باب القول في اختلاف النحويين في تحديد الاسم والفعل والحرف

الاسم: ما دل على معنى في نفسه، ولم يقترن بزمن. نحو: سواك - كتاب - يحيى. ويكون إما مرفوع أو منصوب أو مجرور ولايكون مجزومًا.
الفعل: ما دل على معنى في نفسه، واقترن بزمن. نحو: قرأ - كتب - رمى. ويكون إما مرفوع أو منصوب أو مجزوم ولايكون مجرورًا.
الحرف: ما دل على معنى في غيره، وما سوى الاسم والفعل. نحو: أن - لم - لا النافية للجنس.

 

باب القول في اختلاف النحويين في تحديد الاسم والفعل والحرف

فإن قال قائل: لم اختلف النحويون في تحديد الاسم والفعل والحرف؟ وهل يجوز أن يختلف الحد إذا كان قولاً وجيزاً يدل على طبيعة الشيء الموضوع له عند الفلاسفة؟

وعندنا الحد هو الدال على حقيقة الشيء؛ فكيف يجوز اختلاف هذا وهل يجوز أن يُحد الإنسان/ لمن سأل عن حده إلا بأن يقال له: الحي الناطق المائت؛ لأن هذا هو حده على الحقيقة وينعكس عليه بمعناه؛ كقولنا: المائت الناطق الحي هو الإنسان؛ ولا يجوز أن يحد الإنسان بغير هذا الحد؛ فإن حده بغيره إنسان كان مخطئاً؛ إلا أن يعدل عن حده إلى بعض صفاته ورسومه الدالة عليه كقولنا: الإنسان حيوان ذو رجلين منتصب القامة ضحاك؛ وما أشبه ذلك.

إن الحد لا يجوز أن يختلف اختلاف تضاد وتنافر؛ لأن ذلك يدعو إلى فساد المحدود وخطأ من يحده؛ ولكن ربما اختلفت ألفاظه على حسب اختلاف ما يوجد منه؛ ولا يدعو ذلك إلى تضاد المحدود؛ كما يوجد الحد تارة من الأجناس والفصول؛ وتارة من المواد والصور لأن المادة تشاكل الجنس؛ والصورة تشاكل الفصل؛ ألا ترى أن الفلاسفة الذين هم معدن هذا العلم – أعني معرفة الحدود والفصول والخواص وما أشبه ذلك – قد اختلفوا في تحديد الفلسفة نفسها اختلافاً، فقال بعضهم: الفلسفة إتيان الحكمة. وقال بعضهم: الفلسفة معرفة طبيعية لجميع الأشياء الموجودة. وقال آخرون: الفلسفة معرفة الأشياء الموجودة الإلهية، ويعنون المدركة عقلاً، ومعرفة الأشياء الإنسية، يعنون الأشياء المدركة بالحواس. وقال بعضهم: الفلسفة معاناة الموت، أي تعاطي الموت، يعني إماتة الشهوات، وهذا زعموا حد أفلاطن. وقال آخرون: الفلسفة الاقتداء بالباري حسب طاقة المخلوق. وقال ارسطاطاليس: الفلسفة صناعة الصناعات وعلامة العلوم. أفلا تراهم كيف قد اختلفوا هذا الاختلاف، وليس فيه تناقض لأن كل واحد منهم قصد إلى طريقٍ ما فحدها منه، وإنما ذكرنا هذه الألفاظ في تحديد/ الفلسفة ها هنا وليس من أوضاع النحو لأن هذه المسألة تجيب عنها من يتعاطى المنطق وينظر فيه. فلم نجد بداً من مخاطبتهم من حيث يعقلون، وتفهيمم من حيث يفهمون. فكذلك يقول النحويون لهم أيضاً في تحديد الاسم والفعل والحرف، كأن لكل فريق منهم غرضاً في تحديده وقصده. فمنهم من أراد التقريب على المبتدئ، فحدها من جهة تقرب عليه. ومنهم من أراد حصر أكثرها، فأتى به. ومنهم من طلب الغاية القصوى والحد على الحقيقة، فحدها على الحقيقة على ما ذكرنا. وليس في شيء مما أتوا به ما يخرج عما ذكرناه. وذلك بين في كلامهم لمن تدبره. وهو نظير ما تقدم ذكره من تحديد الفلسفة.



 

اخترنا لكم

ترك تعليق