الفوائد المكتسبة من العهد المكي والمدني

الفوائد المكتسبة من العهد المكي والمدني


عناصر الموضوع:
الفائدة الأولى

الفائدة الثانية
الفائدة الثالثة

طريق معرفته

نقاط التمايز في الأسلوب

نقاط تمايز في المدني

نقاط التمايز الموضوعي

نقاط التمايز في المكي

نقاط التمايز الموضوعي للمدني

نقاط تشابه بينهما

نقطة التشابه في الحمل من مكان الآية إلى موضع مغاير لها وهاكم أمثلة لهذه


الفائدة الأولى المكتسبة من العهد المكي والمدني:

وما نجنيه من معرفته، أمور تشريعية كثيرة، أثبت منها ما يتسع له المقام، وما يهمّ المشرّع الفقيه.
فأولاها: إنّ العلم به يميّز ما بين الناسخ والمنسوخ من القرآن الكريم، إذ تحديد الناسخ من القرآن، يقرّر الحكم الشرعي الدائم، الذي استقرّت العرضة الأخيرة منه، عليه.
ومثال توضيحي لهذا، لو أنّ آيتين أو أكثر قد سيقت في موضوعواحد، وظهر بينها تخالف في الحكم، فلن يحسم هذا التخالف، ويثبت أحدهما، إلّا معرفة الزمن الذي فيه نزل، والمكان أيضا.
وهذه المعرفة تندرج حصرا تحت ما يسمّى ب (علم المدني والمكي).
فما علم بأنّه مكي فينسخه المدني، ويتقرّر الحكم الشرعي بناء عليه.
وأمثلة النسخ عديدة يمكن معرفتها من مظانّها.
ولننتقل الآن إلى فوائده الأخرى.


الفائدة الثانية المكتسبة من العهد المكي والمدني:

هي معرفة تاريخ التشريع القرآني، وتدرّجه في تقرير مسائله بحكمة فائقة، لا شبيه ولا نظير لها، وينشأ عن هذا إيمان بسموّ السياسة الإسلامية، في تربية الأجيال، والشعوب. وهذا ما نتعرف عليه عند الحديث عن نقاط التمايز بين عهدي (المدني والمكي). فأرجئه- الآن- إلى هناك.


الفائدة الثالثة المكتسبة من العهد المكي والمدني:

إنها تولّد الثقة بهذا القرآن، وتمنحه توثيقا جليلا، يحفظه من التغيير والتحريف، فيصل سالما إلى الناس، لا ترتاب نحوه القلوب، ولا تضطرب.
وعليه فقد اهتم المسلمون بمعرفة العهدين، وورّثوه لمن جاء بعدهم، حتى وصل بهم الأمر أن دقّقوا في الأماكن تدقيقا عجبا.
فحدّدوا ما نزل شتاء، وما نزل صيفا، وما نزل بالحضر، وما نزل بالسفر، وما نزل بالسماء، وما نزل بالأرض، وغير ذلك كثير.
وهذه الفائدة يتناوبها الزمان والمكان معا، واهتمام الصحابة رضي الله عنهم بتفاصيل النزول إلى هذا الحد، ليدلّ على مدى إيمانهم وحرصهم على قرآنهم.


طريق معرفته:

ثم إنّ معرفة الطريق الموصلة إليه لأهمّ منه، وإذ لا سبيل إلى معرفته إلّا من وحي مثله، فهل من مصدر آخر؟
أجل. إنهم رجال الرّعيل الأول، ومن أخذ عنهم من التابعين، وذلك لأنه لم يرد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بيان في تحديد المكي أو المدني، لكننا نستأنس من مشاهدات الصحابة، ونتف من إشاراتهم فيه، وحسبهم أنهم

كانوا يشاهدون الوحي، والتنزيل، كما أنهم يشهدون مكانه وزمانه وأسباب نزوله عيانا.
(وليس بعد العيان بيان).


يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
[والله الذي لا إله غيره، ما نزلت سورة من كتاب الله، إلّا وأنا أعلم أين نزلت؟ ولا نزلت آية من كتاب الله إلّا وأنا أعلم فيم نزلت؟ ولو أعلم أنّ أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه].
هذا إعلان من صحابي جليل. فماذا عن التابعي؟ يقول أيوب السّختياني: [سأل رجل عكرمة عن آية من القرآن؟ فقال: نزلت في سفح ذلك الجبل]. وأشار إلى سلع.


فروق أخرى تميّز المكي عن المدني:
ويبقى الأمر في تحديد المكي والمدني على السماع من طريق الصحابة هو الأساس، إلّا أنه لا يمنع من أن نتعرّف على سمات أخرى، وفوارق إضافية، تمكّننا من معرفة النوعين بيسر وسهولة.

وقد أحصاها علماء هذا الشأن، فأثبتها هنا استكمالا للمعرفة وتثقيفا للقارئ، وأركّز فيها: أنها نقاط تمايز في تلوين الأسلوب اللغوي، تبدي لنا جمال التعبير، وتوافقه مع المخاطب، وأهم سمات التفاعل مع النفسية والحدث.


نقاط التمايز في الأسلوب:

ولنبدأ الآن ب نقاط التمايز للمكي:

1- كل سورة فيها لفظ (كلّا) فهي مكية.
والحكمة في ذلك: أن نصف القرآن الأخير وفق ترتيب المصحف قد نزل أكثره بمكة، وكان أكثرهم جبابرة، فتكرر فيه الخطاب على سبيل التهديد والتعنيف لهم، والإنكار عليهم بخلاف النصف الأول منه، فلم يحتاج إلى إيرادها حين مخاطبة اليهود، لأنهم ضعفاء وأذلّاء.

2- كل سورة فيها سجدة فهي مكية.

3- كل سورة بدئت بحرف من حروف التهجي، فهي مكية خلا سورة البقرة وآل عمران فهما مدنيتان، والرّعد مختلف فيها.

4- كل سورة فيها قصة آدم وإبليس وقصص الأنبياء والأمم السابقة فهي مكية سوى سورة البقرة.


نقاط تمايز في المدني

1- كل سورة فيها الحدود والفرائض مدنية.

2- كل سورة فيها الإذن بالجهاد، وبيان لأحكامه مدنية.

3- كل سورة فيها ذكر المنافقين مدنية، ما عدا سورة العنكبوت.
وتبقى هذه النقاط على سبيل الأغلبية، لا الضبط الدقيق


نقاط التمايز الموضوعي

ولا ننسى أنّ نقاط التمايز بينهما ناشئة عن أمور معنوية وبلاغية، فما تقدّم يخصّ البلاغية منها، أما المعنوية فهي التي تعالج النفوس وتحطّم عادات، وتدحض أفكارا وشبهات.


نقاط التمايز في المكي

لقد ساد فيه الهجوم على المعتقدات الباطلة، وترسيخ المعتقدات الصحيحة ويمكننا معرفة التفاصيل في هذا التمايز بالآتي:

1- تحدّث فيه الله سبحانه عن عادات العرب القبيحة- كالقتل، وسفك الدماء، ووأد البنات، وأكل مال اليتيم، واستباحة الأعراض.

وعن طريق الحديث هذا، لفت أنظارهم إلى ما ينجم عن عاداتهم من أخطار، فلم يزل بهم حتى طهرهم منها.

2- شرح لهم أصول الأخلاق، وحقوق المجتمع، شرحا عجبا، وكرههم في الكفر والفسوق، وفوضى الجهل، وعودهم على النظام والانضباط، ونظم لهم العلاقة بين الناس على شتى صنوفها.

3- قصّ عليهم أنباء عن الرسل وأممهم- عظة وادّكارا- وبين سننه في إهلاك البشر من الكفار، وإنجاء المؤمنين منهم، مهما طال الصراع بين الحق والباطل.

4- سلك مع أهل مكة سبيل الإيجاز، فجاءت السور المكية قصيرة الآيات، صغيرة السور، باعتبارهم أهل فصاحة ولسن.

5- فتح عيونهم على ما في أنفسهم من شواهد الحق، وما في الكون من براهين الرشاد، ونوّع لهم في الأدلة، وتفنّن في الأساليب، وقاضاهم إلى الأولويات، والمشاهدات.

6- حمل حملة شعواء على الشرك، والوثنية وعلى الشبهات التي تذرّع بها أهل مكة للإصرار على معتقداتهم الفاسدة.
ولكل من هذه النقاط السالفة لسوف نجد أمثلة لها من القرآنالكريم، فهي بادية لكل تال لها أو مفكّر.


نقاط التمايز الموضوعي للمدني

كما أنّ للمكي نقاط تمايز موضوعية، فكذلك للمدني أيضا، وهي كثيرة غير أننا نثبت أبرزها هنا، نظرا لضيق المساحة، واختصارا على القارئ:

1- التحدث بدقّة عن التشريع، وتفاصيل الأحكام، وأنواع القوانين المدنية، والجنائية والحربية، والاجتماعية والدّولية، والشخصية كما تحدّث عن سائر ضروب العبادات والمعاملات.
وللوقوف على هذا كله، انظر- إن شئت- في سورة البقرة ونحوها.

2- دعوة أهل الكتاب من يهود ونصارى إلى الإسلام، ثم مناقشاتهم في عقائدهم الباطلة، وبيان جناياتهم على الحق، وتحريفهم لكتاب الله، ومحاكمتهم إلى العقل والتاريخ.
وللوقوف على هذا. اقرأ إن شئت سورة البقرة وآل عمران ونحوهما.

3- سلوك الإطناب والتطويل في آياته وسوره، وذلك لأنّ أهل المدينة لم يكونوا يضاهئون أهل مكة في الذكاء، والألمعية، وطول الباعفي ساحات الفصاحة والبيان.
لذا كان الشرح والتبيين يناسب أهل المدينة.


نقاط تشابه بينهما

ولا يخلو الأمر من وجوه شبه أحيانا بينهما، نظرا لتشابه المخاطبين في قضية، أو أمر يراد توضيحه، أو إزالته وهاؤم جملا منها.

1- التشابه بينهما في تقرير ما نعيه، من قصص فيهما.

2- بعض المدني في تنزيله يشبه المكي. مثاله، قوله تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [1].
وهذه النقطة اجتهادية، لذا! فقد جاءت وجهات نظر فيها مختلفة نظرا لاختلاف النوع، واختيار تفسير للمفردة القرآنية، فهذه الآية قال السيوطي فيها:
[فإنّ الفواحش كل ذنب فيه حدّ. والكبائر كل ذنب عاقبته النار واللمم ما بين الحدّين من الذنوب. ولم يكن بمكة حدّ، ولا نحوه].
هذا توجيه السيوطي، وقد اعتمد على معنى كل من الفواحش والكبائر، لكنّه ليس متفقا عليه، فالفواحش قد اختلف في تفسيرها أهي الكبائر مطلقا أم ما يكبر عقابه دون تخصيص بحدّ؟! ثم إنّ السيوطي نفسه قد فسّرها في سورة الأنعام بالكبائر. هذا من جهة التفسير. بينما من جهة المكي والمدني، فمختلف في هذه الآية.

3- بعض المدني يشبه المكيّ كما في قوله تعالى: ﴿ وَالْعادِياتِ ضَبْحاً[2] وكما في قوله تعالى في سورة الأنفال المدنية ﴿ وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ ﴾ … [3] وهذه النقطة موضع خلاف أيضا كسابقتها.


نقطة التشابه في الحمل من مكان الآية إلى موضع مغاير لها وهاكم أمثلة لهذه

1- ما حمل من مكة إلى المدينة- كسورة يوسف، وسورة الإخلاص وسبح.

2- ما حمل من المدينة إلى مكة- كآية الربا في سورة البقرة المدنية. وصدر سورة التوبة.

3- ما حمل إلى الحبشة- كسورة مريم، فقد قرأها جعفر على النجاشي.

4- ما حمل إلى الروم. كقوله تعالى: ﴿ قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ ﴾ … آل عمران (64).

وحسبنا هنا ما كتبناه في نقاط التمايز بين .. عهدي علمين اثنين- المدني والمكي لننتقل إلى آخر.



[1] النجم/ 64/.

[2] العاديات/ 1/.

[3] الأنفال/ 32/.

اخترنا لكم

    ترك تعليق