أقسام العَلَم في النحو[1]

 

العَلَم هو القسم الثاني من أقسام المعارف الستة، والحديث عنه يشمل المباحث التالية:

المبحث الأول: تعريف العلم، والتمثيل له.

المبحث الثاني: رُتْبة العلم ودرجته بين المعارف الستة من حيث قوة التعريف.

المبحث الثالث: تقسيمات العلم.

وإليكم تفصيل الكلام عن هذه المباحث الثلاثة:

المبحث الأول: تعريف العلم:

عرَّف النحاة العلَم بأنه: “الاسم الذي يُعيِّن مسماه تعيينًا مطلقًا بلا قيد أو قرينة[2]

قال ابن مالك رحمه الله في ألفيته في تعريف العلم:

اسمٌ يُعيِّن المسمَّى مطلقَا *** عَلَمُهُ كجَعْفَرٍ وخرنَقَا[3]

وقد مثَّل ابن آجروم رحمه الله للعلم – بقوله؛ نحو: (زيد، ومكة).

فـ(زيد) علم على شخص عاقل مذكر، و(مكة) علم على بلد، غير عاقل مؤنث، وكان ابن آجروم رحمه الله يريد أن يشير إلى أن العلم هو ما عيَّن مسماه مطلقًا بلا قيد أو قرينة:

سواء كان لمذكر، أم لمؤنث.

وسواء كان لعاقل، أم لغير عاقل.

وسواء كان علمًا على شخص، أم على بلد[4].

المبحث الثاني: رُتبة العلم، ودرجته بين المعارف الستة من حيث قوة التعريف:

اعلم – رحمك الله – أن العلم يأتي في المرتبة الثانية[5] بين المعارف الستة بعد الضمائر، من حيث قوة التعريف[6].

المبحث الثالث: تقسيمات العلم:

اعلم – رحمك الله – أن العلم ينقسم إلى أنواع متعدِّدة باعتبارات مختلفة؛ فينقسم العلم باعتبار معناه إلى ثلاثة أقسام:

1 – اسم، وهو ما وضع للدلالة على الذات ابتداءً، وليس بكُنية ولا لقب، أو بعبارة أخرى: بدون إشعار بمدح أو ذم؛ مثل: (محمد، عمرو، حسن، سعاد، عائشة).

2 – كُنْية، وهي ما كان في أولها أب، أو أم، أو ابن، أو بنت؛ نحو: (أبو هريرة، أبو بكر، أم سلمة، ابن عباس، ابن سينا، ابنة عمران، بنت الشاطئ).

3-لقب، والمراد به: ما أشعر – بحسب وضعه الأصلي – بمدح المسمى أو ذمه.

فمثال ما أشعر بالمدح: زين العابدين، تاج الدين، الرشيد.

ومثال ما أشعر بالذم: أنف الناقة، السفاح، الحُطَيئة[7].

وينقسم كذلك بحسب لفظه إلى:

1 – علم مفرد، وهو: ما تكون من كلمة واحدة، فلم يكن مركبًا تركيبًا إسناديًّا، ولا مزجيًّا، ولا إضافيًّا؛ مثل: فاطمة، ومحمد، ومكة[8].

2 – وعلم مركب، وهو ما تكون من كلمتين فأكثر، وهو ثلاثة أنواع:

أ – مركب إسنادي، وهو ما تركب من جملة اسمية أو فعلية، وسمي بها شخص بعينه، ويركب من فعل وفاعل أو نائبه أو من مبتدأ وخبر؛ مثل: (فتح الله، وجاد الرب، وجاد الحق، وسُرَّ مَن رأى، وزيد قائم) أسماء رجال، و(ما شاء الله، ونحمده، وشاب قرناها)[9] أعلام نساء[10][11].

ب – مركب مزجي، وهو عبارة عن كلمتين اختلطتا وامتزجتا معًا، وأصبحتا ككلمة واحدة؛ مثل: (سيبويه[12]، وبعلبك، وحضرموت)[13].

جـ – مركب إضافي، وهو ما تركب من مضاف ومضاف إليه؛ نحو: (عبدالله، وعبدالرحمن[14]، وأبي هريرة، وأم كلثوم[15]، وزين العابدين)[16].

 


[1] بفتح العين واللام.

[2] وعرَّفه آخرون بأنه: ما وضع لمعين، لا يتناول غيره.

[3] فقوله رحمه الله: مطلقًا، معناه: بلا قيد أو قرينة، فالعلم يدل على معين، ويعين مسماه مباشرة، منذ أول لحظة وضع فيها على مسماه، بدون احتياج إلى قرينة لفظية أو معنوية لهذا التعيين؛ مثل: (محمد، زينب، مكة، العضباء “اسم ناقة النبي صلى الله عليه وسلم”)، وقد سبق أن ذكرنا أن اسم الإشارة مثلًا يُعيِّن مسماه بقرينة الإشارة الحسية؛ كالإصبع؛ لأن الأصل أنني إذا قلت: هذا محمد – الأصل أن أقول: هذا وأنا أشير إليه، لذلك قالوا: اسم الإشارة، وأن الاسم الموصول يُعيِّن مسماه بقرينة الصلة، فلو قلت مثلًا: جاء الذي تعرف، فالاسم الموصول (الذي) لم يتعيَّن إلا بواسطة صلته جملة “تعرف، وذكرنا كذلك أن الاسم المضاف إلى المعرفة يُعيِّن مسماه بقرينة الإضافة، وأن الضمير يعين مسماه بقيد التكلم؛ كـ(أنا)، أو الخطاب: كـ(أنت)، أو الغَيبة: كـ(هو)، وأن المعرف بـ(أل) يعين مسماه بقرينة (أل)، فإذا فارقته (أل) أصبح نكرة، فالفرق إذًا بين العَلَم وبين بقية المعارف أنها تعين مسماها بقيد؛ أي: بواسطة قرينة، أما العلم، فيعين مسماه بوضعه، ولا يحتاج إلى قيد، أو قرينة.

[4] ويدخل في العلم كذلك: أسماء الدول، وأسماء القبائل، وأسماء الأنهار، وأسماء البحار، وأسماء الجبال، وأسماء الحيوانات؛ كالعضباء والقصواء ناقتَي النبي صلى الله عليه وسلم“.

[5] وكذا جعله ابن آجروم رحمه الله، وبذلك يكون قد خالف مذهبَه الكوفي؛ إذ إن المعروف عن الكوفيين أن العلم أعلى المعارف رتبة، فهو عندهم أعرف من الضمائر.

[6] إلا العلم الخاص بالله سبحانه، فإنه يأتي في المرتبة الأولى قبل كل شيء حتى الضمير، فهو أعرف المعارف على الإطلاق، كما تقدم بيانه، وهذا الحكم متَّفقٌ عليه بين النحاة؛ وجه ذلك: أنك لو قلت: الله أو الرحمن، فإنه لا يمكن أبدًا أن يتخيَّل الإنسان سوى اللهِ عز وجل، فلهذا قالوا: إن العلم الذي يختص بالله عز وجل؛ كـ(الله، والرحمن) هو أعرف المعارف، وقد ذكر بعضُ العلماء أن سيبويه رحمه الله رُئِي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: خيرًا كثيرًا، فقيل: بماذا؟ فقال: بقولي: لفظ الجلالة أعرف المعارف، أما العلم على غيرِه سبحانه فإنه يأتي في المرتبة الثانية بعد الضمير، كما ذكرنا، ولهذا أتى به ابن آجروم رحمه الله بعد الضمير.

[7] فاللقب إذًا يدل على ذات المسمى، وصفة له، تشعر بمدحه أو ذمه، وقد تكون الكنية كنيةً ولقبًا في آنٍ واحد، وذلك إذا كني بما يدل على المدح؛ مثل: أبو الجود، فهذه تكون كنية باعتبار، ولقبًا باعتبار آخر، فتكون كنية باعتبار أنها صُدِّرت بـ(أب)، وتكون لقبًا باعتبار أنها تشعر بمدح، وكذلك ما أشعر بذم يكون كنية ولقبًا معًا؛ مثل: أبو لهب، فهذا يشعر بذم، وصُدِّر بـ(أب)، فيكون كنية من وجه، ولقبًا من وجه آخر، وهل يمكن أن يجتمع الاسم واللقب في كلمة واحدة؟ الجواب: لا؛ لأن الاسم إن أشعر بمدح أو ذم انتقل من الاسمية إلى اللقب، فالاسم لا يشعر بمدح ولا ذم، ما هو إلا مجرد علم؛ كالصخرة على الحصى.

فائدة: إذا كان الشخص له اسمٌ، وله لقب كذلك؛ كـ: (هارون الرشيد)؛ فإن (هارون) اسم، و(الرشيد) لقب، فإنهما إذا أتيا معًا يُقدَّم الاسم ويؤخر اللقب، فتقول: هارون الرشيد، عمرو الجاحظ، إلا إذا اشتهر اللقب؛ فيجوز تقديمه؛ مثل قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ [النساء: 171]، أما الكنية، فيجوز تقديمها وتأخيرها على الاسم واللقب؛ مثل: أبو الطيب أحمد المتنبي، أحمد المتنبي أبو الطيب.

[8] وحكمه أنه يكون معربًا بحركات ظاهرةٍ على آخره رفعًا ونصبًا وجرًّا، حسب موقعه في الجملة، ويُنوَّن إن لم تجتمع مع العَلَمية علة أخرى، فتقول: جاء محمد – أكرمت محمدًا صلى الله عليه وسلم، فإن اجتمع في الاسم مع العَلَمية علةٌ أخرى – كزيادة الألف والنون في (عثمان)، أو العدل في (عمر)، أو التأنيث في (فاطمة)، أو غير ذلك مِن عِلَل منع العلم من الصرف، والتي قد تقدم ذكرها في باب الممنوع من الصرف – فإنه لا يُنوَّن؛ لكونه ممنوعًا من الصرف، فيقال على سبيل المثال: قُتِل عثمانُ غدرًا – رحِم الله عثمانَرضي الله عن عثمانَ؛ فيرفع بالضمة، وينصب ويجر بالفتحة من غير تنوين، ويلاحظ هنا أن العَلَم قد أُعرِب كغيره من الأسماء حسب موقعه في الجملة، فليس معنى كون الكلمة علمًا أن يكون لها إعرابٌ خاص بها، بل إن إعراب العلم يكون كإعراب غيره من الكلمات، من غير فرقٍ، وكذا يقالُ في سائر المعارف الستة، إلا أن منها ما يكون إعرابه محليًّا؛ لأنه مبني، كأسماء الإشارة، والأسماء الموصولة، والضمائر؛ فمثل هذا يقال في إعرابه: في محل رفع، أو نصب، أو جر…، حسب موقعه في الجملة.

[9] أي: ذؤابَتَا شَعْرها.

[10] وأنبه هنا إلى أن مجيء العلم جملةً فعليةً؛ نحو: (تأبط شرًّا، وشاب قرناها، وجدَّ ثَدْياها”أي: يبس من اللبن”) – مسموعٌ عن العرب، أما مجيئه جملةً اسمية، فلم يسمع عن العرب، ولكنهم – يعني النحاة – قاسوا جوازه على جواز المجيء به جملة فعلية؛ لاشتراكهما جميعًا في الجملة.

[11] وحكم هذا النوع مِن العلم المركب أنه يحكى على لفظه، وعلى ما كان عليه قبل التسمية في جميع الأحوال؛ لأن المسمى بالجملة غرضه بقاء صورتها، ويكون إعرابه تقديريًّا؛ يعني: أنه لا يتغير ضبطه بسبب ما يدخل عليه من العوامل، فتقول: جاء تأبط شرًّا – رأيت تأبط شرًّا – مررت بتأبط شرًّا، فجملة (تأبط شرًّا) عَلَم، وهي جملة فعلية مكوَّنة من فعل ماضٍ، وضمير مستتر فاعل، ومفعول به، وهي في الجملة الأولى: جاء تأبط شرًّا، يقال في إعرابها: جاء: فعل ماضٍ مبنيٌّ على الفتح، و(تأبط شرًّا): فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتعال المحل بحركة الحكاية.

وأنبه هنا إلى أننا لم نَقُلْ: إنه مبني، مع أن العوامل لا تغيره؛ لأن الأسماء لا تبنى إلا إذا أشبهت الحروف، وهذا لا شبه بينه وبين الحروف.

[12] فـ(سيبويه) العلم في الأصل مركب من (سيب)، ومعناه: التفاح، و(ويه)، ومعناه: رائحة – فـ(سيبويه) بمعنى رائحة التفاح – فامتزجت هاتان الكلمتان، واختلطتا حتى صارتا كالكلمة الواحدة.

[13] (بعلبك): اسم بلد بالشام، و(حضرموت): اسم بلد باليمن، والأصل في هذين البلدين قبل التركيب: (بعل)، و(بك)، و(حضر)، و(موت)، فامتزجتا، وصارتا كالكلمة الواحدة، قال الجامي: (بعلبك) علم لبلدةٍ، مركب من (بعل)، وهو اسم صنم، و(بك) اسم صاحب هذه البلدة، جُعلا اسمًا واحدًا؛ اهـ، وقال أبو السعود في تفسيره: (بعل) اسم صنم لأهل (بك) من الشام، وهو البلد المعرف الآن بـ (بعلبك)؛ اهـ، ومِن هذه الأمثلة الثلاثة المذكورة يتبيَّن لك أن العلم المركب تركيبًا مزجيًّا نوعان:

النوع الأول: ما كان مختومًا بكلمة (ويه)؛ نحو: (سيبويه، ونفطويه)، وهذا حكمُه عند أغلب العرب أن يعرب إعرابًا محليًّا؛ فيبنى على الكسر دائمًا، ويكون في محل رفع، أو نصب، أو جر، يقال على سبيل المثال: هذا سيبويهِ – رأيت سيبويهِنظرت إلى سيبويهِ، فـ(سيبويه) في هذه الجمل الثلاث مبني على الكسر، وهو في الجملة الأولى في محل رفع، خبر المبتدأ (هذا)، وفي الجملة الثانية في محل نصب (مفعول به)، وفي الجملة الثالثة في محل جر اسم مجرور بحرف الجر (إلى)، وبعض النَّحْويين يعامل هذه الأعلام المختومة بالمقطع (ويه) معاملةَ الممنوع من الصرف، فيرفعها بالضمة، وينصبها ويجرها بالفتحة، وحينئذٍ يكون إعرابها لفظيًّا لا محليًّا؛ لأنها تكون معربةً لا مبنيَّة.

والنوع الثاني من الأعلام المركبة تركيبًا مزجيًّا: ما لم يكن مختومًا بالمقطع (ويه)؛ نحو: حضرموت، وبعلبك، وهذه الأعلام حكمها الإعرابي أن جزأها الأول يُبنَى على الفتح، ما لم يكن آخره ياء: كـ: معد يكرب، فيبنى على السكون، وأما جزؤها الثاني، فيعرب إعراب الممنوع من الصرف بالضمة رفعًا، وبالفتحة نصبًا وجرًّا، وذلك للعلمية والتركيب المزجي، جاء في كتاب (الكواكب الدرية) 1 /61، في تعريف العلم المركب تركيبًا مزجيًا، وبيان إعرابه: وهو كل كلمتين نزلت ثانيتهما منزلة تاء التأنيث مما قبلها في أن ما قبله مفتوح الآخر، كما يفتح ما قبل تاء التأنيث، وينتقل الإعراب إلى الجزء الثاني، فيعرب إعراب ما لا ينصرف للعلمية والتركيب المزجي؛ اهـ، ومثال ذلك أن تقول: هذه حضرَموتُ – رأيت حضرَموتَ – سافرت إلى حضرَموتَ، ببناء الجزء الأول (حضر) على الفتح في الأمثلة الثلاثة، وإعراب الجزء الثاني (موت) إعراب الممنوع من الصرف: رفعًا بالضمة، كما في المثال الأول، ونصبًا بالفتحة، كما في المثال الثاني، وجرًّا بالفتحة كذلك، كما في المثال الثالث، ومن غير تنوين في الأمثلة الثلاثة.

[14] وكذا كل الأعلام المصدرة بكلمة (عبد) هي من قبيل الأعلام المركبة تركيبًا إضافيًّا.

[15] وكذا جميع الكُنَى المُصدَّرة بـ(أب، أو أم، أو ابن، أو ابنة، أو بنت)، هي من قبيل الأعلام المركبة تركيبًا إضافيًّا.

[16] والحكم الإعرابي للعلم المركب تركيبًا إضافيًّا: أن يُعرَب صدره (الجزء الأول منه) على حسب العوالم رفعًا ونصبًا وجرًّا، وأما عجزه (الجزء الثاني منه)، فيكون مجرورًا دائمًا على أنه مضاف إليه، ويمكن التمثيل للعلم المركب تركيبًا إضافيًّا رفعًا بنحو: سافر عبدُاللهِ، ونصبًا بنحو: أكرمتُ عبدَاللهِ، وجرًّا بنحو: سلمتُ على عبدِاللهِ؛ فالإعراب في هذه الأمثلة الثلاثة كان على الجزء الأول من العلم (عبد) رفعًا ونصبًا وجرًّا، وأما الجزء الثاني (لفظ الجلالة)، فإنه – كما رأيتَ – كان مجرورًا دائمًا.

فائدة: بِناءً على ما ذكرناه من الأنواع الثلاثة للأعلام المركبة، وكيفية إعرابها، فإنه – ومن باب جمع المعلومة في مكان واحد – يقال في إعراب قولك: جاء عبدالله، وسيبويه، وجادَ الحقُّ.

عبدالله: (عبد) فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف، ولفظ الجلالة مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.

سيبويه: معطوف على (عبد)، مبني على الكسر، في محل رفع.

جاد الحق: معطوف على (عبد)، مرفوع بضمة مقدرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الحكاية.

ترك تعليق