المؤلف: أبو القاسم الزَّجَّاجي

المحقق: الدكتور مازن المبارك

قد قلنا إن الإعراب حركة ودللنا على معناه. والحركة لا تقوم بنفسها ولا توجد إلا في حرف، فلما كان الرفع والنصب والجر قد يكون في الكلام بأشياء سوى الحركة كما بينا ذلك فيما تقدم، وكان الأصل الحركة، وهو الأعم والأكثر، نسبوا ذلك كله إلى الحركة، فنسبوا الرفع كله إلى حركة الرفع لأن المتكلم بالكلمة المضمومة يرفع حنكه الأسفل إلى الأعلى ويجمع بين شفتيه وجُعل ما كان منه بغير حركة موسوماً أيضاً بسمة الحركة لأنها هي الأصل. والمتكلم بالكلمة المنصوبة يفتح فاه، فيبين حنكه الأسفل من الأعلى، فيبين للناظر إليه كأنه قد نصبه لإبانة أحدهما عن صاحبه. وأما الجر فإنما سمي بذلك لأن معنى الجر الإضافة؛ وذلك أن الحروف الجارة تجر ما قبلها فتوصله إلى ما بعدها كقولك مررت بزيد، فالباء أوصلت مرورك إلى زيد. وكذلك المال لعبد الله. وهذا غلام زيد.

هذا مذهب البصريين وتفسيرهم. ومن سماه منهم (و) من الكوفيين خفضاً، فإنهم فسروه نحو تفسير الرفع والنصب فقالوا لانخفاض الحنك الأسفل عند النطق به، وميله إلى إحدى الجهتين.

وأما الجزم فأصله القطع. يقال جزمت الشيء وجذمته وبترته وجذذته وصلمته وفصلته وقطعت بمعنى واحد. فكأن معنى الجزم قطع الحركة عن الكلمة، هذا أصله، ثم جعل منه ما كان بحذف حرف على هذا، لأن حذف الحركة وحذف الحرف جميعاً يجمعهما الحذف. وكان المازني يقول: الجزم قطع الإعراب. فمعنى جزم الفعل المستقبل قطع الإعراب عنه، وذلك أن الفعل المستقبل، عنده وعند جميع البصريين، إنما يعرب إذا وقع موقع اسم. فقولك مررت برجل يقوم، تقديره مررت برجل قائم، وكذلك محمد ينطلق، تقديره محمد منطلق. قال المازني: فإذا قلت زيد لم يقم، فقد وقع الفعل موقعاً لا يقع فيه الاسم، فرجع إلى أصله وهو البناء.

وأقول إن هذا القول غير صحيح. وما أراه بيِّناً عنه. وذلك أنه يجب من هذا أن ت كون الأفعال أيضاً في حال النصب غير معربة في قولك: إذاً أكرمك ولن يقوم زيد وما أشبه ذلك، لأنها قد وقعت موقعاً لا تقعه الأسماء. والمازني يقول هي معربة، ومع ذلك فإن المبني لا يتغير عن حاله، وهذه الأفعال تغيّرها العوامل.

المصدر: الإيضاح في علل النحو

1 تعليق

ترك تعليق