مسألة: قوله في باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلى مفعولين ويقتصر على أحدهما إن شاء

لو اضطر شاعر إلى أن يقول مثل: مررت زيدا يضربه عمرو للزم على قوله أن ينصب زيدا بفعل مضمر يفسره (يضرب)، فإن قال: ليس بمنساغ في اللفظ أن تقول: مررت يضرب زيدا عمرو، قيل له: وهو منساغ في المجازاة أن تقول: في مثل: إن تمرر بزيد يكرمك، أن تقول: إن تمرر يكرمك زيد، فأجز إن تمرر زيد يكرمك، على أن ترفع زيدا بفعل يفسره (يكرمك)، لأنه منساغ.

مسألة: قوله في باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلى مفعولين ويقتصر على أحدهما إن شاء


المؤلف: أبو العباس، أحمد بن محمد بن ولاد التميمي النحوي (المتوفى: ٣٣٢ هـ)

‌مسألة:

قال: ومن ذلك قوله في باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلى مفعولين ويقتصر على أحدهما إن شاء، قال: ومما حذف فيه حرف الجر قول المتلمس:

آليت حب العراق الدهر أطعمه *** والحب يأكله في القرية السوس

قال: يريد، على حب العراق)

قال محمد بن يزيد: وهذا خطأ، إنما هو آليت أطعم حب العراق، أي لا أطعم حب العراق، كما تقول: والله أبرح من هنا، أي: لا أبرح.

وقال في هذا الموضع: (نبئت زيدا، أي: عن زيد)، وليس كذلك، لأن نبأت زيدا معناه أعلمت زيدا ونبئت زيدا أعلمت زيدا، وإن قال قائل: نبئت عن زيد قائما، وضع موضع حدثت، فمبني على ضربين لا يحمل الكلام إلا على وجهه.

قال أحمد بن محمد بن ولاد، آليت وحلفت وأقسمت أفعال تتعدى إلى المحلوف عليه بحرف الجر، فتقول: حلفت على زيد لا أكلمه، وإن شئت قلت: حلفت على زيد، ولم تأت بجواب، لأن حلفت جملة مكتفى بها غير محتاجة إلى سواها، وإذا قلت: حلفت لا أفعل، فهو كقولك: والله لا أفعل، إلا أنك إذا قلت: والله، فلا بد من جواب القسم، وإلا لم يكن كلاما، فلو جاز أن تقول: إذا حذفنا حرف الجر من حلفت وآليت وما أشبههما، إن الاسم الذي يليهما انتصب أو ارتفع بفعل يفسره جواب القسم، وجواب القسم مع هذه الأفعال لا يلزم الإتيان به، لأنه جملة تامة غير الجملة الأولى، لأن الكلام قد تم دونه، لكان الإضمار مع ما يلزم الكلام أوجب، فيلزمه على هذا في المجازاة أن نقول إذا حذف حرف الجر للضرورة: إن تمرر أخوك يكرمك/٦/. فرفع الأخ بفعل يفسره جواب المجازاة، كأنه قال: إن تمرر يكرمك أخوك، ويكون يكرمك مفسرا، وهو يريد (معنى) إن تمرر بأخيك يكرمك، فيبطل عمل يمرر ومفعوله يليه، ويرفع مفعوله بفعل مضمر.

ويلزمه أن يقول فيما يتعدى بغير حرف كما يلزمه فيما يتعدى بحرف، فيجوز، إن تضرب زيد ينته، وإن تزر عمرو يكرمك، فيبطل عمل تضرب وتزور، ولا تعملها في مفعوليهما وهما يليانهما بغير حائل، وتضمر لهما فعلين يرفعانهما، لأن لهما في آخر الكلام ضميرين فاعلين، وهذا لا يجوز من قول آخر.

ويجوز أيضا على قوله، رأيت زيد يضرب، على أن ترفع زيدا بفعل يفسره (يضرب)، ولا تنصبه برأيت، وتبطل عمل (رأيت) كما أبطل عمل (آليت)، ونصب (حب العراق) بفعل يفسره لا أطعم، ولا فرق بينهما، إلا أن هذا فعل يتعدى بحرف، وذاك بلا حرف، فإذا حذفنا الحرف استويا جميعا وتعدى الفعل، فنصب ما كان مجرورا.

وكذلك لو اضطر شاعر إلى أن يقول مثل: مررت زيدا يضربه عمرو للزم على قوله أن ينصب زيدا بفعل مضمر يفسره (يضرب)، فإن قال: ليس بمنساغ في اللفظ أن تقول: مررت يضرب زيدا عمرو، قيل له: وهو منساغ في المجازاة أن تقول: في مثل: إن تمرر بزيد يكرمك، أن تقول: إن تمرر يكرمك زيد، فأجز إن تمرر زيد يكرمك، على أن ترفع

زيدا بفعل يفسره (يكرمك)، لأنه منساغ.

وجميع ما يجوز من هذا الباب فيما ينتصب ويرتفع على إضمار فعل يفسره الظاهر مبني من جملة واحدة، كقولك: أزيدا ضربته؟ فول حذفت الهاء لتسلط الفعل فعمل فقلت: أزيدا ضربت؟ ولا يكون ذلك من جملتين، ولو جاز إعمار الاسم الآخر في الاسم المعرض للفعل الأول لجاز إدخال عامل على عامل، ولجاز على هذا أن تقول: حلفت بزيد لأمرن، على أن تكون “الباء” معلقة بـ (لأمرن) وهذا خطأ من غير وجه، ولا يكون حينئذ ها هنا فرق بين المحلوف به والمحلوف عليه، لأن الباء يحتمل أن تكون متعلقة بحلفت، فيكون /٧/ ما يليها مقسما به لا عليه، ألا ترى أنك تقول: حلفت على زيد وحلفت بزيد، فيختلف المعنى.

ومن الدليل على أن الباء متعلقة بحلفت لا بمررت، قولك: حلفت بزيد (لأمرن به)، وحلفت على زيد لأمرن به، فلو كانت الباء معلقة بمررت لم تقل: به، لأن الفعل لا يتعدى بباءين، ألا ترى أنك إذا قلت: بزيد مررت، استغنيت عن أن تقول: به، وكذلك إذا قلت: أزيدا مررت به؟ لم تأت بالباء في زيد.

قال أحمد: وأما قول أبي العباس: إن معنى نبئت عن زيد غير معنى نبئت زيدا، وقال: لأن نبأت زيدا معناه أعلمت زيدا.

(قال أحمد): فهذا المفعول إذا رد الفعل إلى ما لم يسم فاعله قام مقام الفاعل، وتعدى عن أن يدخل في المفعول الثاني إذا سميت الفاعل، وفي المفعول الأول إذا لم يسم الفاعل، فتقول: نبأت زيدا عن عمرو وبكذا وكذا، ونبئت عن زيد بكذا وكذا.

وكذلك إذا عديتها، وحذفت (عن) قلت: نبئت زيدا كذا وكذا، ونبأت زيدا عمرا يفعل كذا وكذا، وأعلمت زيدا يفعل كذا وكذا.

فإن كان دخول الحرف مع أعلمت يجعل لها وجها غير وجهها إذا تعددت بغير حف، كان الأمر كذلك في نبئت، لأنه قد زعم أن معناها واحد، وإن كان معناهما واحدا في وجهيهما، أعني في دخول الحرف وخروجه منهما، فكذلك هو في نبئت، فلا تجد لها معنى غير ما ذكره سيبويه، لأن الإنباء هو الإخبار ونحوه، ولم يوجدنا محمد غير قوله في معنى حدثت إذا جئت بالحرف، أعني حرف الجر، فهل حدثت وأخبرت وخبرت وأنبئت وأعلمت، إلا متقاربة المعاني، وإن كانت العرب قد خالفت بين ألفاظها، وعدت بعضها بغير حرف وبعضها بحرف، وكيفما صرفت هذه الكلمة، أعني نبئت، فلا وجه للإنباء غير الإخبار والإعلام، فقولك: نبئت زيدا يفعل، ونبئت عن زيد أ، هـ يفعل، واحدا في المعنى وإن اختلف اللفظ والتقدير، وكذلك أعلمت عن زيد أن يفعل /٨/ وأعلمت زيدا يفعل.

المصدر: الانتصار لسيبويه على المبرد

اخترنا لكم