المؤلف: أحمد شوقي عبد السلام ضيف

يمكن أن نرد أسباب وضع النحو العربي إلى بواعث مختلفة، منها الديني ومنها غير الديني، أما البواعث الدينية فترجع إلى الحرص الشديد على أداء نصوص الذكر الحكيم أداء فصيحا سليما إلى أبعد حدود السلامة والفصاحة، وخاصة بعد أن أخذ اللحن يشيع على الألسنة، وكان قد أخذ في الظهور منذ حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد روى بعض الرواة أنه سمع رجلا يلحن في كلامه فقال: “أرشدوا أخاكم؛ فإنه قد ضل”[1]، ورووا أن أحد ولاة عمر بن الخطاب كتب إليه كتابا به بعض اللحن، فكتب إليه عمر: “أَنْ قَنِّعْ كاتبك سوطا”[2].


غير أن اللحن في صدر الإسلام كان لا يزال قليلا بل نادرا، وكلما تقدمنا منحدرين مع الزمن اتسع شيوعه على الألسنة، وخاصة بعد تعرب الشعوب المغلوبة التي كانت تحتفظ ألسنتها بكثير من عاداتها اللغوية، مما فسح للتحريف في عربيتهم التي كانوا ينطقون بها، كما فسح اللحن وشيوعه. ونفس نازلة العرب في الأمصار الإسلامية أخذت سلائقهم تضعف لبعدهم عن ينابيع اللغة الفصيحة، حتى عند بلغائهم وخطبائهم المفوهين، ويكفي أن نضرب مثلا لذلك ما يروى عن الحجاج من أنه سأل يحيى بن يعمر هل يلحن في بعض نطقه؟ وسؤاله ذاته يدل على ما استقر في نفسه من أن اللحن أصبح بلاء عاما، وصارحه يحيى بأنه يلحن في حرف من القرآن الكريم، إذ كان يقرأ قوله عز وجل: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ أَحَبَّ ﴾ بضم أحبّ، والوجه أن تقرأ بالنصب خبرا لكان لا بالرفع[3].

 

وإذا كان الحجاج وهو في الذروة من الخطابة والبيان والفصاحة والبلاغة يلحن في حرف من القرآن، فمَنْ وراءه من العرب نازلة المدن الذين لا يرقون إلى منزلته البيانية كان لحنهم أكثر. وازداد اللحن فشوّا وانتشارا على ألسنة أبنائهم الذين لم ينشئوا في البادية مثلهم ولا تغذوا من ينابيعها الفصيحة، إنما نشئوا في الحاضرة واختلطوا بالأعاجم اختلاطا أدخل الضيم والوهن على ألسنتهم وفصاحتهم على نحو ما هو معروف عن الوليد بن عبد الملك وكثرة ما كان يجري على لسانه من لحن[4]. وكان كثيرون من أبناء العرب وُلدوا لأمهات أجنبيات أو أعجميات، فكانوا يتأثرون بهن في نطقهن لبعض الحروف وفي تعبيرهن ببعض الأساليب الأعجمية[5].

 

وكل ذلك جعل الحاجة تمس في وضوح إلى وضع رسوم يعرف بها الصواب من الخطأ في الكلام؛ خشية دخول اللحن وشيوعه في تلاوة آيات الذكر الحكيم.

 

وانضمت إلى ذلك بواعث أخرى، بعضها قومي عربي، يرجع إلى أن العرب يعتزون بلغتهم اعتزازا شديدا، وهو اعتزاز جعلهم يخشون عليها من الفساد حين امتزجوا بالأعاجم، مما جعلهم يحرصون على رسم أوضاعها؛ خوفا عليها من الفناء والذوبان في اللغات الأعجمية.

 

وبجانب ذلك كانت هناك بواعث اجتماعية ترجع إلى أن الشعوب المستعربة أحست الحاجة الشديدة لمن يرسم لها أوضاع العربية في إعرابها وتصريفها حتى تتمثّلها تمثلا مستقيما، وتتقن النطق بأساليبها نطقا سليما.

 

وكل ذلك معناه أن بواعث متشابكة دفعت دفعا إلى التفكير في وضع النحو، ولا بد أن نضيف إلى ذلك رقيّ العقل العربي ونمو طاقته الذهنية نموا أعده للنهوض برصد الظواهر اللغوية وتسجيل الرسوم النحوية تسجيلا تطّرد فيه القواعد وتنتظم الأقيسة انتظاما يهيئ لنشوء علم النحو ووضع قوانينه الجامعة المشتقة من الاستقصاء الدقيق للعبارات والتراكيب الفصيحة، ومن المعرفة التامة بخواصها وأوضاعها الإعرابية.

 

المصدر: المدارس النحوية


[1] كنز العمال 1/ 151.

[2] الخصائص لابن جني “طبعة دار الكتب المصرية” 2/ 8.

[3] طبقات النحويين واللغويين للزبيدي “طبعة الخانجي” ص22. وانظر البيان والتبيين “طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر” 2/ 218.

[4] البيان والتبيين 2/ 204، وانظر عيون الأخبار لابن قتيبة 2/ 158، 167.

[5] البيان والتبيين 1/ 72، 2/ 210.

1 تعليق

ترك تعليق