الرازي (المتوفى: 606هـ)،
وتفسيره (مفاتيح الغيب، أو التفسير الكبير)

هو أبو عبد الله، محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي، التميمي، البكري، الطبرستاني، الرازي، الملقَّب بفخر الدين الرازي، خطيب الري، والمعروف بابن الخطيب الشافعي، المولود سنة (544 هـ)، كان رحمه الله تعالى فريدَ عصره، ومتكلِّم زمانه، جمع كثيرًا من العلوم ونبغ فيها؛ فكان إمامًا في التفسير والكلام، والعلوم العقلية، وعلوم اللغة، وخلَّف للناس مجموعةً كبيرةً من تصانيفه في الفنون المختلفة انتشرت في البلاد، ورُزِق فيها الحظوة الواسعة؛ إذ إن الناس اشتغلوا بها، وأعرضوا عن كتب المتقدمين.

 

ومن أهم هذه المصنفات: تفسيره الكبير المسمى بـ(مفاتيح الغيب)، وهو محل الحديث هنا، وله تفسير سورة الفاتحة في مجلد واحد، ولعله هو الموجود بأول تفسيره “مفاتيح الغيب”، وله في علم الكلام: المطالب العالية، وكتاب البيان والبرهان في الرد على أهل الزيغ والطغيان. وله في أصول الفقه: المحصول، وفي الحكمة: المخلص، وشرح الإشارات لابن سينا، وشرح عيون الحِكمة، وغير هذا كثير من مصنفاته التي يتجلَّى فيها علمه الغزير.

وكانت وفاة الرازي رحمه الله تعالى سنة 606 هـ بالري[1].

 

منهجه النحوي في تفسيره (مفاتيح الغيب، أو التفسير الكبير):

تميَّز الفخر الرازي عن غيره من المفسِّرين في تناول الدرس النحوي في تفسيره؛ فقد جعل الدرس النحوي أول ما يبدأ به في التفسير، فكأنه عماد التفسير، وتناول الأبواب النحوية بعناوينها في حيز خاص من تفسيره، كأنها كتاب نحْو مستقلٍّ، وجعل فيها مباحث وجعل في المباحث مسائل، وقد اعتمد في هذه الأبواب على العرض المنطقي والأقيسة والعلل العقلية[2].

 

اعتمَد على النحويين المفسِّرين، من أمثال الفراء، والزجاج، والفارسي، والواحدي، والزمخشري، وناقش أقوالهم مع إبداء رأيه، واستدراكه عليهم معتمدًا على منهجه العقلي، وأدلة النحْو من سماع، وقياس، وإجماع، واستصحاب الحال، والسَّبر والتقسيم[3]، كما أنه خالف جمهورهم كثيرًا وأحيانًا الإجماع في بعض المسائل.

 

استدراكه على النحاة:

1- استدرك الرازي على جمهور النحاة واللغويين في مسألة الاشتقاق وأصل الكلمة قبل اشتقاقها، أو الاشتقاق منها بمزيد من التفصيل؛ فبعد أن أورد اختلاف النحاة في اشتقاق كَلمتَي التوراة والإنجيل، وما يتبع ذلك من اختلاف في وزنهما الصرفي، قال: “وأقول: أمر هؤلاء الأدباء عجيبٌ؛ كأنهم أوجبوا في كل لفظ أن يكون مأخوذًا من شيء آخَر، ولو كان كذلك لزِم إما التسلسل وإما الدَّور، ولمَّا كانَا باطلين وجب الاعتراف بأنه لا بد من ألفاظ موضوعة وضعًا أولًا حتى يجعل سائر الألفاظ مشتقة منها، وإذا كان الأمر كذلك فلِمَ لا يجوز في هذا اللفظ الذي جعلوه مشتقًّا من ذلك الآخر أن يكون الأصل هو هذا، والفرع هو ذاك الآخر ومَن الذي أخبرهم بأن هذا فرعٌ وذاك أصلٌ، وربما كان هذا الذي يجعلونه فرعًا ومشتقًّا في غاية الشهرة، وذاك الذي يجعلونه أصلًا في غاية الخفاء[4].

 

2-خالف الرازي إجماع النحاة في دلالة اسم الإشارة “ذلك” على البعيد، وذهب إلى أنه يُشار به للقريب والبعيد، فقال عند تفسير قول الله تعالى: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 2]: “لا نسلِّم أن لفظة «ذلك» لا يُشار بها إلا إلى البعيد، بيانه أن (ذلك) و(هذا) حَرْفَا إشارةٍ، وأصلهما «ذا»؛ لأنه حرف للإشارة، ومعنى “ها” تنبيه… وقد تدخل الكاف على «ذا» للمخاطبة، واللام لتأكيد معنى الإشارة، فقيل: «ذلك»، فكأن المتكلم بالَغَ في التنبيه لتأخُّر المشار إليه عنه، فهذا يدل على أن لفظة (ذلك) لا تفيد البُعد في أصل الوضع، بل اختص في العُرْف بالإشارة إلى البعيد للقرينة التي ذكرناها، وإذا ثبت هذا فنقول: إنا نحمله هاهنا على مقتضى الوضع اللغوي، لا على مقتضى الوضع العرفي، وحينئذٍ لا يفيد البُعد، ولأجْل هذه المقاربة يُقام كل واحد من اللفظَين مقام الآخر”[5].

 

وما أجازه الرازي فيه مخالفةٌ صريحة لإجماع النحاة؛ قال السيوطي: “لا خلافَ أن المجرد من الكاف واللام للقريب، ثم اختُلِف، فقِيل: ما فيه الكاف وحدها أو مع اللام كلاهما للبعيد”[6].

 


[1] يُنظر: طبقات الشافعية الكبرى، للسبكي (8/81)، والبداية والنهاية، لابن كثير (13/55)، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر ابن خلكان البرمكي الإربلي (المتوفى: 681هـ)، المحقق: إحسان عباس، ط. دار صادر – بيروت (4/248)، والأعلام، للزركلي (6/313)، والتفسير والمفسرون، الدكتور محمد السيد حسين الذهبي (المتوفى: 1398هـ)، مكتبة وهبة، القاهرة (1/207).

[2] يُنظر: التفسير والمفسرون، لمحمد السيد حسين الذهبي (1/207)، معجم المفسرين «من صدر الإسلام وحتى العصر الحاضر»، عادل نويهض، ط. مؤسسة نويهض الثقافية للتأليف والترجمة والنشر، بيروت – لبنان، الطبعة: الثالثة، 1409 هـ – 1988 م (1/145)، الفخر الرازي وجهوده النحوية في تفسيره، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في النحو والصرف، جامعة المنيا، كلية الآداب، قسم اللغة العربية، تحت إشراف: د. فاروق محمد مهنى، 1429هـ – 2008م، (ص: 8).

[3] يُنظر: المصدر السابق (ص: 8).

[4] يُنظر: مفاتيح الغيب = تفسير الرازي، أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (المتوفى: 606هـ)، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة: الثالثة – 1420 هـ (7/132). وجهود الفخر الرازي في النحو والصرف، رسالة ماجستير مقدمة من الطالب/محمد عبد القاهر هنادي، جامعة أم القرى، 1405هـ – 1985م، (ص: 334).

[5] يُنظر: مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير، للرازي (2/259).

[6] يُنظر: همع الهوامع في شرح جمع الجوامع في علم العربية، عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (ت: 911هـ)، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1327هـ (1/296).

ترك تعليق