د. سيد مصطفى أبو طالب

صيغة فاعل

من الصيغ صيغة فاعل، واشتهر استعمالها في الدلالة على:

1- المشاركة وهو الأغلب في هذه الصيغة، قال سيبويه: اعلم أنك إذا قلت فاعلته، فقد كان من غيرك إليك مثل ما كان منك إليه حين قلت فاعل[1].

وهذا يعني اشتراك طرفي المفاعلة في معنى الفاعلية والمفعولية، فيكون البادئ فاعلاً صريحًا والثاني مفعولًا صريحًا، ويجيء العكس ضمنًا؛ أي: إن الغرض من ألف المفاعلة اقتسام الفاعلية والمفعولية في اللفظ، والاشتراك فيهما من حيث المعنى[2].

فإن كان المفعول الصريح مفعولًا به للفعل قبل الدلالة على المشاركة، بقي الفعل مع ألف المفاعلة متعديًا إلى واحد؛ نحو: (أقتل الجنديُّ عدو الله)، و(قاتل الجنديُّ عدو الله)، وإن كان المفعول غيره صار الفعل مع ألف المفاعلة متعديًا إلى اثنين؛ نحو: (جذبت الثوب وجاذبته الثوب)، وإن كان الفعل لازمًا وجِيء به على وزن فَاعَل، صار متعديًا؛ مثل: جالسته، والمعنى: جَلَس وجلست معه[3].

2- الدلالة على التكثير، نحو: ضاعفت الشيء: كثرت أضعافه، وناعمه الله، بمعنى نَعَّمه؛ أي: كثر نعمته[4].

3- الدلالة على وزن (فَعَل)، فلا يزيد معناها على الأصل؛ مثل: سافر، ولامس، وهاجر.

التركيب الصوتي لصيغة (فاعل):

تتشكل صيغة فاعل من ثلاثة صوامت وصائت طويل بعد الصامت الأول، وصائتان قصيران، وذلك كالتالي:

(ف ـَـَ / ع ـَ / ل ـَ)، (ص ح ح + ص ح + ص ح)، وذلك بتوالي ثلاثة مقاطع: (طويل مفتوح)، و(قصيران مفتوحان).

ويذهب برجشتراسر إلى أن (فاعل) مشتق من المشدد (فَعَّل) بتعويض مد الحركة عن مد الحرف بعدها؛ أي: تشديده[5].

فنحن أمام تفسيرين صوتيين لتشكيل صيغة (فاعل):

أولهما: أنها نشأت عن طريق الإشباع للصائت القصير (الفتحة).

ثانيهما: أنها نشأت عن طريق المخالفة لأحد المضعفين[6] في صيغة (فَعَّل).

وكلا التفسيرين مقبول من الناحية الصوتية، فعلى التفسير الأول تكون (فاعل) تطور لأصل ثلاثي (فَعَل)، وعلى التفسير الثاني تطور لأصل غير ثلاثي (فَعَّل)[7].

لكن الشائع أن هذه الصيغة وأخواتها تطورت عن أصل ثلاثي، وذلك عن طريق التحول الداخلي في الصيغة الثلاثية.

وتعد (فاعل) على مستوى اللغات السامية صيغة قليلة الانتشار، فهي لا توجد إلا في المجموعة الجنوبية (العربية والحبشية)، وفيما عدا ذلك بقايا متجمدة في العبرية[8].

والآن إلى عرض المواضع التي جاءت فيها هذه الصيغة وبيان معناها:

قال أبو عبيد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر أيام التشريق، فقال: (إنها أيام أكل وشرب وبعال)[9].

قال أبو عبيد: البعال: النكاح، وملاعبة الرجل أهله، يقال للمرأة: هي تباعل زوجها بعالًا ومباعلة، إذا فعلت ذلك معه، قال الحطيئة يمدح رجلًا[10] (الطويل):

وكَمْ مِن حَصَانٍ ذَاتِ بَعْلٍ تركْتَها ♦♦♦ إِذَا اللَّيلُ أَدْجَي لم تَجِدْ مَن تُبَاعِلُهْ

يقول: إنك قد قتلت زوجها أو أسرته[11].

بيَّن أبو عبيد معنى البعال، ثم نص على اشتقاقه من الفعل (بَاعَل) بوزن (فَاعَل).

ولا شك أن مجيء المصدر على هذا الوزن يدل على التشارك بين اثنين الزوج وزوجه، فالرجل يباعل زوجته وهي تباعله، فهما يتبادلان الفعل.

قال ابن سيده: والتباعل والمباعلة: ملاعبة الرجل أهله[12].

وقال ابن الأثير: البعال: النكاح وملاعبة الرجل أهله، والمباعلة: (المباشرة)، ويقال لحديث الزوجين: بِعَال[13].

وسواء أكان المعنى في المباعلة هو النكاح أم كان الحديث بين الزوجين، فإن كليهما يقتضي المشاركة من الزوج والزوجة.

وعلى ذلك، فإن معنى الصيغة ها هنا يدل على التشارك.

 

قال أبو عبيد في حديث ابن عباس – رضي الله عنهما -: من شاء باهلته أن الله لم يذكر في كتابه جدًّا، وإنما هو أب[14].

قوله: باهلته، من الابتهال وهو الدعاء..[15].

ذكر الشارح حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – في الغريب، وغرابته في قوله (باهلته) الذي جاء على صيغة (فَاعَل)، فاعتداد الغرابة من هذه الجهة، والمباهلة هي الدعاء كما نص الشارح، وهو في معنى الابتهال بوزن (افتعال).

قال الأزهري: يقال: باهلت فلانًا؛ أي: لاعنته .. وابتهل فلان في الدعاء، إذا اجتهد، ومنه قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴾ [آل عمران: 61]؛ أي: يجتهد كل منا في الدعاء، ولعن الكاذب منا[16].

وفي الصحاح: والمباهلة: الملاعنة[17]، وفي المحكم: وباهل القوم بعضهم بعضًا، وتباهلوا وابتهلوا: تلاعنوا[18].

ويُبين ابن الأثير طريقة هذه الملاعنة، فيقول: المباهلة: الملاعنة، وهو أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء، فيقولوا: لعنة الله على الظالم منا[19].

وعلى ذلك، فإن معنى (المباهلة) ها هنا أن يجتهد كل واحد من الخصمين المختلفين في أمر ما في الدعاء على صاحبه باللعن، وفي هذا مشاركة من الجانبين.

ففي (باهل) معنى المشاركة مع الاجتهاد في الفعل.

قال ابن قتيبة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن السَّقْط ليراغم ربه، إن دخل أبواه النار، فيجترهما بسَرَره حتى يدخلهما الجنة)[20].

قوله: يراغم ربه، من المراغمة، وهي الغضب، يقال: راغمت فلانًا، إذا أغضبته[21].

ذكر الشارح معنى المراغمة، وأنها المغاضبة.

قال ابن منظور: والمراغمة: المغاضبة[22]، وفي القاموس: والمراغمة: الهِجران والتباعد والمغاضبة[23].

والمغاضبة التي ذكرها هؤلاء العلماء توهم المشاركة من جانبين من جانب السقط ومن جانب الله عز وجل، وقد تكلم كثير من العلماء في هذه الدلالة – دلالة فاعل على التشريك بين فاعل وبين الله عز وجل – وأوَّلوا هذه الدلالة.

ونظير هذا الحديث قوله تعالى: ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ [البقرة: 9] يقول الطاهر بن عاشور في بيان كون المخادعة من المنافقين لله والمؤمنين: ومعنى صدور الخداع من جانبهم للمؤمنين ظاهر، وأما مخادعتهم الله المقتضية أن المنافقين قصدوا التمويه على الله تعالى، مع أن ذلك لا يقصده عاقل يعلم أن الله مطلع على الضمائر، والمقتضية أن الله يعاملهم بخداع، وكذلك صدور الخداع من جانب المؤمنين للمنافقين، كما هو مقتضي صيغة المفاعلة، مع أن ذلك من مذموم الفعل، ولا يليق بالمؤمنين فعله – فلا يستقيم إسناده إلى الله، ولا قصد المنافقين تعلقه بمعاملتهم لله، كل ذلك يوجب تأويلًا في معنى المفاعلة الدال عليه صيغة (يخادعون)، أو في فاعله المقدر من الجانب الآخر، وهو المفعول المصرح به، فأما التأويل في يخادعون فعلى وجوه:

أحدها: ما ذكره صاحب الكشاف أن يخادعون استعارة تمثيلية؛ تشبيهًا للهيئة الحاصلة من معاملتهم للمؤمنين ولدين الله، ومن معاملة الله إياهم في الإملاء لهم والإبقاء عليهم، ومعاملة المؤمنين إياهم في إجراء أحكام المسلمين عليهم، بهيئة فعل المتخادعَيْن[24].

الثاني: أن يكون خادع بمعنى خدع، أي غير مقصود به حصول الفعل من الجانبين، بل قَصْدُ المبالغة، قال ابن عطية عن الخليل: يقال: خادَع من واحد؛ لأن في المخادعة مُهْلَةً، كما يقال: عالجت المريض لمكان المهلة، قال ابن عطية: كأنه يرد فَاعَل إلى اثنين، ولا بد من حيث إن فيه مهلة ومدافعة ومماطلة، فكأنه يقاوم في المعنى الذي يجيء فيه فَاعَل؛ ا. هـ[25]، وهذا يرجع إلى جعل صيغة المفاعلة مستعارة لمعنى المبالغة، بتشبيه الفعل القوي بالفعل الحاصل من فاعِلَيْن على وجه التبعية، ويؤيد هذا التأويل قراءة ابن عامر ومن معه (يَخْدَعُون الله)[26]، وهذا إنما يدفع الإشكال عن إسناد صدور الخداع من الله والمؤمنين، مع تنزيه الله والمؤمنين عنه، ولا يدفع إشكال صدور الخداع من المنافقين لله[27].

ويمكن تأويل الحديث وَفْق ما ذكره العلماء في قوله تعالى: (يخادعون الله…)، فتكون المراغمة على سبيل الاستعارة التمثيلية، أو أن يكون فَاعَل ها هنا بمعنى فَعَل على سبيل المبالغة في الفعل من جانب واحد.

قال ابن قتيبة في حديث عبيدة السلماني أن محمد بن سيرين قال له: ما يوجب الجنابة؟ فقال: الخَفْق والخِلاط[28].

الخفق: الجماع، وأصله: الضرب، والخِلاط، مصدر خالطت المرأة في الجماع خلاطًا ومخالطة[29].

لقد وقف الشارح مع لفظ (الخِلاَط) وعده غريبًا، ثم فسره بذكر اشتقاقه، فهو مصدر الفعل (خالط) بوزن (فاعل).

قال ابن سيده: خالط الشيءُ الشيءَ مخالطة وخلاطًا: مازجه .. والخلاط: اختلاط الإبل والناس والمواشي[30].

وفي الفائق: والخلاط: مخالطة الرجل والمرأة[31]، وفيه يقول ابن الأثير: الخلاط: الجماع، من المخالطة[32].

وعلى ذلك، فإن معنى اللفظ الوارد في الحديث = (الخلاط)، فيه معنى المشاركة؛ حيث إن الجماع فيه اجتماع الختانين، وما يَتتبع ذلك من مقدمات الجماع التي يخالط فيها الرجلُ المرأةَ، وتخالط المرأةُ الرجلَ.


[1] الكتاب (4/ 68).

[2] أبنية الأفعال (ص54).

[3] السابق نفسه.

[4] شرح الشافية (1/ 99).

[5] التطور النحوي للغة العربية (ص92)، محاضرات ألقاها المستشرق الألماني برجشتراسر في الجامعة المصرية عام 1929م ترجمة د / رمضان عبدالتواب، مكتبة الخانجي، ط:4 – 1423هـ – 2003م.

[6] الصيغ الفعلية في القرآن الكريم (ص633).

[7] السابق نفسه.

[8] فقه اللغات السامية (ص109)، وينظر الصيغ الفعلية (ص634).

[9] سنن الدارقطني (كتاب الصيام – باب طلوع الشمس بعد الإفطار) (2/ 212)، والمعجم الكبير (11/ 232)، وابن أبي شيبة (كتاب الحج – من قال أيام التشريق أيام أكل وشرب) (3/ 394).

[10] ديوان الحطيئة (ص111) اعتنى به / حمدو طماس، دار المعرفة، بيروت، لبنان. ط:2- 1426هـ- 2005م. والحصان: المرأة العفيفة، وأدجي الليل: إذا ألبس عتمته الأرض، وتباعله: تغازله وتلاعبه.

[11] غريب أبي عبيد (1/ 113).

[12] المحكم (ل ع ن) ( 1/ 159)، الفائق (1/ 119).

[13] النهاية (1/ 141).

[14] الفائق (1/ 140).

[15] غريب أبي عبيد (2/ 300).

[16] التهذيب (بهل) (6/ 165).

[17] (بهل) (4/ 1643).

[18] ( ب هـ ل) ( 4/ 326).

[19] النهاية (1/ 167).

[20] ابن ماجة (كتاب الجنائز- باب ما جاء فيمن أصيب بسقط) (1/ 513)، ومسند أبي يعلي (1/ 360) لأحمد بن علي بن المثنى أبي يعلى الموصلي؛ تح/ حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، دمشق ط:1 1404هـ – 1984م، ومسند البزار(3/ 57).

[21] غريب ابن قتيبة (1/ 422).

[22] اللسان (رغم) (4/ 189).

[23] (رغم) (ص1114).

[24] ينظر: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل (1/ 172) وما بعدها؛ للزمخشري، تح/ عادل أحمد عبدالموجود، والشيخ/ علي محمد عوض، مكتبة العبيكان ط:1 – 1418هـ – 1998م.

[25] ينظر المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (1/ 92)؛ لابن عطية الأندلسي؛ تح/ عبدالسلام عبدالشافي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:1- 1422هـ – 2001م.

[26] التحرير والتنوير (1/ 275) وما بعدها، تأليف سماحة الأستاذ الشيخ / محمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر، تونس 1884م، وينظر: جامع البيان في تأويل القرآن (تفسير الطبري) (1/ 273) وما بعدها، لمحمد بن جرير الطبري، تح/ أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط:1 – 1420هـ- 2000م.

[27] (يخادعون) بالألف قراءة الحرميين وأبي عمرو، و(يخدعون) بفتح الياء بغير ألف قراءة عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي، السبعة (ص141)، والإقناع في القراءات السبع (2/ 597) لابن الباذش، حققه وقدم له د. عبدالمجيد قطامش، جامعة أم القرى، ط:1 – 1403هـ، وقد وجهه أبو علي الفارسي قراءة ( يَخْدَعُون الله) بغير ألف على أن فَاعَل هنا بمعنى فَعَل، الحجة للقراء السبعة (1/ 317)؛ لأبي علي الفارسي؛ تح/ بدر الدين قهوجي، بشير جويجاني، دار المأمون للتراث، ط:1 – 1404هـ- 1984م، وينظر الحجة في القراءات السبع لابن خالويه (ص23،24)، تح/ أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط:1 – 1420هـ – 1999م، والكشف (1/ 224)؛ لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي؛ تح د. محيي الدين رمضان، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، 1394هـ-1974م.

[28] الفائق (1/ 386، النهاية (2/ 64).

[29] غريب ابن قتيبة (2/ 525،526).

[30] المحكم (خ ل ط) (5/ 114).

[31] (1/ 386).

[32] النهاية (2/ 64)، اللسان (خلط) (3/ 81)

 

ترك تعليق