هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله الذهبي، التميمي، مولاهم، التركماني الأصل، الفارقي، ثم الدمشقي الشافعي. ولد في ثالث ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وستمائة. ونشأ في بيئة وعصر كان لهما أثر كبير في تكوين شخصيته العلمية.

‌‌ثناء العلماء على الذهبي


المؤلف: ابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري (المتوفى: ٨٠٤هـ)

إن شخصية الذهبي العلمية فرضت محبته وتقديره على كل منتسب للعلم وأهله، حتى وإن لم يكن على وفاق معه في المعتقد، ولذا نجد من يطريه بألفاظ من المديح يخشى عليه من مجاوزة الحدّ فيها، ومع ذلك يحمل راية الحطّ عليه؛ لأجل اعتقاده، كتلميذه تاج الدين السبكي كما سيأتي.

والعمدة في ذلك على جمهور العلماء، فإن ثناءهم على الذهبي لا يكاد يحصر، ويكفيه فخراً أن الحافظ ابن حجر قال: “شربت ماء زمزم لأصل إلى مرتبة الذهبي في الحفظ”[1].

وقد أثنى عليه جملة من العلماء، منهم تلاميذه:

ابن شاكر الكتبي، والصفدي، والحسيني، والتاج السبكي وابن كثير، وابن الموصلي الطرابلسي، والبدر النابلسي، ومنهم الأسنوي، وابن الجزري، وابن ناصر الدين، وابن قاضي شهبة، وابن تغري بردي، والسيوطي، وابن طولون، والشوكاني.

أما الكتبي، والصفدي فعبارتهم واحدة، والظاهر أن أحدهما أخذ من الآخر، وكلام الصفدي أتم، حيث يقول: “الشيخ الإِمام العلّامة الحافظ شمس الدين أبو عبد الله الذهبي، حافظ لا يجارى، ولافظ لا يُبارى، أتقن الحديث ورجاله، ونظر علله وأحواله، وعرف تراجم الناس، وأزال الإِبهام في تواريخهم والِإلباس، ذهن يتوقَّد ذكاؤه، ويصحّ إلى الذهب نسبته وانتماؤه، جمع الكثير، ونفع الجمّ الغفير، وأكثر من التصنيف، ووفّر مؤنة التطويل في التأليف …، اجتمعت به، وأخذت عنه، وقرأت عليه كثيراً من تصانيفه في ولم أجد عنده جمود المحدّثين، ولا كودنة النقلة، بل هو فقيه النظر، له دربة بأقوال الناس، ومذاهب الأئمة من السلف وأرباب القالات، وأعجبني منه ما يعانيه في تصانيفه من أنه لا يتعدى حديثاً يورده حتى يبين ما فيه من ضعف متن، أو إظلام إسناد، أو طعن في رواته، وهذا لم أر غيره يراعي هذه الفائدة فيما يورده” [2].

وأما الحسيني، فقال: “شيخنا الحافظ الِإمام العلاّمة، مؤرّخ الشام”، ومحدّثه، ومفيده …، خرّج لجماعة من شيوخه، وجرّح وعدّل، وفرّع وأصّل، وصحّح وعلّل، واستدرك وأفاد، وانتقى، واختصر كثيراً من تواليف المتقدمين والمتأخرين، وصنّف الكتب المفيدة السائرة في الآفاق” [3].

وأما تاج الدين السبكي، فقال: “أما أستاذنا أبو عبد الله، فبصر لا نظير له، وكنز هو الملجأ إذا نزلت المعضلة، إمام الوجود حفظاً، وذهب العصر معنى ولفظاً، وشيخ الجرح والتعديل، ورجل الرجال في كل سبيل، كأنما جمعت الأمة في صعيد واحد، فنظرها، ثم أخذ يخبر عنها إخبار من حضرها …، وهو الذي خرّجنا في هذه الصناعة، وأدخلنا في عداد الجماعة … ” إلى أن قال: “ومما زال يخدم هذا الفن إلى أن رسخت فيه قدمه، وتعب الليل والنهار، وما تعب لسانه وقلمه، وضُربت باسمه الأمثال، وسار اسمه مسير الشمس، إلا أنه لا يتقلّص إذا نزل المطر، ولا يدبر إذا أقبلت الليال” [4].

وأما ابن كثير فقال: “الشيخ الحافظ الكبير، مؤرخ الِإسلام، وشيخ المحدثين، وقد ختم به شيوخ الحديث وحفاظه -رحمه الله -” [5].

وأما أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الكريم ابن الموصلي الطرابلسي، الشافعي، فإنه قدم دمشق متوجهاً إلى الحج سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، فلما التقى بالذهبي قال:

ما زلت بالسمع أهواكم، وما ذكرت
أخباركم قط إلا مِلْتُ من طرب
وليس من عجب أن ملت نحوكم
فالناس بالطبع قد مالوا إلى الذهب[6]

وأما البدر النابلسي، فقال في مشيخته: “كان علامة زمانه في الرجال وأحوالهم، حديد الفهم، ثاقب الذهن، وشهرته تغني عن الإِطناب فيه” [7].

وقال الأسنوي: “حافظ زمانه …، صنّف التصانيف الكثيرة المشهورة النافعة” [8].


وقال ابن الجزري: “الحافظ، أستاذ ثقة كبير …، كتب كثيراً، وألّف وجمع وأحسن في تأليف طبقات القراء” [9].


وقال ابن ناصر الدين: “الشيخ الإِمام، الحافظ الهمام، مفيد الشام، ومؤرخ الإِسلام، ناقد المحدّثين، وإمام العدّلين والمجرّحين …، كان آية في نقد الرجال، عمدة في الجرح والتعديل، عالماً بالتفريع والتأصيل، إماماً في القراءات، فقيهاً في النظريات، له دربة بمذاهب الأئمة وأرباب المقالات، قائماً بين الخلف بنشر السنة ومذهب السلف …، له المؤلفات المفيدة، والمختصرات الحسنة، والمصنفات المديدة” [10].


وقال ابن قاضي شهبة: “الإِمام العلامة الحافظ المقرىء، مؤرخ الإِسلام …، قرأ القراءات وأتقنها، وشارك في بقية العلوم، وأقبل على صناعة الحديث فأتقنها، وتخرج به حفاظ العصر، وصنف التصانيف الكثيرة المشهورة، مع الدين المتين، والورع والزهد” [11].


وقال ابن تغري بردي: “الشيخ الإِمام، الحافظ المؤرخ، صاحب التصانيف المفيدة …، أحد الحفاظ المشهورة …، سمع الكثير، ورحل البلاد، وكتب وألّف، وصنّف وأرّخ، وصحّح، وبرع في الحديث وعلومه، وحصّل الأصول، وانتقى” [12].


وقال السيوطي: “الِإمام الحافظ، محدث العصر، وخاتمة الحفاظ، ومؤرخ الِإسلام، وفرد الدهر، والقائم بأعباء هذه الصناعة …، رحل، وعني بهذا الشأن، وتعب فيه، وخدمه إلى أن رسخت فيه قدمه، وتلا بالسبع، وأذعن له الناس …، والذي أقوله: إن المحدّثين عيال الآن في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة: المزي، والذهبي، والعراقي، وابن حجر” [13].


وقال ابن طولون: “الِإمام العلامة، شيخ المحدّثين، وقدوة الحفاظ، ومؤرخ الشام ومفيده …، جرّح، وعلل، وعدّل، واستدرك، وأفاد، وانتقى، واختصر كثيراً من تواريخ المتقدمين والمتأخرين، وكتب علماً كثيراً، وصنف الكتب المفيدة …، ومصنفاته، ومختصراته، وتخاريجه تقارب المائة، وقد سار بجملة منها الركبان في أقطار البلدان، وكان أحد الأذكياء المعروفين، والحفاظ المبرزين” [14].


وقال الشوكاني: “الحافظ الكبير المؤرخ، صاحب التصانيف السائرة في الأقطار …، وجميع مصنفاته مقبولة، مرغوب فيها، رحل الناس لأجلها، وأخذوها عنه، وتداولوها، وقرأوها، وكتبوها في حياته، وطارت في جميع بقاع الأرض، وله فيها تعبيرات رائقة، وألفاظ رشيقة غالباً، لم يسلك مسلكه فيها أهل عصره، ولا من قبلهم، ولا من بعدهم، وبالجملة فالناس في التاريخ من أهل عصره فمن بعدهم عيال عليه، ولم يجمع أحد في هذا الفن كجمعه، ولا حرره كتحريره”.

المصدر: مختصرُ استدرَاك الحافِظ الذّهبي على مُستدرَك أبي عبد اللهِ الحَاكم



[1] ذيل طبقات الحفاظ للسيوطي (ص ٣٤٨).

[2] الوافي بالوفيات (٢/ ١٦٣).

[3] ذيل العبر (ص ٢٦٧ – ٢٦٨)، وذيل تذكرة الحفاظ (ص ٣٤ – ٣٥) كلاهما له.

[4] طبقات الشافعية له (٩/ ١٠١ و ١٠٢).

[5] البداية والنهاية (١٤/ ٢٢٥).

[6] الرد الوافر (ص ٣١ – ٣٢).

[7] الدرر الكامنة (٣/ ٤٢٧).

[8] طبقات الشافعية له (١/ ٥٥٨ – ٥٥٩).

[9] غاية النهاية (٢/ ٧١).

[10] الموضع السابق من الرد الوافر.

[11] طبقات الشافعية له (٣/ ٧٢ – ٧٣).

[12] النجوم الزاهرة (١٠/ ١٨٢).

[13] ذيل تذكرة الحفاظ له (ص ٣٤٧ – ٣٤٨).

[14] القلائد الجوهرية (٢/ ٤٥٠ – ٤٥١).

اخترنا لكم

    ترك تعليق