هناك جانب ثانٍ لا يقل أهمية عن سابقه، ويتعلق بنطق الأصوات أو ما يسمى تجوزًا بالحروف نطقًا معيبًا، ويشمل ذلك نماذج كثيرة أهمها:

أ‌- الخلط بين الصوتين المجهور والمهموس في النطق، وخصوصًا تحت تأثير عامل المماثلة الصوتية. وتظهر خطورة هذا الخلط بصورة أوضح وتشتمل اللغة على المقابلين المجهور والمهموس، مما قد يؤدي عن طريق التبادل بينهما- إلى تغيير المعنى أو تشويهه، كما يحدث مع التقابلات الصوتية الآتية:
الدال والتاء، الذال والثاء، الزاي والسين، العين والحاء، الغين والخاء.


ولاحظ اللبس الذي يمكن أن يحدث- دون اعتماد على السياق طبعًا- بين كلمتي الثنائي: يغشى ويخشى، حينما تنطق الغين في الكلمة الأولى مهموسة تحت تأثير الشين، فتلتبس بالكلمة الثانية.

 

أو بين كلمتي الثنائي: يزحر ويسحر، حينما تنطق الزاي في الكلمة الأولى مهموسة تحت تأثير الحاء، فتلتبس بالكلمة الثانية.

أو بين كلمتي الثنائي: تلميع وتلميح حين يلي أيا منهما صوت مهموس.


وقد سمعت أحد المذيعين يقرأ الجملة: تعتقد أن الوضع في لبنان..، هكذا: تحتقد أن … فأبدل العين حاء تحت تأثير التاء المهموسة. كما سمعت مذيعًا آخر يقرأ العبارة: إليكم نشرة الأخبار، يقرؤها هكذا: إليكم نشرة الأغبار، حيث جهر الخاء تحت تأثير الباء المجهورة فتولدت الغين.

 

ب‌-الخلط بين الصوتين المرقق والمفخم تحت تأثير عامل المماثلة الصوتية. وتظهر خطورة هذا الخلط كذلك حين تشتمل اللغة على المتقابلين المفخم والمرقق مثل:

السين والصاد، التاء والطاء، الدال والضاد، ومع شيء من التجوز نظرًا لقرب المخرج لا تطابقه، الكاف والقاف.

وذلك مثل:
ساح وصاح، تاب وطاب، باد وباض، تكدير وتقدير..


ولاحظ جملة: مع التقدير الشديد حين تنطق: مع التكدير الشديد وقد أدى هذا الخلط بين صوتي التقابل إلى ظهور بعض الأخطاء الشائعة في لغتنا، كقول الكثيرين: برد قارص بدلا من: برد قارس.

ت‌-ويتعلق بأخطاء التفخيم والترقيق ما يتصل بنطق صوتي الراء واللام اللذين يختصان بأحكام معينة حسب نوع الحركة المصاحبة لهما، أو نوع الصوت المجاور.

 

فتفخم الراء بعد السواكن المفخمة، وفي جوار الفتحة والألف مثل راشد ورحيم[1]. وترقق في جوار الكسرة أو ياء المد مثل: رِجْل، ويريد[2]. أما اللام فأصلها الترقيق، ولا تفخم إلا إذا جاورها صوت مفخم، أو كانت اللام نفسها مفتوحة. ويختص لفظ الجلالة الله بحكم خاص، إذا تفخم لامه إلا إذا سبقتها كسرة[3]. وبهذا يبدو خطأ المذيع الذي قرأ الحديث النبوي بعد الأذان فقال: مولى رسولِ الله، بتفخيم لفظ الجلالة، والمذيع الآخر الذي كان يقدم لصلاة الجمعة فقال: سائلا الله سبحانه وتعالى، بتفخيم لفظ الجلالة، مع أنه نطق: سائلا، موصولة بلفظ الجلالة، وحرك تنوينها بالكسرة للتخلص من التقاء الساكنين.

 

ث‌-التأثر بالنطق العامي في نطق الأصوات التي يختلف نطقها الفصيح عن نطقها العامي. ولن نشير إلى نطق الجيم فقد صار علامة مميزة لإذاعة القاهرة، حتى صار هو المعيار الصحيح لكافة المذيعين والمتحدثين[4]. إلا من ندر.

 

ولكننا نشير إلى الأصوات الأسنانية ذ- ث- ظ التي تنطق أسنانية لثوية تارة، وتنطق بصورة أخرى تارة أخرى[5]. ويظهر أثر الانحراف نحو العامية أكثر ما يظهر في قراءة الأعداد، وبخاصة في أسعار العملات، والذهب والفضة، والنشرة الجوية. وقد يأتي في صلب نشرة الأخبار[6] ويظهر أثر النطق العامي كذلك في نطق أسماء المدن خلال النشرة الجوية، حيث سمعت المذيع ينطق القاف همزة في كلمة الغردقة[7].

 


[1] انظر: إبراهيم أنيس: الأصوات اللغوية ط ثالثة 1961 ص 54. وانظر كذلك: أحمد مختار دراسة الصوت اللغوي 1991 ص 326.

[2] ولكنني سمعت كمال خليل يقرأ: لاستمرارها في..، بترقيق الراءين، والسيد موسى يقرأ: أن يثيرها ذلك الوضع، بترقيق الراء.

[3] انظر: إبراهيم أنيس: السابق ص53.

[4] للدفاع عن الجيم القاهرية انظر: أحمد مختار: دراسة الصوت اللغوي 1991 ص336 وما بعدها.

[5] قد تنطق الذال زايا كما في: ذلك، التي تنطق: زلك، وقد تنطق: دالا، كما في: ذهب، التي تنطق: دهب. وقد تنطق الثاء سينا كما في: ثقافة، والتي تنطق: سقافة، أو تنطق تاء كما في: ثلاثة، التي تنطق: تلاتة، أو تنطق صادا كما في: عثمان التي تنطق: عصمان.

[6] ممن يحرصون بوجه خاص على قراءة الأعداد بالفصحى -وينجحون في ذلك إلى حد كبير- كمال خليل ومرفت خير الله.

[7] مع أنه نطق في نفس النشرة: قنا، بالقاف.