كتبه: الشيخ محمد الطنطاوي
المحقق: أبي محمد عبد الرحمن بن محمد بن إسماعيل

‌‌أطوار النحو الأربعة

طور النضوج والكمال “بصري كوفي”

 

هذا الطور من عهد أبي عثمان المازني البصري إمام الطبقة السادسة ويعقوب ابن السكيت الكوفي إمام الرابعة، إلى آخر عصر المبرد البصري شيخ السابعة، وثعلب الكوفي شيخ الخامسة.

لقد هيأ الطور السالف لهذا الطور الكمال والنضوج بفضل ما بذل رجاله من جهد مضن كان له الأثر الناجع في تخريج جمهرة من العلماء امتاز بها من هذا الطور عن سابقيه في كلا البلدين.

ولقد شمر الجميع عن ساعد الجد ونزلوا الميدان تسوقهم العصبية البلدية، وكان حادي عيسهم في البصرة أبا عثمان المازني، وأبا عمر صالح الجرمي، وأبا محمد التوزي، وأبا علي الجرمازي، وأبا حاتم السجستاني، والرياشي، والمبرد وغيرهم وفي الكوفة يعقوب بن السكيت، ومحمد بن سعدان، وثعلبا والطوال وغيرهم، وكثيرا ما جمعت الفريقين بغداد بين حين وآخر على تعصب كلٍّ لمذهبه وانتقال هذا التعصب لمن يشايعهما، فكانت مناظرات وإفحامات تقض المضاجع وتحز في النفوس، حتى تلاقيا أخيرا وتوطنا بغداد على ضغن في القلوب أذهبه تعاقب الأيام وانقراض المتنافسين شيئا فشيئا.

كل ذلك دعاهم إلى الانهماك والنشاط، فأكملوا ما فات السابقين وشرحوا مجمل كلامهم، واختصروا ما ينبغي وبسطوا ما يستحق، وهذبوا التعريفات وأكملوا وضع الاصطلاحات، ولم يدعوا شيئا منه إلا نظروه ولا أمرا من غيره إلا فصلوه، فخلص النحو من الصرف الذي بقي وحده متمسكا به في التأليف إلى أول هذا الطور.

وأول من سلك هذا السبيل المازني فقد ألف في الصرف وحده وشق ذلك الطريق لمن بعده، ومن هذا الحين تشعبت مسالك التأليف في العلوم العربية، فمن مؤلف في النحو وحده، ومن مصنف في الصرف وحده، ومن خالط بينهما، وقد رعى العهد القديم المبرد في كتابه الكامل الذي جمع فيه من كل دوحة غصنا، فبينما يسبح في الأخبار إذا هو يوافيك بالتحقيق اللغوي، ثم إذا هو يباغتك بالإشكالات الغريبة في النحو والتحقيقات الممتعة في الصرف ولا تكاد تنتهي منها حتى يطل عليك بالأدب الطريف، إلا أن ذلك النهج قليل تلقاء ما كثر من مؤلفات مستقلة بالفروع العربية بعد تمييزها، وكان أكثرها مصنفات فن النحو الذي قد تحولت لهجات التصنيف فيه عن ذي قبل بما وضع فيها من العبارات التأليفية والمصطلحات النحوية التي بقيت خالدة في كتب النحاة إلى يومنا هذا، وإنا لنرى ذلك واضحا عند الموازنة بين كتاب سيبويه وبين مخلفات هذا الطور.

لم ينسلخ هذا الطور حتى فاضت دراساته في المدن الثلاث: “البصرة، والكوفة، وبغداد” وما يصاقبها[1]، واغترف الجميع من منهله، وبذلوا الجهود الجبارة في استكماله، والإحاطة بجميع قواعده -وكان لهم ما أرادوا- فاستوى النحو قائما على قدميه ومثلت صورته بارزة للجميع وامتازت شخصيته وأوفى على الغاية التي ليس وراءها نهاية لمستزيد ولا مرتقى لذي همة، فتمت أصوله وانتهى الاجتهاد فيه بين الفريقين على يدي الإمامين: المبرد خاتم البصريين، وثعلب خاتم الكوفيين.

روى ياقوت: “قال لي أبو عمر الزاهد: سألت أبا بكر بن السراج، فقلت: أي الرجلين أعلم أثعلب أم المبرد؟ فقال: ما أقول في رجلين العالم بينهما”[2].

وكان بين الإمامين ما بين المتعاصرين من الإحن والأضغان، ولكل منهما شيعته وأنصاره، والعيون لهما رامقة، فكانت المناظرات بينهما دائبة، والغلب بينهما سجالا، ورحمة الله على الجميع.

كانت نهاية هذا الطور الثالث “طور النضوج والكمال” في أخريات القرن الثالث الهجرى بعد أن توافد الفريقان على بغداد أرسالا[3] وهجرا المصرين[4] عندما كثرت فيهما الاضطرابات، وتوالت المحن من الزط[5] والقرامطة[6] والزنوج وعدا عليهما حدثان الدهر بعد أن أبليا في سبيل هذا العلم بلاء حسنا خلده لهما الدهر في صحائفه، ومع ذلك فقد ظلت الحزبية قائمة إلا أنها آخذة في الاضمحلال فإن توحيد الوطن بينهما واتصالهما بالخلفاء والأمراء والشعب البغدادي عاملان على تقويض دعائم الخلاف بينهما.

وإنه لما يجمل بنا هنا أن نذكر كلمة موجزة تتعلق بالطورين الأخيرين “الثاني والثالث” نعرض فيها بعض المناظرات والمجالسات النحوية التي جرت بين البلدين فإنها حدثت فيهما فكانت سببا في آثارها المترتبة عليها.

كلمة في مناظرات الطورين “الثاني والثالث”

‌‌مدخل

مناظرات الطورين “الثاني والثالث”:

إن المتتبع لتراجم رجال الطورين في البلدين يرى أن كل واحد منهم قد خب فيها ووضع، وأن المشادة بين الفريقين ما فترت حينا، إذ كانت تثيرها الرغبة في الوصول إلى الحقائق والاعتزاز بالنفس والعصبية للبلد والنمط العلمي، والطمع في نائل الخلفاء والأمراء الذين “أسهموا” بقسط قيم فيها، وكان أغلبها على أيديهم أو على كثب منهم، وحكموا في كثير منها فنصروا وخذلوا ورفعوا وخفضوا، كان لذلك كله أثره في زج العلماء بأنفسهم في هذه المعمعة التي كان يأمل كل واحد فيها أن يكون المجلي، لأن هذا العلم حينذاك لما ينضج في أغلب مسائله، ولم يتخذ شكلا ولا صورة ثابتة يقف أمامها كل رائد مكتوف اليد، بل كان يبدو لكل ما لا يلمحه الآخر، وحجة هذا تناهض دليل ذاك لاختلاف الروايات وتفاوت المسموعات وتنوع العصبيات، ولقد تطاير شررها من الخارج إلى الداخل فكانت مناظرات بين البصريين أنفسهم والكوفيين أنفسهم.

إن المناظرات تصير حيث يصير العلم وحيث يصير العلماء، فحب الغلبة جبلي في الإنسان في مظاهر الحياة المختلفة، فكيف العلم الذي هو أنبل الغايات وأسمى المقاصد؟ نعم إذا كان مبعث المناظرات محض العلم فحبذا الغرض والمطلب، لكنها فيما نحن فيه قد شيبت بالعصبية، فكانت حربا ضروسا غير أنها محمودة المغبة على كل حال لما تسفر عنه من نتائج القرائح المكنونة، فما نعمت اللغة وغنيت إلا من هذا السجال العلمي و”عند الصباح يحمد القوم السرى”[7].

المصدر: نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة

 


[1] أي: يقاربها.

[2] راجع معجم الأدباء ترجمة ثعلب ج٥ طبعة دار المأمون.

[3] جمع رسل بفتحتين وهو القطيع من كل شيء.

[4] البصرة والكوفة.

[5] الزط: جيل من الهند، وقيل من السودان طوال الأجسام.

[6] القرامطة: جيل، الواحد قرمطي.

[7] مجمع الأمثال رقم ٢٣٨٢ أول مثل فيما أوله عين.

ترك تعليق