من أخبار النحويين البصريين للسيرافي (1)

كان وأخواتها

المؤلف: الحسن السيرافي (المتوفى: 368هـ)
المحقق: طه محمد الزيني، ومحمد عبد المنعم خفاجي

المقدمة:

كتاب فيه ذكر مشاهير النحويين وطرف من أخبارهم وذكر أخذ بعضهم عن بعض والسابق منهم إلى علم النحو.


اختلف الناس في أول من رسم النحو فقال قائلون أبو الأسود الدؤلي وقال آخرون نصر بن عاصم الدؤلي ويقال الليثي وقال آخرون عبد الرحمن بن هرمز وأكثر الناس على أبي الأسود الدؤلي واسمه ظالم بن عمرو بن سليمان بن عمرو بن حلس بن نفاثة بن عدي بن الدؤل بن بكر بن كنانة وكان من سكان البصرة، والنسبة إليه دؤلي كما ينسب إلى نمر نمري فيفتح استثقالاً للكسرة ويجوز تخفيف الهمزة فيقال الدولي بقلب الهمزة واواً محضة لأن الهمزة إذا انفتحت وكان قبلها ضمة فتخفيفها بقلبها واواً محضة كما يقال في جُؤن جُوَنٌ وقد يقال الدّيليّ بقلب الهمزة ياء حين انكسرت. فإذا انقلبت ياء كسرت الدال لتسلم الياء كما تقول قيل وبيع.

قال الأصمعي أخبرني عيسى بن عمر قال الديل بن بكر الكناني إنما هو الدُّؤل فترك أهل الحجاز الهمز وأنشد لكعب بن مالك.

جاؤوا بجيش لو قِيسَ مُعْرسُه = ما كان إلا كمُعْرَس الدُّئل


والذي يقول أبو الأسود الديلي يريد به النسبة إلى الدؤل على تخفيف الهمزة الذي ذكرناه لأنه لا خلاف في نسبه.


وكان أبو الأسود ممن صحب علياً صلى الله عليه وكان من المتحققين بمحبته ومحبة ولده وفي ذلك يقول:

يقول الأرذلون بنو قشير = طوالَ الدهر لا تنسى عَلِيّا
أحِب محمداً حباً شديدا = وعبَاسا وحَمْزةَ والوصيّا
فإن يك حبُّهم رُشداً أُصِبْه = وليس بمخطئ إن كان غَيّا

وكان نازلاً في بني قشير بالبصرة وكانوا يرجمونه بالليل لمحبته لعلي وولده فإذا أصبح وذكر رجمهم قالوا: الله يرجمك، فيقول لهم: تكذبون لو رجمني الله لأصابني وأنتم ترجمون فلا مصيب.


وقد اختلف الناس في السبب الذي دعا أبا الأسود إلى ما رسمه من النحو، فقال أبو عبيدة معمر بن المثنى:

أخذ أبو الأسود عن علي بن أبي طالب عليه السلام العربية فكان لا يخرج شيئاً مما أخذه عن علي بن أبي طالب عليه السلام إلى أحد حتى بعث إليه زيادٌ: اعمل شيئاً تكون فيه إماماً ينتفع الناس به وتُعرب به كتاب الله، فاستعفاه من ذلك حتى سمع أبو الأسود قارئاً يقرأ: ﴿ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ﴾ [التوبة: 3]، فقال: ما ظننتُ أن أمر الناس صار إلى هذا فرجع إلى زياد فقال: أنا أفعل ما أمر به الأمير فليبغني كاتباً لقناً يفعل ما أقول، فأتى بكاتب من عبد القيس فلم يرضه فأتى بآخر قال أبو العباس أحسبه منهم.


اقرأ ايضا: ‌‌باب معرفة علامات الإعراب


فقال له أبو الأسود: إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه فإن ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف وإن كسرت فاجعل النقطة تحت الحرف فإن أتبعت شيئاً من ذلك غنة فاجعل مكان النقطة نقطتين. فهذا نقط أبي الأسود.

وروى محمد بن عمران بن زياد الضبي قال حدثني أبو خالد قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم قال:

جاء أبو الأسود الديلي إلى عبيد الله بن زياد يستأذنه في أن يضع العربية فأبى، قال فأتاه قوم فقال أحدهم: أصلحك الله مات أبانا وترك بنوه،

 

فقال: علي بأبي الأسود ضع العربية، وروى يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش عن عاصم قال: أول من وضع العربية أبو الأسود الديلي، جاء إلى زياد بالبصرة فقال: إني أرى العرب قد خالطت الأعاجم وتغيرت ألسنتهم أفتأذن لي أن أضع للعرب كلاماً يعرفون أو يقيمون به كلامهم، قال: لا، قال فجاء رجل إلى زياد فقال: أصلح الله الأمير توفي أبانا وترك بنونا، فقال زياد: توفي أبانا وترك بنونا؟ ادع لي أبا الأسود، فقال: ضع للناس الذي نهيتك أن تضع لهم.


ويقال إن السبب في ذلك أنه مر بأبي الأسود سعد وكان رجلاً فارسياً من أهل بوزنجان كان قدم البصرة مع جماعة من أهله فدنوا من قدامة بن مظعون الجمحي فادعوا أنهم أسلموا على يديه وأنهم بذاك من مواليه فمر سعد هذا بأبي الأسود وهو يقود فرسه قال: ما لك يا سعد لا تركب؟ قال: إن فرسي ضالع، فضحك به بعض من حضره، قال أبو الأسود: هؤلاء الموالي قد رغبوا في الإسلام ودخلوا فيه فصاروا لنا إخوة فلو علمناهم الكلام، فوضع باب الفاعل والمفعول لم يزد عليه.


اقرأ ايضا: ظن وإن وأخواتها


وكان أبو الأسود الدؤلي من أفصح الناس، قال قتادة بن دعامة السدوسي قال أبو الأسود الديلي: إني لأجد لِلّحن غَمزاً كغمز اللحم.


ويقال إن ابنته قالت له يوماً:
يا أبتِ ما أحسن السماء، قال: أي بنية نجومها، قالت: إني لم أرد أي شيء منها أحسن إنما تعجبت من حسنها، قال: إذاً فتقولي ما أحسن السماء، فحينئذ وضع كتاباً ويقال إن ابنته قالت له: يا أبتِ ما أشد الحر، في يوم شديد الحر، فقال لها: إذا كانت الصقعاء، من فوقك والرمضاء من تحتك، قالت: إنما أردت أن الحر شديد، قال: فقولي إذاً ما أشد الحر، والصقعاء الشمس.


ويروى أن أبا الأسود لقى ابن صديق له فقال له: ما فعل أبوك، قال: أخذته الحمى ففضخته فضخاً وطبخته طبخاً ورضخته رضخاً فتركته فرخاً، قال أبو الأسود: فما فعلت امرأته التي كانت تزاره وتماره وتشاره وتضاره، قال: طلقها وتزوج غيرها فحظيت عنده ورضيت وبظيت، قال أبو الأسود: فما معنى بظيت؟

قال: حرف من اللغة لم تدرِ من أي بيض خرج ولا في أي عش درج، قال: يا ابن أخي لا خير لك فيما لم أدر.


وروي عن عبد الله بن بريدة قال قيل لأبي الأسود الديلي: أتعرف فلاناً، قال: لا فإنه يتسارع في أطماعكم ويتثاقل عن حوائجكم ولكن عرفوا فلاناً فإنه الأهيس الملد المجلس إن أعطى أنتهز وإن سل أرز.


وأما نصر بن عاصم فقد روى محبوب البكري عن خالد الحذاء قال: سألت نصر بن عاصم وهو أول من وضع العربية: كيف نقرؤها قال قل هو الله أحد الله الصمد، لم ينون، قال: فأخبرته أن عروة ينون فقال: بئسما قال وهو للبئس أهل، فأخبرت عبد الله بن أبي إسحاق بقول نصر بن عاصم فما زال يقرأ بها حتى مات.

اقرأ ايضا: كيفية إتقان مهارة التحدث بالفصحى

واختلف عن محبوب في عروة وعزرة فقال خلف بن هشام عروة وقال عمر بن شبة عزرة، وكان نصر بن عاصم أحد القراء والفصحاء وأخذ عنه أبو عمرو بن العلاء والناس.


وروي عن عمرو بن دينار قال: اجتمعت أنا والزهري ونصر بن عاصم فتكلم نصر فقال الزهري: إنه ليفلق بالعربية تفليقاً.


وأما عبد الرحمن بن هرمز فروى ابن لهيعة عن أبي النضر قال كان عبد الرحمن بن هرمز أول من وضع العربية وكان أعلم الناس بأنساب قريش وأحد القراء.

 

وأخذ عن أبي الأسود الديلي جماعة منهم يحيى بن يعمر وعنبسة بن معدان وهو عنبسة الفيل وميمون الأقران ويقال ميمون ابن الأقرن، ويقال أن نصر بن عاصم أخذ عن أبي الأسود.


فأما يحيى بن يعمر فهو رجل من عدوان بن قيس بن عيلان بن مضر وكان عداده في بني ليث من كنانة وكان مأموناً عالماً قد روى عنه الحديث ولقي ابن عمر وابن عباس وغيرهما وروى عنه قتادة وغيره.


ويقال إن أبا الأسود لما وضع باب الفاعل والمفعول زاد في ذلك الكتاب رجل من بني ليث أبواباً ثم نظر فإذا في كلام العرب ما لا يدخل فيه فأقصر عنه فيمكن أن يكون الرجل الذي من بني ليث يحيى بن يعمر إذ كان عداده في بني ليث، ويقال أن الحجاج بن يوسف قال ليحيى بن يعمر: أتجدني ألحن؟

 

قال: الأمير أفصح من ذاك. قال: عزمت عليك لتخبرني وكانوا يعظمون عزائم الأمر، فقال يحيى بن يعمر: نعم في كتاب الله، قال: ذاك أشنع له ففي أي شيء من كتاب الله؟ قال: قرأت: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة: 24] فترفع أحب وهو منصوب.

قال: إذاً لا تسمعني ألحن بعدها. فنفاه إلى خراسان. ويقال إن يزيد بن المهلب كتب من خراسان إلى الحجاج: أنا لقينا العدو ففعلنا واضطررنا هم إلى عرعرة الجبل ونحن بحضيضه.

قال فقال الحجاج: ما لابن المهلب ولهذا الكلام؟

قيل له: إن ابن يعمر هناك. فقال: إذاً.


وأما عنبسة بن معدان فإن معدان رجل من أهل ميسان قدم البصرة وأقام بها وكان لعبد الله بن عامر قيل بالبصرة فاستكثر النفقة عليه فأتاه معدان فتقبل به بنفقته وفضل في كل شهر فكان يدعى معدان الفيل. فنشأ له ابن يقال له عنبسة فتعلم النحو وروى الشعر وظرف فادعى إلى مهرة بن حيدان. فبلغ الفرزدق أنه يروي عليه شعر جرير فقال:

لقد كان في معدان والفيل زاجرٌ = لعنبسة الراوي على القصائد


فسأل بعض عمال البصرة عنبسة عن هذا البيت وعن الفيل فقال عنبسة: لم يقل والفيل إنما قال: اللؤم. فقال: إن أمراً فررت منه إلى اللؤم لأمرٌ عظيم.


وقال أبو العباس محمد بن يزيد قال أبو عبيدة: اختلف الناس إلى أبي الأسود يتعلمون منه العربية فكان أبرع أصحابه عنبسة بن معدان المهري. واختلف الناس إلى عنبسة فكان البارع من أصحابه ميمون الأقرن فكان صاحب الناس فخرج عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي. وحدث عمر بن شبة قال حدثني عبد الله بن محمد التوزي الصدوق ما علمت العفيف قال سمعت أبا عبيدة معمر بن المثنى يقول: أول من وضع العربية أبو الأسود الديلي ثم ميمون الأقرن ثم عنبسة الفيل ثم عبد الله بن أبي إسحاق. ففي هذه الحكاية ميمون قبل عنبسة وفي الحكاية التي قبلها عنبسة قبل ميمون.


وذكر محمد بن سلام قال كان بعد عنبسة وميمون الأقرن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي وكان في زمان ابن أبي إسحاق عيسى بن عمر الثقفي وأبو عمرو بن العلاء ومات ابن أبي إسحاق قبلهما ويقال أن ابن أبي إسحاق كان أشد تجريداً للقياس وكان أبو عمرو أوسع علماً بكلام العرب ولغاتها وغريبها. وكان بلال بن أبي بردة جمع بينهما وهو على البصرة يومئذ عمله عليها خالد بن عبد الله القسري أيام هشام. قال يونس قال أبو عمرو بن العلاء: فغلبني ابن أبي إسحاق يومئذ بالهمز فنظرت فيه بعد ذاك. قال: وبالغت فيه، وقال محمد بن سلام: سمعت رجلاً يسأل يونس عن ابن أبي إسحاق وعلمه. قال: هو والنحو سواء، أي هو الغاية. قال: فأين علمه من علم الناس اليوم؟ قال: لو كان في الناس اليوم من لا يعلم إلا علمه لضحك به ولو كان فيهم أحد له ذهنه ونفاذه ونظر نظرهم كان أعلم الناس.

 

وكان ابن أبي إسحاق يكثر الرد على الفرزدق والتعنت له فلما قال الفرزدق في قصيدة يمدح فيها يزيد بن عبد الملك.

مستقبلين شمال الشأم تضربنا = بحاصبٍ كنديف القطن منشور
على عمائمنا تلقى وأرحلنا = على زواحف ترجى مخها رير


فألح عليه ابن أبي إسحاق وعابه بخفض البيت الأول ورفع الثاني فغيره الفرزدق فقال: على زواحف نرجيها محاسير. وكان ابن أبي إسحاق يرد على الفرزدق كثيراً فقال فيه الفرزدق.

فلو كان عبد الله مولى هجوته = ولكن عبد الله مولى مواليا


وكان عبد الله بن أبي إسحاق مولى آل الحضرمي وهم حلفاء بني عبد شمس بن عبد مناف والحليف عند العرب مولى.

من ذلك قول الراعي.

حزى الله مولانا غنياً ملامةً = شرار موالي عامرٍ في العزائم

 

وقال الأخطل لجرير:

أتشتم قوماً أثبتوك بنهشلٍ = ولولاهم كنتم لعكل مواليا

يعني حلف الرباب لعكل.


وذكر حسين بن فهم قال حدثنا ابن سلامة قال اخبرنا يونس: أن أبا عمرو كان أشد تسليماً للعرب وكان ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر يطعنان على العرب.


فأما أبو عمرو بن العلاء فهو من الأعلام في القرآن وعنه أخذ يونس بن حبيب والرواية عنه في القراءة والنحو واللغة كثيرة. قال الأصمعي سألت أبا عمرو عن قوله تبارك وتعالى. فعززنا بثالث. مثقلة فقال شددنا وأنشد للمتلمس:

أجدٌ إذا ضمرت تعزز لحمها = وإذا تشد بنسعها لا تنبس

 

وأنشد المازني قال أنشدنا الأصمعي عن أبي عمرو لرجل من اليمن وقد سماه غيره فقال امرؤ القيس بن عابس:

أيا تملك يا تملي = ذريني وذري عذلي
ذريني وسلاحي ثم = شدى الكف بالعزل
ونبلي وفقاها كعرا = قيب قطاً طحل
وثوباي جديدان = وأرخي شرك النعل
ومني نظرة خلفي = ومني نظرة قبلي
فإما مت يا تملي = فموتي حرة مثلي


قال أبو عمرو: وزادني فيها الجمحي:

وقد أسبأ للندما = ن بالناقة والرحل
وقد أختلس الطعنة = تنفي سنن الرجل

يقول يخرج منها من الدم ما يمنع الرجل من الطريق.

وقد أختلس الطعنة = لا يدمي له نصل

– يعني من السرعة والحذق


كجيب الدفنس الورها = ء ريعت وهي تستفلي

– يعني من سعة الطعنة.


وقال محمد بن يزيد المبرد أخبرني المازني قال أنشدني الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء عن شيخ من أهل نجد كان أسنهم.

استقدر الله خيراً وأرضين به = فبينما العسر إذ دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبطٌ = إذا هو الرمس تعفوه الأعاصير
يبكي عليه غريب ليس يعرفه = وذو قرابته في الحي مسرور
حتى كأن لم يكن إلا تذكره = والدهر أيتما حالٍ دهارير

وأما عيسى بن عمر وهو في طبقة ابن عمرو بن العلاء فهو عيسى بن عمر الثقفي من أهل البصرة وليس بعيسى بن عمر الهمداني من أهل الكوفة وتروى عنه قرآت. وعيسى بن عمر الثقفي البكر من مقدمي نحويي أهل البصرة وكان أخذه من عبد الله بن أبي إسحاق وغيره. وعن عيسى بن عمر الثقفي أخذ الخليل بن أحمد.

 

ولعيسى كتابان في النحو سمى أحدهما الجامع والآخر المكمل. فقال الخليل بن أحمد:

بطل النحو جميعاً كله = غير ما أحدث عيسى بن عمر
ذاك الكمال وهذا جامع = فهما للناس شمس وقمر


وهذان الكتابان ما وقعا إلينا ولا رأيت أحداً يذكر أنه رآهما.