التغني وآداب تلاوة القرءان

التغني وآداب تلاوة القرءان


القرآن الكريم كلام الله تعالى، ولتلاوة كلام الله آداب يجب مراعاتها والمحافظة عليها، وهي:

1- إخلاص النية لله، والتجرّد عن الأهواء والرغبات والأغراض الدنيوية الزائلة، لأن بعض هذه الأشياء إن وجد كان حجابا كثيفا بين القارئ أو السامع وبين كلام الله تعالى.

2- تحسين الهيئة واستقبال القبلة، والتّطهّر والتّطيب، وتنظيف الفم بالسّواك، وترك العبث أو الالتفات.

3- استحضار القلب، والتّأهّب لقراءة القرآن كأنما يسمع من الله سبحانه.

4- الاستعاذة: عند ابتداء القراءة؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ﴾ [النحل: 98]. ثم البسملة في مطلع كل سورة سوى سورة «براءة».

5- الخشوع والتدبّر في معاني القرآن، والوقوف على كل عبرة ومعنى والتأثر بكل وعد ووعيد؛ قال تعالى: ﴿ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ﴾ [النساء: 82]. وقال سبحانه: ﴿ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ﴾ [الإسراء: 109].

6- تحسين الصوت بالقرآن، وتجويده وترتيله ترتيلا حسنا؛ قال تعالى: ﴿ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴾ [المزمل: 4]. وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «زيّنوا القرآن بأصواتكم» [1].

7- الاجتماع للقراءة، وتوسيع المجلس ليتمكن القرّاء من الجلوس فيه؛ لما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» [2].

8- ويجب على السامع للقرآن أن ينصت ويفكّر في آياته، سواء أكان يسمعه من قارئ أو من مذياع … قال تعالى: ﴿ وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الأعراف: 203].

التغني بالقرآن:
ذكرنا فيما سبق أن من آداب التلاوة: تحسين الصوت وتجويد التلاوة، ونزيد هنا هذا الأمر وضوحا فنقول: إنّ تحسين الصوت وتزيينه بالقرآن مستحب ولو بالألحان العربية المعروفة، ولكن بشرط مراعاة آداب القرآن وملاحظة الأحكام المنصوص عليها في علم التجويد، وعدم الإخلال بأيّ حكم من أحكام القرآن، ويؤيّد هذا قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأبي موسى الأشعري: «لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود» [3] أي أوتيت صوتا حسنا. وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قارئا نديّ الصوت ويجيد تلاوة القرآن، وقد قال عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من أحبّ أن يقرأ القرآن غضّا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد» [4] يعني ابن مسعود.


وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قرأ في العشاء بالتين والزيتون، فما سمعت أحدا أحسن صوتا منه [5]. متفق عليه.


وفي أبي داود والبخاري تعليقا، أن النبيّ عليه الصلاة والسلام قال: «زيّنوا القرآن بأصواتكم، ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن» [6].


أما المبالغة في التجويد إلى حد الإفراط والتكلّف فحرام؛ لأن فيها زيادة حرف أو إخفاء حرف، ويوضح الماوردي في كتابه «الحاوي» هذا الحكم فيقول:

«القراءة بالألحان الموضوعة إن أخرجت لفظ القرآن عن صفته بإدخال حركات فيه، وإخراج حركات منه، أو قصر ممدود، أو مدّ مقصور، أو تمطيط يخفى فيه اللفظ فيلتبس به المعنى، فهو حرام يفسق به القارئ ويأثم به المستمع، وإن لم يخرجه اللحن عن لفظه وقرأ به على ترتيله كان مباحا؛ لأنه زاد بألحانه في تحسينه».


وقد نبّه العلماء على ما ابتدعه الناس من قراءة القرآن بنغم شجيّ يتردّد فيه الصوت تردّد الوقع الموسيقى، وعبّر الرافعي في كتابه «إعجاز القرآن» عن ذلك بقوله: «ومما ابتدع في القراءة والأداء هذا التلحين الذي بقي إلى اليوم يتناقله المفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم، ويقرءون به على ما يشبه الإيقاع، وهو الغناء! ..

ومن أنواعه عندهم في أقسام النغم (الترعيد): وهو أن يرعد القارئ صوته، كأنه يرعد من البرد أو الألم … و (الترقيص): وهو أن يروم السكوت على الساكن ثم ينقر مع الحركة كأنّه في عدو أو هرولة، و (التّطريب) وهو أن يترنّم بالقرآن ويتنغم به فيمدّ في غير مواضع المد، ويزيد في المد إن أصاب موضعه، و (التحزين) وهو أن يأتي القراءة على وجه حزين يكاد يبكي مع خشوع وخضوع، ثم (الترديد) وهو ردّ الجماعة على القارئ في ختام قراءته بلحن واحد على وجه من تلك الوجوه.

وإنما كانت القراءة تحقيقا:

وهو إعطاء كل حرف حقّه على مقتضى ما قرّره العلماء مع ترتيل وتؤدة، أو حدرا: وهو إدراج القراءة وسرعتها مع مراعاة شروط الأداء الصحيحة، أو تدويرا: وهو التّوسّط بين التحقيق والحدر» [7].

وقد أخرج الطبراني والبيهقي، أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإيّاكم ولحون أهل الكتابين وأهل الفسق، فإنه سيجيء أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء والرهبانية لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم» [8].



[1] رواه أبو داود في الصلاة (1468) والنسائي في الافتتاح (2/ 179) وابن ماجة في إقامة الصلاة (1342).

[2] رواه مسلم في الذكر (2699) وأبو داود في الصلاة (1455) والترمذي في فضائل القرآن (2945) وابن ماجة في المقدمة (225). ومعنى «السكينة»: الطمأنينة والراحة والرضا، و «غشيتهم»: عمّتهم وتخللت نفوسهم، و «حفّتهم»: أحاطت بهم وحرستهم.

[3] رواه البخاري في فضائل القرآن (4761) ومسلم في صلاة المسافرين (793) (125).

[4] رواه أحمد في المسند (1/ 445) وابن ماجة في المقدمة (138).

[5] رواه البخاري في صفة الصلاة (735) ومسلم في الصلاة (464).

[6] رواه أبو داود (1468) والبخاري تعليقا (6/ 2743).

[7] إعجاز القرآن للرافعي (ص 59).

[8] ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (7/ 169) وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه راو لم يسمّ وبقية أيضا، ورواه البيهقي في الشعب (2649 و 2650).

اخترنا لكم

    ترك تعليق