أبرز المفسِّرين المستدرِكين على النحويين، وطرائقهم في الاستدراك
أبو زكريا الفراء (المتوفى: 207هـ)، وتفسيره: (معاني القرآن)

هو أبو زكريا يحيىبن زيادبن عبداللهبن منظور الديلمي الفراء، أبو زكريا، مولى بني الأسد، الكوفي، النحوي، صاحب الكسائي، وكان ثقةً، كان مع تقدُّمه في اللغة فقيهًا متكلِّمًا، عالمًا بأيام العرب وأخبارها، عارفًا بالنجوم والطب، قيل: سُمِّي بالفراء؛ لأنه كان يَفْري الكلام، ولما مات وُجِدَ «كتاب سيبويه» تحت رأسه، فقيل: إنه كان يتتبع خطأه ويتعمد مخالفته. وورَد عن ثعلب: أنه قال: لولا الفراء، لَما كانت عربيةٌ، ولسقطت؛ لأنه خلَّصها، ولأنها كانت تتنازع ويدعيها كل أحد.

 

ولما أَمْلى كتاب (معاني القرآن)، اجتمع له الخلق، فكان من جملتهم ثمانون قاضيًا، حتى قيل: لو لم يكن لأهل بغداد والكوفة من النحاة إلا الكسائي والفراء، لكفى. وقال بعضهم: الفرَّاء أمير المؤمنين في النحو. ومقدار تواليف الفراء: ثلاثة آلاف ورقة، من أهمها: كتاب معاني القرآن، والمذكَّر والمؤنَّث، والوقف والابتداء، والجمع والتثنية في القرآن، والمقصور والممدود، وغيرها. وقد مات الفراء بطريق الحج، سنة سبع ومائتين، وله ثلاث وستون سنة رحمه الله تعالى[1].

 

منهجه النحوي من خلال كتابه (معاني القرآن):

1- يُعَد الفراء أحدَ أعمدة المذهب الكوفي النحوي، ويُعد كتابُه (معاني القرآن) أهمَّ المصادر فيما ذهب إليه الكوفيون، وقد اتبع منهجًا متميزًا في كتابه هذا اختلف عن غيره من علماء النحو؛ فهو يَنساق إلى الإعراب من خلال تفهمه لدلالة النص، ولم ينْجَرَّ إلى قاعدة تَحكُمه في ذلك، وإنما تعددت عنده العلل بتعدد المعاني في الموضوع الواحد[2].

 

2- انتهج الفرَّاء في كثير من مسائل كتابه منهج التعليل في توجيه الإعراب؛ فعلَّل عددًا غير قليل من المسائل النحوية، متناولًا إياها بالتعليل كلما وجد داعيًا إليه، وفائدةً مرجوَّةً منه، وقد علل بأشياء كثيرةٍ لم يَتنكَّب فيها مدار العربية وخصائص اللسان العربي والحِس اللغوي[3].

 

ومن أهمِّ هذه العلل: التعليل بالكثرة في كلام العرب، والتعليل بالقلة، فيقول في مواضع: “وهذا قليلٌ في لسان العرب”. والتعليل بالثِّقَل، وقد أكثر من الاتكاء عليها؛ إذ يقول: “استثقلوا أن يقولوا كذا”. والتعليل بالخفة، فيقول: “استخفوا بذلك إذا كان المعنى معلومًا”. والتعليل بالقبح، فيقول: “قبح ذلك الوجه”. والتعليل بالكراهة، فيقول: “وهذا مُستَكره”، أو: “ولا يجعلونه كذلك كراهة كذا وكذا”. والتعليل بالتوهُّم، والتعليل بالأصل، والتعليل بمشاكلة رؤوس الآيات، والتعليل بالمعنى. وغير ذلك[4].

 

3- يَعرِِض الفرَّاء الظاهرة النحوية ويُحرِّر أحكامها عن طريقِ ذِكر أقوال المفسرين في الآية، ثم الالتفات إلى العربية، مستنِدًا إلى المعنى وأساليب العرب في تأليف التركيب اللغوي، ومُنبِّهًا على أغراضهم منه غيرَ غافل عن الإشارة إلى عنايتهم بالمقام الذين يرسلون فيه كلامهم، فلا يتعدى إطار العربية والمعاني المستفادة منها، والذوق العربي والحس اللغوي، ومناهج العرب في تعابيرها، سواء كان ذلك في تعليله أم في منهجه الذي تراوح بين المنهج الوصفي والمعياري[5].

 

4- لم يُهمل الفراء منهجَ مَن سبقه في الأخذ بالقياس في درْسه النحوي في كتاب المعاني؛ فقد تعدَّدت صُوَر القياس عنده، سواء القياس اللغوي، أو النحوي، أو الصرفي[6].

 

استدراكاته على النحاة:

استدرك الفراء في كتابه المعاني على النحاة عددًا من المسائل، وردَّ عليهم فيها بما رآه أَوْلى بالصواب، من ذلك:

1- تقبيحه العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار، وأجاز ذلك في الشِّعر فقط؛ حيثُ قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ﴾ [النساء: 1]، فنصب (الأرحام)، يريد: واتقوا الأرحامَ أن تقطعوها. قال: حدَّثني شَرِيكُ بن عبد الله، عن الأعمش، عن إبراهيم: أنه خفض الأرحام، قال: هُوَ كقولهم: بالله والرحمِ، وفيه قُبح؛ لأن العرب لا تَرُدُّ مخفوضًا على مخفوض وقد كنى عَنْه، وقد قال الشاعر في جوازه:

نُعلِّقُ فِي مِثلِ السَّواري سُيُوفَنا *** وما بيْنها والكَعْبِ غُوطٌ نَفانِفُ[7]

 

وإنَّما يجوز هذا في الشِّعر لضِيقه[8].

2- أجاز الفراء دخول الفاء على خبر المبتدأ الموصول والنكرة الموصوفة الذي دخلت عليه (إنَّ)، وقال أيضًا بجواز زيادتها في هذا الموضع، وردَّ مَن جوَّز غيرَ ذلك؛ فقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ﴾ [الجمعة: 8]: “أدخلت العرب الفاء فِي خبر (إنّ) لأنها وقعت على (الَّذي)، و(الذي) حرف يوصَل، فالعرب تدخل الفاء في كل خبرٍ كان اسمه مما يوصَل مثل: مَن، والذي، وإلقاؤها صواب… ومن أدخل الفاء ذهب بالذي إلى تأويل الجزاء إذا احتاجت إلى أن توصَل، ومن ألقى الفاء فهو على القياس؛ لأنك تقول: إن أخاك قائم، ولا تَقُولُ: إن أخاك فقائمٌ. ولو قلت: إن ضاربك فظالمٌ، كان جائزًا؛ لأن تأويل: إن ضاربك، كقولك: إنَّ مَن يضربك فظالمٌ، فقِسْ على هذا الاسم المفرد الَّذي فيه تأويل الجزاء، فأدخل له الفاء.

 

وقال بعض المفسرين: إن الموت هو الَّذي تفرون منْه، فجعل (الَّذي) في موضع الخبر للموت. ثمَّ قال: ففروا أوْ لا تفروا؛ فإنه ملاقيكم. ولا تجد هذا محتملًا في العربية، والله أعلم بصواب ذلك”[9].

 


[1] تنظر ترجمتُه في: إنباه الرواة على أنباه النحاة، أبو الحسن علي بن يوسف القفطي (المتوفى: 646هـ)، المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط. دار الفكر العربي – القاهرة، ومؤسسة الكتب الثقافية – بيروت، ط. الأولى، 1406 هـ – 1982م (4/8)، وتاريخ بغداد، أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (توفى 463هـ)، تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي – بيروت، الطبعة الأولى، 1422هـ – 2002 م (16/224)، تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير والأعلام، أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي (المتوفى: 748هـ)، المحقق: الدكتور بشار عوّاد معروف، ط. دار الغرب الإسلامي، ط. الأولى، 2003 م (14/293)، سير أعلام النبلاء، أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي (المتوفى: 748هـ)، المحقق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الثالثة، 1405 هـ/ 1985 م (10/118)، الأعلام، خير الدين الزركلي (المتوفى: 1396هـ)، الناشر: دار العلم للملايين، الطبعة: الخامسة عشر – أيار/ مايو 2002 م (8/145).

[2] يُنظر: النحو الكوفي -مباحث في معاني القرآن للفراء، د. كاظم إبراهيم كاظم، ط عالم الكتب (ص: 5).

[3] يُنظر: نظرات في كتاب معاني القرآن للفراء، د. إبراهيم محمد عبد الله، مجلة مجمع اللغة العربية -المجلد (78) الجزء (2)، (ص: 364).

[4] يُنظر: المصدر السابق (ص: 365).

[5] يُنظر: المصدر السابق (ص: 378).

[6] يُنظر: المصدر السابق (ص: 395).

[7] بيت من الطويل، لمسكين الدارمي في ديوانه، جمع: عبد الله الجبوري، وخليل إبراهيم العطية، مطبعة دار البصري ببغداد، 1389هـ-1970م (ص:53)، والشاهد فيه: قوله: “والكعب” فإنه عطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجر، والتقدير: وما بينها وبين الكعب إلا أنه حذف الظرف لتقدم ذكره وبقي عمله. انظر: شرح المفصل، يعيش بن علي بن يعيش الموصلي، المعروف بابن يعيش (المتوفى: 643هـ) ط. دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، 1422 هـ – 2001 م (2/ 283)، شرح تسهيل الفوائد، محمد بن عبد الله، ابن مالك الطائي الجياني (المتوفى: 672هـ)، تحقيق: د. عبد الرحمن السيد، د. محمد بدوي المختون، ط. هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة: الأولى (1410هـ – 1990م) (3/ 377)، تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد (7/ 3500).

[8] يُنظر: معاني القرآن، أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء (المتوفى: 207هـ)، المحقق: أحمد يوسف النجاتي/ محمد علي النجار/ عبد الفتاح إسماعيل الشلبي، ط. دار المصرية للتأليف والترجمة – مصر، ط. الأولى (1/253).

[9] يُنظر: معاني القرآن، للفراء (3/156).

 

ترك تعليق