اشتراك المفضل في ثورة إبراهيم (1)

أن المنصور لم يحاول أن يستقصي بعد إذ قضى على رأسي الثورة، إذ كان يعلم أن الاستقصاء سينال كثيراً من ((المثقفين)) في عصره، ولهذا اكتفى بالنصر الحربي، وشمل كثيرين بالعفو، ومنهم المفضل، الذي لم ينل عفواً وحسب بل أصبح – بعد هدأة النفوس – مؤدباً للمهدي، ومنذ هذه اللحظة تم تحول في حياته، فانتقل إلى بغداد، مع كثيرين غيره من علماء الكوفة والبصرة، وكانت هذه المرحلة البغدادية أخصب فترة من العطاء في حياته، وفيها تقرر اتجاهه نحو الشعر والأخبار، وفيها – فيما أقدر – كثر من حوله طلاب العلم والآخذون عنه مثل: الفراء والكسائي والمدائني وأحمد بن مالك القشيري وأبي كامل الجحدري ومحمد بن عمر القصبي وأبي عمرو الشيباني وعمر بن شبة.

اشتراك المفضل في ثورة إبراهيم (1)

المؤلف: المفضل بن محمد بن يعلى بن سالم الضبي (المتوفى: نحو١٦٨هـ)

المحقق: إحسان عباس

ذلك هو موجز القصة عن اشتراك المفضل في ثورة إبراهيم، وليس ثمة ما يجعلنا نتشكك فيها وإن جاءت من بعض الطرق بصيغة التمريض ((ويقال إن المفضل بن محمد خرج مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن)) [1]، وقد تعارض القصة بعفو المنصور عنه، فيقال: كيف يعفو عنه وقد كان له دور هام في الأشهر القليلة من عمر تلك الثورة؟ والجواب على ذلك أن المنصور لم يحاول أن يستقصي بعد إذ قضى على رأسي الثورة، إذ كان يعلم أن الاستقصاء سينال كثيراً من ((المثقفين)) في عصره، ولهذا اكتفى بالنصر الحربي، وشمل كثيرين بالعفو، ومنهم المفضل، الذي لم ينل عفواً وحسب بل أصبح – بعد هدأة النفوس – مؤدباً للمهدي، ومنذ هذه اللحظة تم تحول في حياته، فانتقل إلى بغداد، مع كثيرين غيره من علماء الكوفة والبصرة، وكانت هذه المرحلة البغدادية أخصب فترة من العطاء في حياته، وفيها تقرر اتجاهه نحو الشعر والأخبار، وفيها – فيما أقدر – كثر من حوله طلاب العلم والآخذون عنه مثل: الفراء والكسائي والمدائني وأحمد بن مالك القشيري وأبي كامل الجحدري ومحمد بن عمر القصبي [2] وأبي عمرو الشيباني وعمر بن شبة.


وتستوقفنا هنا رواية تقول: ((قدم بغداد في أيام الرشيد)) [3]، وهي تتعارض مع تعيينه مؤدباً للمهدي منذ أيام المنصور، ولهذا التعارض يمكن أن نحملها على الوهم أو الخطأ، إلا أن تعني أنه غادر بغداد مدة بعد وفاة الهادي ثم قدمها من جديد أيام الرشيد.

ومهما يكن من شيء فقد عاصر المفضل خلافة المنصور والمهدي والهادي وجانباً من خلافة الرشيد، وكان له مع كل واحد من هؤلاء الخلفاء علاقة، فمن المقطوع به أن المنصور هو الذي ندبه ليعلم ابنه المهدي، فكان يراه أثناء تردده إلى القصر، وكان يجالسه ويسأله عن أشياء تتصل باللغة والشعر.


قال له مرة: صف لي الجواد من الخيل، فقال: يا أمير المؤمنين إذا كان الفرس طويل ثلاث قصير ثلاث رحب ثلاث صافي ثلاث، فذلك الجواد الذي لا يجارى، ثم فسر هذا القول المبهم بقوله: أما الثلاث الطوال فالأذنان والهادي والفخذ وأما القصار فالظهر والعسيب والساق، وأما الرحاب فاللبان والمنخر والجبهة، والصافية: الأديم والعين والحاف[4].

ومر به المنصور ذات يوم والمهدي بين يديه ينشد قصيدة للمسيب بن علس مطلعها:

أرحلت من سلمى بغير متاع… قبل العطاس ورعتها بوداع


((فلم يزل واقفاً من حيث لا يشعر به حتى استوفا سماعها، ثم صار إلى مجلس له وأمر بإحضارهما فحدث المفضل بوقوفه واستماعه لقصيدة المسيب واستحسانه إياها، وقال له: لو عمدت إلى إشعار الشعراء المقلين واخترت لفتالك لكل شاعر أجود ما قال لكان ذلك صواباً، ففعل المفضل)) [5].


تريد هذه الرواية أن تفسر اختيار المفضل لقصائد أصبحت في مجموعها تعرف اقتراح الاختيار إلى المنصور، وأنه استثير إليه عرضاً، وحدد مجال الاختيار بأن يكون من شعر الشعراء المقلين، وإن يكون ما يختار ممثلاً لأجود ما روي لهم؛ ولكن هذا ((الفضل العباسي)) في جمع تلك القصائد يعارضه ((فضل علوي))، إذ تذهب رواية أخرى إلى أن إبراهيم بن عبد الله ابن حسن حين كان مستتراً عند المفضل – وكان المفضل يتركه وحيداً في البيت

المصدر: أمثال العرب ت إحسان عباس



[1] انباه الرواة ٣: ٣٠٢.

[2] في أسماء تلامذته انظر: ميزان الاعتدال ٤: ١٧٠ ولسان الميزان ٦: ٨١ وتاريخ بغداد ١٣: ١٢١ وأنساب السمعاني ٨: ٣٨٥ وانباه الرواة ٣: ٢٩٨ – ٢٩٩ وغاية النهاية ٢: ٢٠٧، ووفيات الأعيان ١: ٢٠٢، ٣: ٤٤٠.

[3] تاريخ بغداد: ١٣: ١٢١ وأنساب السمعاني ٨: ٣٨٥ وانباه الرواة ٣: ٢٩٨ والبلغة: ٢٦٢.

[4] أمالي الزجاجي: ٢ – ٣.

[5] الذيل على أمالي القالي: ١٣١ – ١٣٢ وقصيدة المسيب هي المفضلية رقم: ١١.

اخترنا لكم

ترك تعليق