الأول ما ورد في التنزيل من إضمار الجمل (1)

ولا شك أنك قد عرفت الجمل ألا ترى أنهم زعموا أن الجمل اثنتان‏:

‏ فعليه واسمية وقد ورد القبيلان في التنزيل‏.‏

وذكر إضمار الجمل سيبويه في مواضع‏:‏

من ذلك قوله‏:‏ العباد مجزيون بأعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر أي إن عملوا خيراً فالمجزى به خير‏.‏

ومثله‏:‏ هذا ولا زعماتك أي ولا أتوهم‏.‏

أو‏:‏ فرقاً خير من حب • أي‏:‏ أفرق‏.‏

قال‏:‏ وحدثنا أبو الخطاب أنه سمع بعض العرب وقيل له‏:‏ لم أفسدتم مكانكم هذا قال‏:‏ الصبيان يا أبي‏.‏

فنصب كأنه حذر أن يلام فقال‏:‏ لم الصبيان‏.‏

ومن ذلك قوله عز وجل‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏

قال‏:‏ التقدير‏:‏ أبدأ باسم الله‏.‏

أو‏:‏ بدأت باسم الله أو‏:‏ ابدأ باسم الله‏.‏

وأضمر قوم فيها اسماً مفرداً على تقدير‏:‏ اٌبتدائى باسم الله‏:‏ فيكون الظرف خبراً للمبتدأ‏.‏

فإذا قدرت أبدأ أو اٌبدأ يكون باٌسم الله‏.‏

في موضع النصب مفعولاً به‏.‏

وإذا قدرت‏:‏ اٌبتدائى باٌسم الله يكون التقدير‏:‏ ابتدائى كائن باٌسم الله ويكون في باسم الله ضمير انتقل إليه من الفاعل المحذوف الذي هو الخبر حقيقة‏.‏

ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏” وإذ قال ربك ‏” أي واذكر إذ قال ربك‏.‏

وإن شئت قدرت‏:‏ وابتداء خلقكم إذ قال ربك‏.‏

وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏” ﴿ وإذ قلنا للملائكة ‏”

• أي‏:‏ واذكر إذ قلنا للملائكة‏.‏

وجميع إذ في التنزيل أكثره على هذا‏.‏

ومن حذف الجملة قوله تعالى‏:‏ ‏” ﴿ فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت ‏”

• أي‏:‏ فضرب فانفجرت

نظيره في الأعراف والشعراء‏:‏ فضرب فانبجست فضرب ‏” فاٌنْفَلَقَ ‏”‏.‏

ومن ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏” ﴿ فمن اضطر غير باغ ولا عاد ‏”‏.‏

• أي‏:‏ فمن اضطر فأكل وهو في صلة من و غير حال من قوله ‏” اضطُرَّ ‏” أو من الضمير في أكل‏.‏

وفيه كلام يأتيك في حذف المفعول‏.‏

ومثله‏:‏ ‏” ﴿ فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام ‏”‏.‏

• أي‏:‏ فأفطر فعدة من أيام موضعين جميعاً‏.‏

ومثله‏:‏ ‏” ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية ‏”‏.‏

• أي‏:‏ فيفطرون ففدية‏.‏

فهذه أفعال حذفت من الصلة‏.‏

ومثله‏:‏ بل ملة إبراهيم حنيفاً

• أي‏:‏ تتبع ملة إبراهيم حنيفاً‏.‏

والكسائي يقول‏:‏ نكون أهل ملة إبراهيم حنيفاً‏.‏

ومثله‏:‏ صبغة الله

• أي‏:‏ الزموا صبغة الله‏.‏

فأما قوله تعالى‏:‏ ‏”﴿ ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا ‏”‏.‏

فالتقدير‏:‏ إذا حلفتم وحنثتم‏.‏

فحذف حنثتم و لابد من إضماره لأن الكفارة بالحنث تجب لا بذكر اسم الله‏.‏

وهذه من طرائف العربية لأن حنثتم معطوف على حلفتم و ‏” حلفتم ‏” مجرور بالإضافة فكأنه قال‏:‏ وقت حلفكم وحنثكم والمتعارف حذف المضاف دون المضاف إليه‏.‏

وقد جاء ذلك أيضاً في التنزيل وله باب في هذا الكتاب‏.‏

ومن ذلك إضمار القول في قوله تعالى‏:‏ ‏”﴿ ورفعنا فوقكم الطور خذوا ‏” في الموضعين في سورة البقرة‏.‏

وفي قوله تعالى‏:‏ ‏”﴿ وظنوا أنه واقع بهم خذوا ‏” أي قلنا لهم‏:‏ خذوا‏.‏

ومثله‏:‏ ‏” ﴿ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسمعيل ربنا ‏”

• أي‏:‏ يقولان‏:‏ ربنا‏.‏

ومن ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏”﴿ الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ‏”‏.‏

أي يقولون‏:‏ ربنا‏.‏

عن الأخفش لأنه يبتديء بقوله‏:‏ ‏” ﴿ الذين يذكرون الله قياماً ‏” ويسند إليه ‏” يقولون ‏” المضمر‏.‏

مثله‏:‏ ‏” ﴿ وكتبنا له في الألواح من كل شئ موعظة وتفصيلاً لكل شئ فخذها بقوة

• أي‏: فقلنا له‏:‏ خذها بقوة‏.‏

ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏”﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم ‏”

• أي‏:‏ يقولون‏:‏ سلام عليكم‏.‏

ومنه قوله تعالى في قول الخليل‏:‏ ‏” ﴿ ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن ‏”‏.‏

قال‏:‏ التقدير‏:‏ من يقال لهم‏:‏ أيهم فحذف القول كقولهم‏:‏ وكانت عقيل خامري أم عامر فيحمله على الحكاية دون ‏” لَنَنْزِعَنَّ ‏” على تعليق العلم عند الكوفيين‏.‏

و يجوز أن يكون تقديره‏:‏ لننزعن كل شيعة‏.‏

وكذلك يجوز عندهم‏:‏ لننزعنهم متشايعين ننظر أيهم أشد‏.‏

وسيبويه يجعله مبنياً على الضم‏.‏

ومن إضمار القول قوله تعالى‏:‏ ‏” واٌخر من شكله أزواج‏.‏ هذا فوج مقتحم ‏”‏.‏

ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏”﴿ والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم ‏”‏.‏

• أي‏:‏ يقولون‏:‏ ما نعبدهم ‏” فيقولون ‏” خبر المبتدأ‏.‏

ومنهم من جعل يقولون في موضع الحال وجعل الخبر قوله‏:‏ ‏” ﴿ إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون ‏”‏.‏

ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏”﴿ إنما نطعمكم لوجه الله ‏”

• أي‏:‏ يقولون‏:‏ ‏”﴿ إنما نطعمكم ‏” إذ الآيتان داخلتان في القول فلا وقف على قوله‏:‏ ‏” ﴿ ولا شكوراً ‏”‏.‏

ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏”﴿ كلوا من رزق ربكم ‏”‏.‏

ومن إضمار القول قوله تعالى‏:‏ ‏”﴿ واسجد واقترب ﴾ ‏”

• أي‏:‏ قل للإنسان الطاغي‏:‏ واقترب تر العجب‏.‏

ومثله‏:‏ ‏” قد جاءكم بصائر من ربكم ‏” تقديره‏:‏ قل لهم‏:‏ قد جاءكم فأضمر قل‏.‏

يدل عليه قوله تعالى‏:‏ ‏” ﴿ وما أنا عليكم بحفيظ ‏”‏.‏

ومن إضمار الجملة قوله تعالى‏:‏

‏” فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين أن أرسل معنا بني إسرائيل قال‏:‏ ﴿ ألم نربك ‏”

• أي‏:‏ فأتياه وقالا له‏:‏ أرسل معنا بني إسرائيل‏.‏

فقال ألم نربك‏.‏

ومن ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏” ﴿ يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال ‏” في قراءة ابن عامر مرتبا للمفعول ومن ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏”﴿ واللائي يئسن من المحيض ‏” إلى قوله‏:‏ ‏”﴿ واللائي لم يحضن ‏” أي واللائى لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر فحذف المبتدأ والخبر‏.‏

ومن ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏”﴿ ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة ‏” والتقدير‏:‏ أمة غير قائمة‏.‏

ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏” ﴿ وتؤمنون بالكتاب كله ‏”

• أي‏:‏ وهم لا يؤمنون به كله فحذف ‏” وهم لا يؤمنون به كله ‏”‏.‏

ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏” ﴿ ولتستبين سبيل المجرمين ‏”

• أي‏:‏ وسبيل المؤمنين فحذف‏.‏

وقيل في قوله تعالى‏:‏ ‏” ﴿ وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ‏” إن التقدير‏:‏ وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون فحذف كقوله تعالى‏:‏ ‏”﴿ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن ‏”‏.‏

والتقدير إن أردن أو لم يردن‏.‏

ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏” يغشي الليل النهار ‏”

• أي‏:‏ ويغشى النهار الليل فحذف‏.‏

ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏” سرابيل تقيكم الحر ‏”

• أي‏:‏ وسرابيل تقيكم البرد فحذف‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏” ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا ‏”

• أي‏:‏ يقولون‏:‏ ربنا‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏” فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم ‏”

• أي‏:‏ بعثناهم ليسوءوا‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏” فآمنوا خيراً لكم ‏”

• أي‏:‏ فآمنوا وأتوا خيراً لكم‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏” وانفقوا خيراً لأنفسكم ‏”

• أي‏:‏ وأتوا خيراً لأنفسكم ‏”‏.‏

وأنشدوا‏:‏ فواعديه سرحتى مالك أو الربا بينهما أسهلا

• أي‏:‏ ائتى مكاناً أسهل‏.‏

ومن إضمار الجملة قوله تعالى‏:‏

‏” فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى الله الموتى ‏”

• أي‏:‏ فضربوه ببعضها فحيى وأخبر بقاتليه ثم خر ميتاً‏.‏

يدل على صحة الإضمار قوله‏:‏ ‏” ثم قست قلوبكم ‏” ف قست‏:‏ معطوف على ‏” خَرَّ ‏”‏.‏

ومن إضمار الجملة قوله تعالى‏:‏

‏” فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ‏”‏.‏

• أي‏:‏ فأكل غير باغ فلا إثم عليه‏.‏

ونظيره في المائدة‏:‏ ‏” فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم ‏”‏.‏

• أي‏:‏ فأكل غير متجانف‏.‏

نظيره في سورة النحل‏:‏ ‏” فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم ‏”‏.‏

• أي‏:‏ فأكل‏.‏

وكذا في الأنعام‏:‏ ‏” فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم ‏”

• أي‏:‏ فأكل‏.‏

وفي الآى كلام تراه في حذف المفعول‏.‏

نظيره‏:‏ ‏” فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ‏”‏.‏

ولم يقل‏:‏ فافعل‏.‏

وعلى هذا إضمار جواب لو في التنزيل كلها جمل حذفت‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏” ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعاً ‏”‏.‏

• أي‏:‏ لعلموا أن القوة‏.‏

ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏” ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ‏” ولم يقل‏:‏ لكان هذا القرآن‏.‏

فأما قوله تعالى‏:‏ ‏” لو تعلمون علم اليقين ‏” فالتقدير عند الأخفش‏:‏ ماألهاكم التكاثر فأضمر لجرى ذكره في أول السورة‏.‏

وعند غيره‏:‏ لو تعلمون علم اليقين لعلمتم أنكم ستردون الجحيم في الآخرة‏.‏

دل على هذا الخلاف ‏” لترون الجحيم ‏”‏.‏

فأما قوله تعالى‏:‏ ‏” كلا سوف تعلمون ‏” فالمعنى‏:‏ كلا لا ينفعكم التكاثر فحذف‏.‏

وقوله‏:‏ ‏” كلا لو تعلمون ‏”‏.‏

• أي‏:‏ كلا لا تؤمنون‏.‏

ومن ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏” فتوبوا إلى بارئكم ‏”‏.‏

ثم قال‏:‏ تعالى‏:‏ ‏” فتاب عليكم ‏” وأضمر ‏” فتبتم ‏”‏.‏

• أي‏:‏ تبتم فتاب عليكم‏.‏

ومنه قوله تعالى في حذف الجملة‏:‏ ‏” ويعقوب يا بنيَّ إن الله اصطفى لكم الدين ‏”‏.‏

• أي‏:‏ ويعقوب وقال عثمان‏:‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏”﴿ فمن عفى له من أخيه شئ ‏” يجوز أن يرتفع ‏” شئ ‏” ب ‏” عفي ‏” أو بفعل محذوف يدل عليه قوله ‏” عُفي ‏” لأن معناه‏:‏ ترك له شئ من أخيه أي من حق أخيه ثم حذف المضاف وقدم الظرف الذي هو صفة للنكرة عليها فانتصب على الحال في الموضعين منها‏.‏

وهذه الآية تجاذبها باب الجملة وباب الإضافة وباب حذف حرف الجر وباب الحال وستراها هناك إن شاء الله وحده‏.‏

ومن ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏”﴿ كتب عليكم الصيام‏ * أياماً معدودات ﴾ ‏” تقديره‏:‏ صوموا أياماً معدودات فحذف صوموا لأن قوله‏:‏ ‏” ﴿ كتب عليكم الصيام ‏” يدل عليه‏.‏

ولا ينتصب ب ‏” الصيام ‏” لأن الصيام مصدر فلا يفصل بينه وبين أيام بالكاف المنصوبة ب ‏” كتب ‏” لأن التقدير‏:‏ كتب عليكم الصيام كتابة مثل كتابته على الذين من قبلكم‏.‏

ومثل هذه الآية قوله تعالى‏:‏ ‏” لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً ‏”‏.‏

والتقدير‏:‏ وأحسنوا بالوالدين إحساناً فأضمر وأحسنوا لأن المصدر يدل عليه‏.‏

والدليل عليه قوله تعالى‏:‏ ‏” وقولوا للناس حسناً ‏”‏.‏

ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏” فإن خفتم فرجالاً ‏”‏.‏

• أي‏:‏ فصلوا رجالاً‏.‏

والتقدير‏:‏ لتستيقن ولنجعلك آية للناس‏.‏

نظيره قبله‏:‏ ‏” ولأتم نعمتي عليكم ‏”‏.‏

تقديره‏:‏ واشكروا ولأتم‏.‏

وقيل‏:‏ هو معطوف على قوله‏:‏ ‏” لئلا يكون للناس عليكم حجة ‏” ولأتم نعمتي عليكم ‏”‏.‏

وأما قوله تعالى‏:‏ ‏” ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ‏” فهو معطوف على المعنى لأن قبله ‏” قد جئتكم‏.‏

ومصدقا لما بين يدي ‏” أي جئتكم لأصدق التوراة والإنجيل ولأحل لكم ولتكملوا العدة‏.‏

نظيره في أحد القولين في سورة مريم عليها السلام‏:‏ ‏” ولنجعله آية للناس ‏”‏.‏

والتقدير‏:‏ قال‏:‏ كذلك قال ربك ويكون ‏” علّي هّين ‏” لأخلقه من غير أب ولنجعله آية للناس‏.‏

وقيل‏:‏ هو معطوف على قوله تعالى‏:‏ ‏” لأهَبَ لَكِ ‏”‏.‏

وقيل‏:‏ الواو في الآى كلها مقحمة‏.‏

ومثله‏:‏ ‏” وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث ‏”‏.‏

والتقدير‏:‏ ليستقيم أمره ولنعلمه‏.‏

مثله‏:‏ ‏” وكف أيدي الناس عنكم ‏”‏.‏

• أي‏:‏ لتسلموا من أذاهم وشذاهم ‏” ولتكون آية للمؤمنين ‏”‏.‏

ومثله‏:‏ ‏” فبإذن الله وليخزي الفاسقين ‏” • أي‏:‏ فبإذن الله ليظهر الحق‏.‏

قال أبو علي في قوله تعالى‏:‏ ‏” بوالديه إحساناً‏:‏ في سورة الأحقاف في قراءة الكوفيين إحساناً منصوب بمضمر يدل عليه ما قبله وهو قوله ‏” ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً ‏” كأنه لما قال‏:‏ ‏” ﴿ أخذنا ميثاق بني إسرائيل ﴾ ‏”

قال‏:‏ وقلنا لهم أحسنوا بالوالدين إحساناً‏.‏

كما قال‏:‏ ‏” وإذا أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة ‏” فالجار يتعلق بالفعل المضمر ولا يجوز أن يتعلق بالمصدر لأن ما يتعلق بالمصدر لا يتقدم عليه‏.‏

و ‏” أحسن ‏” يوصل بالباء كما يوصل بإلى يدلك على ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏” وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن ‏” فعداه بالباء كما تعدى بإلى في قوله تعالى‏:‏ ‏” وأحسن كما أحسن الله إليك ‏”‏.‏

والتقدير أنه لما قال‏:‏ ‏” ووصينا الإنسان ‏” وكان هذا الكلام قولا صار كأنه‏:‏ وقلنا‏:‏ أحسن أيها الإنسان بالوالدين إحسانا‏.‏

ووجه من قرأ في الأحقاف‏:‏ ‏” بوالديه حسناً ‏” أن يكون أراد بالحسن الإحسان فحذف المصدر ورده إلى الأصل كما قال الشاعر‏:‏ فإن يبرأ فلم أنفث عليه وإن يهلك فذلك كان قدري • أي‏:‏ تقديري‏.‏

ويجوز أن يكون وضع الاسم موضع المصدر كما قال‏:‏ والباء في هذين الوجهين متعلقة بالفعل المضمر كما تعلقت به في قول الكوفيين في قراءتهم إحساناً‏.‏

ومن إضمار الجملة قراءة ابن كثير في قوله تعالى‏:‏ ‏” أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ‏” بالاستفهام على تقدير‏:‏ بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم تعترفون أو تقرون فأضمر لأن قوله‏:‏ ‏” ولا تؤمنوا ‏” يدل عليه‏.‏

كما قال‏:‏ ‏” آلآن وقد عصيت قبل ‏” والتقدير‏:‏ الآن آمنت فأضمر آمنت لجرى ذكره في قوله ‏” آمنت ‏”‏.‏

ومن ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏” كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم ‏”‏.‏

والتقدير‏:‏ ولو شهدتم على أنفسكم فحذف الفعل‏.‏

ترك تعليق