براعة الوصف في شعر ابن الرومي

يعتبر الوصف واحدًا من أغراض الشعر العربي، إن لم نقل إنه الغرض الأساس الذي تنبني عليه بقية الأغراض، فالفخر والرثاء والغزل والمدح والهجاء، لا يُمكنها أن تكون أبوابًا قائمة الذات دون الوصف الذي يقيم لَبناتها، لكنه يستطيع أن يستقل بنفسه، ويَستلها من قراب الأغراض المختلفة؛ ليكون غرضًا لذاته وبذاته، وهنا تكمُن درجات عُسره على صانع الشعر، لذلك لا نستغرب إذا وجدنا فطاحلة الشعراء العرب يجيدون غرضًا دون غرض، ويبرعون في باب، ولا يستطيعون الإجادة في باب آخر، يتعسر على قرائحهم، فقد رأينا الشعراء المداحين المجيدين كالبحتري الذي لا يُتقن الهجاء كابن الرومي، فكان يتهيَّب منه، ويرجوه ألا يهجوه؛ لأنه لا يستطيع مجاراتاه، وشعراء آخرون يجيدون الغزل وهم من الفخر والرثاء أبعدُ، فقد كان ابن الرومي شاعرًا وصَّافًا متسمًا بالدقة في نقل صورة العالم الخارجي، دقة لم يمتلكها شاعر في العصر العباسي، جعلت ابن الرومي حقيقة أبرع شاعر في الوصف في العصر العباسي، خاصة أن موصوفاته لم تكن تتوقف عند حدود الأشياء المألوفة كمناظر الطبيعة من نهر وهلال وجبل، فهذه عناصر حفل بها الشعر العربي، وإنما كانت موصوفاته ملتقطة من الهوامش الاجتماعية التي قد لا يلتفت إليها الشاعر على الإطلاق، ليجد فيها السامع متعة فريدةً من نوعها، فيَنقله ابن الرومي إلى عالم بديع من الوصف الدقيق والعجيب مانحًا إياه التصوير الفوتوغرافي بأبعاده عبر اللغة الواصفة التي لا تدع للقارئ أي إحساس بالنقص الذي قد تتركه فجوة أو ثغرة في التصوير.

إنها ميزات خاصة اتَّصف بها شعر ابن الرومي، فهجاؤه لا بد أن يحمل المتلقي على الضحك إلى حد القهقهة لِما يحمله من تصويرات كاريكاتورية كأنما هو صحفي ينتقد الواقع والأشياء بلغة الكاريكاتور المعاصرة؛ يقول ابن الرومي في معلمٍ يُعلم الصبية وكان مغنيًا يثير النفور والإزعاج في نفس الشاعر[1]:

أبو سليمانَ لا تُرضِي طريقتُه
لا في غناءٍ ولا تعليمِ صِبْيانِ
له إذا جاوبَ الطُّنبورَ مُحْتفلًا
ضَرْبٌ بمصْرَ وصوتٌ في خُراسانِ
عُواءُ كَلْبٍ على أوتارِ مِندَفَةٍ
في قُبْحِ قردٍ وفي اسْتكْبارِ هامانِ
وتحْسَبُ العيْنُ فَكَّيْهِ إذا اخْتلفَا
عنْد التَّنغُّم فَكَّيْ بغلِ طَحَّانِ

وفي معرض آخر قال عن رجل يُدعى عيسى وكان بخيلًا[2]:

يُقَتِّرُ عيسَى على نفْسِهِ
وليْسَ بباقٍ ولا خالدِ
فلو يستطيعُ لتَقْتييرِهِ
تنفَّسَ منْ مِنْخَرٍ واحدِ

صور من هذا النوع وغيرها كثيرة لا بد أنها ستحملك على الضحك، لما تحتويه من دقة تصويرية بليغة، تحملها بداعة الوصف القائم على عمق النظر، وإدراك الأجزاء الملاحظة غاية الإدراك بما لا يترك جزئية تنفلت من عقال التصوير، فالمعلم غير مرضية طريقته في التدريس، وغير ممتع صوته في الغناء المتسم بالنَّشاز والشتات عبر الجغرافيا البعيدة المستحيلة من باب التهويل المضحك، فالصوت في مصر والآخر في خراسان، وهو كعواء الكلب المزعج، لينتقل ببراعة منقطعة النظير إلى وصف الشكل المستقبح غاية الاستقباح الذي لا ينكر (صورة القرد)، وما يبعث عليه من ضحك هستيري أحيانًا، ووصف الطبع وهو الاستكبار والعجب ملبسًا إياه عباءة رمز تاريخي مشتهر هو هامان، فيجمع في البيت الرابع بين صورته المستقبحة الشبيهة بالبغل في لحظة تحرُّك الفكين للنطق بصورة الصوت المنبعث من الفكين عند طحن الشعير، وما أشبهه مثلًا، نقل بارع ومكتمل الصورة الكاريكاتورية لا يستطيعه إلا كبار الشعراء، يظهر أكثر في البيتين المواليين؛ حيث نقل صورة البخل بشكل عجيب وغريب قلما يفكِّر فيه شاعر أو إنسان حتى، صورة التقتير من المنخر الواحد حفاظًا على الهواء الذي هو ملك للجميع وهبة ربانية لا ينازع أحدٌ فيها أحدًا.

والمثير في شعر الوصف عند ابن الرومي كما أسلفنا الذكر، هو تناوله لموصوفات قلما يلتفت إليها، وهذا راجع إلى رهافة حسِّه ويقظة الشعور عنده أكثر من غيره، وحبه للأشياء التي كان يعرض لها، وقدرته على الإحاطة بدقائقها، ومن نادر شعره الوصفي، وكان قد حضر مائدة أبي بكر الباقطاني، فأكل ما أكل، ثم وصف ذلك كله مركزًا على وصفه الدجاج والقطائف والثرائد[3]:

وسَميطَةٍ صفراءَ دينَارِيةٍ
ثَمنًا ولوْنا وزفَّها لكَ حَزورُ
عَظُمَتْ فكادتْ أنْ تكونَ إوَزَّةً
وغلَتْ فكادَ إهابُها يَتفَطَّرُ
طَفِقَت تجودُ بذَوْبِها جَوْذابةٌ
فأتَى لبابِ اللَّوْزِ فيها السكَّرُ
ظَلْنا نُقَشِّرُ جِلْدَها عنْ لحْمِها
فكأنَّ تِبرًا عنْ لُجيْنٍ يُقَشَّرُ
وتقدَّمَتْها قبلَ ذاكَ ثرائدُ
مثلُ الرِّياضِ بمثلِ ذلك تصْدُرُ
ومُرَقَّقَاتٌ كلُّهُنَّ مُزَخرَفٌ
بالبيضِ منها ملبسٌ ومُدَثَّرُ
وأتتْ قطائفُ بعْد ذاك لطائِفٌ
ترْضَى اللهاةُ بها ويرْضى الحنجرُ

ومن جميل وصفه في الطبيعة وصفه لشقائق النعمان[4]:

أشقائقَ النُّعمان بيْن رُبَى
نعمانَ أنتِ مَحاسنُ النِّعَمِ
غدتِ الشقائقُ واصفةً
آلاءَ ذي الجبروتِ والعِظَمِ
شُعَلٌ تزيدُكَ في النَّهارِ سنًى
وتضيء في محلولك الظلمِ
أعْجِبْ بها شُعَلًا على فَحَمٍ
لم تشتعلْ في ذلكَ الفَحمِ
وكأنَّما لمْع السَّوادِ إلى
ما احْمَرَّ منْها في ضُحى الرَّهَمِ
حَدَقُ العواشِقِ وُسِّطَتْ مُقَلًّا
نَهَلَتْ وعلَّت من دُموع دَمِ

والأكثر من هذا الوصف البديع وغيره كثير عنده، براعته في التلاعب بالحروف وتقليبها وتصحيفها أحيانًا مما يدل على تفوُّق ابن الرومي تفوقًا باهرًا للدرجة التي جعلته يتعالى على منطق الوصف نفسه، ويتجاوزه إلى حدود التلاعب بالحروف عبر لعبة القلب والإعجام والإهمال، واصفًا مالم يصفه غيره من الشعراء كالموز مثلًا حينما قال[5]:

إنما الموزُ حينَ تمْكُنُ منهُ
كاسْمِهِ مُبْدَلا من الميم فاءَ
وكذا فقْدُه العزيزُ علينا
كاسْمِه مُبْدلاً من الزَّايِ تاءَ
فهو الفَوْزُ مثلَ ما فقْدُهُ الموتُ
لقد بانَ فضْلُهُ لا خَفَاءَ
ولهذا التأويل سماه فوزًا
من أفاد المعانيَ الأسماءَ
نكهةٌ عذبةٌ وطَعْمٌ لذيذٌ
شاهدا نعْمَةً على نَعْمَاءَ
وتخال انْسِرابَهُ في مجاريهِ
اقْتراعَ الأبْكارِ والإغْفَاءَ
لو تكونُ القلوبُ مأوى طعامٍ
نازعَتْه قلوبُنا الأحشاءَ
إنني لحقيقٌ بالشَّبع السَّائغ منْ
أكْلهِ وإنْ كان ماءَ

إن الناظر لمثل هذا الوصف سيجزم فعلًا أن ابن الرومي كان يمتلك من القوة الشعرية ما يجاوز المعتاد، مما جعل اللغة الواصفة بين يديه طَيِّعةً، يصنع بها ما يشاء في شعره، يُقلب ما شاء، ويصحف ما أراد للتعبير عن مزاجه المتَّسم بالتطير والتشاؤم، أو هجاء لغيره، فقد صحَّف لفظة قينة وصيَّرها فتنة توقع في البلية، فيقول[6]:

لا تلْحُ مَنْ تَفْتِنهُ قيــْنَةٌ ♦♦♦ فإنَّ تصْحيفَ اسمها فِتْــــــنَة

وصحف اسم “إسحاق” وقلبه إلى “فاحش”، وذلك بعد إلغاء الهمزة في أوله وقراءته مقلوبًا من آخره، بعد تصحيف القاف فاء والسين شينًا يقول في هجاء المدعو “أبا إسحاق”[7]:

يا أبا إسْحاقَ واقْلِبْ
نظْم إسْحاق وصَحِّفْ
واتْركِ الحاءَ على حالٍ
فما للمَاءِ مَصْرِفْ
يشْهَد اللَّه لقَدْ
أصبحت عينَ المُتَخَلِّفْ

لقد تجاوز ابن الرومي حدود الوصف نفسه، ولذلك لا أجد مغالاة في اعتداده بنفسه حينما وصف الخباز وهو يدحو رقاقة الخبز قائلًا: انظروا إذا وصفت، أين يقع الناس كلهم مني؟ هل أحد قط أملح من قولي في صفة الرقاقة[8]:

ما أنْسَ لا أنْسَ خبَّازا مررْتُ بهِ
يدْحُو الرُّقاقَةَ وشْكَ اللَّمْحِ بالبَصَرِ[9]
ما بيْن رؤْيَتِها في كفِّهِ كُرَة ٌ
وبين رؤْيَتهَا زهْراءَ كالقَمرِ
إلا بمِقْدارِ ما تنْداحُ دائرَةٌ
في صَفْحَةِ الماءِ يرمِي فيهِ بالحَجَرِ

نماذج مثل هاته تضعنا حقيقة أمام رهبة هذا الشاعر الجهبيذ الذي نكاد نجزم أنه لا يُضاهى في عصره، لا من حيث اللغة الواصفة فحسب، ولكن من حيث صدق التعبير الوصفي النابع من الإحساس بحب الأشياء التي يصفها أو مَقتها، منطلقة توصيفاته البديعة الدقيقة من رهافة الإحساس لديه، وصدق الشعور، ويقظة الحدس الشعري، الأمر الذي جعل ابن الرومي في نظري شاعرًا وصَّافًا بامتياز، قادرًا على نقل الصور الخارجية عبر اللغة الشعرية المتمكنة بفنيَّة عالية جعلته واحدًا من كبار شعراء العربية.

 


[1] ابن الرومي حياته من شعره ص143.

[2] ديوان ابن الرومي ج 1، ص 251.

[3] زهر الآداب ج 1.

[4] الديوان ج2، ص180.

[5] الديوان ج1، ص 34 ـ 35.

[6] ابن الرومي حياته من شعره ص212.

[7] المرجع السابق ص 212.

[8] ابن الرومي سلسلة نوادر الظرفاء من الشعراء والأدباء، قدَّم لها وصنَّفها الدكتور يحيى شامي، الكتاب صدر عن دار الفكر العربي، بيروت ط1 سنة 1992.

[9] العمدة ابن رشيق القيرواني ج2، ص 237.

ترك تعليق