، قال الشاعر:
لله يبقى على الأيام ذو حيد
و يشترط في اللام عند القسم بها خلاف أن تكون للتعجب، ألا يظهر الفعل الذي يتعلق به المجرور،فإن ظهر فلابد من الباء[16].
مِن:
و هي تختص بلفظ “ربّي”، فتقول من ربي لأفعلن،بكسر الميم وضمّها. ولا يقسم بها مع غيره. فكما اختصت التاء بالدخول على لفظ الجلالة، اختصت مُِن بالدخول على ربي، فلا يقال: من الله لأفعلن.[17] ولا تدخل على المقسم به إلا إذا كان الفعل مضمرًَا، فإن كان الفعل مظهرًا فلابد من الباء[18].
هذه كانت أشهر حروف القسم التي تواضع عليها النحاة في القديم والحديث. وقد زاد بعضهم الميم المكسورة والمضمومة فقالوا: مُِ الله لأفعلن.[19]
حذف حرف القسم:
و يحذف حرف القسم لكثرة الاستعمال، وتخفيفًا لقوة الدلالة عليه، وهو في ذلك على ضربين:
أ- أن يحذف ويعوض عنه ويختص لفظ الجلالة بجواز حذف حرف القسم مع تعويضه، ويعوض عنه بالآتي:
• ها التنبيه، مثل: إي ها الله ذا، ولا ها الله ذا.
• قطع الهمزة في الوصل، مثل: أ فألله لتفعلن.
• همزة الاستفهام، مثل: آلله لأفعلن.
ب_ أن يحذف ولا يعوض عنه وفي هذه الحالة ينتصب المقسم به بفعل القسم. قال سيبويه: ” اعلم أنك إذا حذفت من المحلوف به حرف الجر نصبته “[20] قال الشاعر[21]:
ألا رُبَّ مَن قلبي له اللهَ ناصح
ومن قلبه لي في الظباء السوانحُ
المقسم به:
هو كل اسم من أسماء الله تعالى وصفاته، ونحو ذلك مما يعظم عندهم [22] وكانت العرب تحلف بآبائها، فتقول: وأبي، ورأسي، إلا أن الشرع الحنيف منع أن يحلف الرجل بغير الله[23].
وقد ورد القسم في الكتاب العزيز بمخلوقاته كثيرًا تفخيمًا وتعظيمًا لأمر الخالق؛ فإنّ في تعظيم الصنعة تعظيم الصانع، ومن ذلك قوله تعالى:﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾ [العصر: 1، 2]، ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ﴾ [الشمس: 1 – 3].
حذف المقسم به:
وقد يحذف المقسم به، وذلك لدلالة الفعل عليه، فتقول: أقسم لأفعلن، وأحلف لأفعلن، وإنما حذف لكثرة الاستعمال، وعلم المخاطب بالمراد [24]قال الشاعر:
فأقسمُ أنْ لو التقينا وأنتمُ
لكان لكم يومٌ من الشر مظلمُ[25]
جملتا القسم:
وللقسم جملتان يتنزلان بمنزلة جملة واحدة، مثل الشرط؛ فإنّ جملتيه بمنزلة جملة واحدة. فللقسم جملة قسم وجملة جواب[26].
جملة القسم:
إما أن تكون جملة فعلية، نحو قولك: أقسم بالله لأفعلن كذا. وإما أن تكون اسمية، مثل: لعمرك لأفعلن[27].
جملة جواب القسم:
وتكون جملة اسمية أو فعلية، ويكون تقسيمها على النحو الآتي:
أ- إذا كانت اسمية مثبتة فالأغلب اقترانها “إنَّ، اللام“، أو إحداهما، نحو قولك: والله إنك لعلى خلق عظيم، والله لزيد أفضل من عمرو.
ب- إذا كانت اسمية منفية لم تقترن بشيء إلا بحرف النفي، فتقول: والله ما هذا برأي.
ج- إذا كانت جملة فعلية مثبتة فعلها مضارع يفيد الاستقبال فالأغلب اقترانها ﺒ “اللام والنون “، نحو قولك: والله لأفعلن كذا.
و إن كان فعلها مضارعًا يفيد الحال، وجب الاكتفاء باللام مطلقًا، ولا يؤتى معها بالنون؛ لأنها علامة استقبال تنافي الحال، فتقول: والله لأخرج الآن.
د- إذا كانت جملة فعلية فعلها ماض ٍ،فالأغلب اقترانها “اللام، قد “، قال تعالى:﴿ تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴾ [يوسف: 91].
ﻫ- فإذا كانت فعلية منفية لم تقترن بشيء:
فعلها مضارع: يكون نفيه ﺒ “ما، إنﹾ، لا “، مثل: والله لا يقوم زيد.
فعلها ماض ٍ: أداة النفي تكون ” ما “، مثل: والله ما قام عمرو[28].
الحذف في جملتي القسم:
أ – حذف جملة القسم:
وهو كثير جدًّا، وهو لازم مع غير الباء من حروف القسم، وحيث قيل: ” لأفعلن أو لقد فعل أو لئن فعل ” ولم يتقدم جملة قسم فثمة جملة قسم مقدرة، نحو:﴿ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ﴾ [آل عمران: 56][29].
وقد تحذف جملة القسم ويعوض عنها بشيئين:
جَير:
وهي من حروف التصديق، بمعنى ” نعم “، والجامع أن التصديق توكيد وتصديق كالقسم، فتقول جير لأفعلن، بمنزلة: نعم والله لأفعلن.
عَوض:
وهي ظرف، وعوضت عن القسم لكثرة استعمالها معه، كقولك: لا أفعله عوض، أي والله لا أفعله[30].
ب- حذف جملة الجواب:
و يحذف جواب القسم في حالتين:
أ- إذا جاء معترضًا أثناء الكلام، نحو: زيد – والله – قائم، أو قام – والله- زيد.
ب- إذا تقدم ما يدل عليه، نحو: زيد قائم والله، أو أكرمك والله[31].
و يكثر حذف أداة النفي من جواب القسم مع المضارع؛ وذلك لأمن اللبس، نحو قوله تعالى: ﴿ قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ ﴾ [يوسف: 85].
يقول سيبويه: ” واعلم أن من الأفعال أشياء فيها معنى اليمين، يجري الفعل بعدها مجراه بعد قولك والله، وذلك قولك: أقسم لأفعلن، وأشهد لأفعلن، وأقسمت بالله عليك لتفعلن.”[32].
اجتماع القسم والشرط:
إذا اجتمع في كلام واحد قسم وشرط استغني بجواب ما تقدم منهما عن جواب المتأخر إن لم يتقدم عليهما ذو خبر،فالاستغناء بجواب القسم لتقدمه نحو: والله إن جئتني لأكرمنك،و الاستغناء بجواب الشرط لتقدمه نحو: إن جئتني والله أكرمك.
فلو تقدم عليهما ذو خبر استغني بجواب الشرط، تقدم على القسم أو القسم تقدم عليه….فإن لم يتقدم عليهما ذو خبر، وأخر القسم وجب الاستغناء عن جوابه بجواب الشرط، وإن أخر الشرط استغني في أكثر الكلام عن جوابه بجواب القسم، قال تعالى:﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ [النور: 53][33]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الأساليب الإنشائية في النحو العربي 162.
[2] الكتاب 3: 104.
[3] شرح المفصل 9: 90.
[4] انظر الكتاب 3: 496 – أسرار العربية 275
[5] انظر البسيط في شرح جمل الزجاجي السفر الثاني 924.
[6] أسرار العربية 275، ونظر المغني 1: 122/ 126.
[7] البيت من الوافر لعمرو بن يربوع، انظر شرح المفصل 9: 101، الحيوان 1: 186.
[8] الكتاب 3: 496.
[9] انظر شرح المفصل 9: 99، والبسيط في شرح جمل الزجاجي السفر الثاني 925.
[10] السابق، وانظر المغني 2: 24.
[11] الأساليب الإنشائية 163.
[12] الأساليب الإنشائية 163.
[13] الأساليب الإنشائية 163 بتصرف يسير، وانظر الهمع 3: 393.
[14] البسيط السفر الثاني 927، وقال ابن يعيش في شرح المفصل عن إبدال التاء من الواو: ” وهو كثير يكاد يكون قياسًا لكثرته ” شرح المفصل 9: 99.
[15] البيت من البسيط نسبه سيبويه في الكتاب 2: 144 3: 497 إلى أمية بن أبي عائذ،و انظر الخزانة 4: 231.
[16] البسيط السفر الثاني 928، انظر المغني 1: 232.
[17] انظر الكتاب 3: 499، وشرح المفصل 9: 100.
[18] البسيط 928.
[19] شرح المفصل 9: 100.
[20] الكتاب 3: 497، وانظر شرح المفصل 9: 103 وما بعدها، البسيط السفر الثاني 933 وما بعدها.
[21] البيت من الطويل لذي الرمة، والشاهد في “الله ” وهو نصب المقسم به عند حذف حرف القسم.
[22] شرح المفصل 9: 93.
[23] البسيط السفر الثاني 923.
[24] انظر شرح المفصل 9: 94.
[25] البيت من الطويل للمسيب بن علس، انظر السابق
[26] المغني 2: 66 / 71.
[27] الأساليب الإنشائية 166 بتصرف.
[28] مهارات العربية 122 بتصرف كبير. وانظر شرح المفصل 9: 96، 97. والبسيط السفر الثاني 913 وما بعدها، والأساليب الإنشائية 168 وما بعدها.
[29]المغني 2: 302.
[30] انظر البسيط السفر الثاني 937، والأساليب الإنشائية 167، والمغني 2: 302.
[31] السابق، وانظر المغني 2: 302.
[32] الكتاب 3: 104 باب الأفعال في القسم.
[33] شرح التسهيل 3: 215، 216.